صفحة المجلة التصفح البحث المساعدة عن المكتبة
       

 





المسلم المعاصر بداية حقيقة للحوار الفكري


(مقال نشر في مجلة الطليعة الصادرة بالقاهرة، السنة 11، مارس 1975)

بقلم السيد ياسين

بعقلية متفتحة للحوار مع كل التيارات الفكرية المعاصرة، وعن طريق اصطناع المنهج العلمي في التفكير والنقاش والنقد والجدل، صدرت في بيروت مجلة إسلامية جديدة هي "المسلم المعاصر" التي وصفت نفسها في عددها الأول الصادر في شوال 1394 - أكتوبر 1974 بأنها "فصلية فكرية تعالج شئون الحياة المعاصرة على ضوء الشريعة الإسلامية"، وصاحب امتياز المجلة ورئيس تحريرها هو الدكتور جمال الدين عطية.

فلنر أولاً كيف يقدم رئيس التحرير لمجلته، وكيف يصور دور بعض كتابها، قبل أن نناقش اتجاه المجلة الذي نراه، ومنذ البداية - جديرًا بكل ترحيب يركز الدكتور جمال الدين عطية في "كلمة التحرير" التي جعل عنوانها "هذه المجلة" على تحديد سمات المجلة الجديدة، فهي في نظره أولاً مجلة علمية، فهي ليست مجلة إخبارية أو إعلامية، ولكنها مجلة تحاول الوصول إلى الرأي الحق في المشكلات التي تعترض الإسلام فكرًا وتطبيقًا في العالم المعاصر، وهي أيضًا مجلة فكرية بمعنى اهتمامها بالبحوث والدراسات التي تناقش الاتجاه والمنهج والأصول في المقام الأول، وهي لذلك في نظر رئيس تحريرها مجلة "الريادة" الفكرية، وهي فوق ذلك كله مجلة "الاجتهاد" وهي لا تكتفي بالبحث في ضرورة فتح باب الاجتهاد في فروع الفقه، بل تتعداه إلي بحوث الاجتهاد في أصول الفقه، حتى يعود للفكر الإسلامي حيويته التي تجمدت قرونًا متعددة. غير أن "الاجتهاد" الذي تدعو له المجلة يتجاوز التراث -كما يقرر الدكتور عطية- مرتين يتجاوزه مرة تجاوز الواعي الدارس الذي يعتمد أساسًا على المنابع الأولى: الكتاب والسنة، مقدمًا كليهما على ما سواهما من العلوم الإسلامية التقليدية، ويتجاوز التراث مرة أخرى، واعيًا دارسًا مستفيدًا أيضًا ليلتحم بالعصر، ناهلاً من علومه ومتفاعلاً مع قضاياه ومتفهمًا لمشكلاته.

وهي مجلة واقعية، بمعنى أن اهتمامها في مجال تطبيق الشريعة الإسلامية يتجه إلي أن يعيش المسلمون الإسلام في واقع حياتهم لا أن ينتظروا لذلك قيام "المدينة الفاضلة"! وهي لذلك تنزع نزعة عالمية، مقدرة أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين المجتمعات الإنسانية المعاصرة، حتى ليكاد العالم يصبح كيانًا واحدًا، غير أن الطابع العالمي للمجلة لن يقف -كما يقرر رئيس تحررها- عند بحث بعض المشاكل العالمية، بل إنه "يستتبع احتكاكًا علميًا بالتيارات والتجمعات المعاصرة على كافة المستويات الإقليمية والعالمية.. وبذلك تسهم المجلة في إقامة جسور الحوار بين الفكر الإسلامي وغيره من الأفكار والمبادئ والتيارات".

ويخطو الدكتور جمال الدين عطية خطوة أبعد، حين يقرر أن المجلة لن تقتصر على إقامة جسور الحوار فقط، بل إنها ستسعى لإقامة جسور التعاون بين الاتجاه الإسلامي وبين كل المخلصين لنهوض العرب والمسلمين، وإن اختلفت مناهجهم، فهي "تفتح باب الحوار معهم بغية الوصول معهم إلى أرض مشتركة تعين على انطلاقة موحدة أو متعاونة أو متفهمة لخير العرب والمسلمين".

وهكذا تتحدد الملامح الرئيسية لهذه المجلة الإسلامية الجديدة، والتي يزيدها وضوحًا الكاتب الإسلامي المصري المعروف فتحي عثمان في مقالة له بعنوان: "أتوقع أن تكون هذه المجلة". يقرر الأستاذ فتحي عثمان بوضوح قاطع: أتوقع أن تكون لسان "اليسار الإسلامي"، متابعة للاصطلاح السياسي الحديث في تقسيم القوى والجماعات والأفكار.. إن "الإسلام" مظلوم حين يوضع دائمًا مع اليمين لمجرد أنه دين.. ومنهج القرآن لتوجيه الإنسان، يجعل المسلم في قلب اليسار. ويتابع فكره قائلاً: إن المسلم يحارب الظلم الاجتماعي والسياسي، وهو ثابت القدم متوازن النفس، متجدد الفكر؛ لأنه في معركته مجاهد في سبيل الله، وتصحيح الأوضاع "عقيدة" و"عبادة" لأنه إحقاق للحق، والله نفسه هو الحق المبين، فماذا بعد الحق إلا الضلال.. فأنى تصرفون.

ويحدد فتحي عثمان ملامح "اليسار المسلم" بأنه "يجاهد في سبيل الله والمستضعفين، ويناصر الأيدي العاملة التي يحبها الله ورسوله، ويسعى إلى الحلول الجذرية للقضايا السياسية والاجتماعية، وهذا اليسار يؤمن بأن "الجذرية" لا بد أن تستوعب الأصول والأسس في واقع الكيان المادي والروحي معًا، واليسار المسلم يتمسك بالديموقراطية؛ إذ هي "حكم الله في المصالح والعلاقات الإنسانية، حيث لا يكون النص الإلهي الملزم القاطع في وروه ودلالته". ويتابع الأستاذ فتحي عثمان: "الديمقراطية الصحيحة لا تتواطأ قط مع الطغاة من أصحاب السطوة والثروة مهما كانت [أوضاعهم القائمة]، ولا تتنكر للمقهورين أصحاب الحق سواء هدءوا أم ثاروا.. إنها لا تخفي [الأمر الواقع] لمجرد أنه [واقع] أو [مستقر]، بل ترجع إلى الأصول والأسانيد، وتحق الحق ولو كره الكارهون".

وإذا كنا قد حاولنا حتى الآن أن تبرز الملامح الرئيسية للمجلة كما يتصورها رئيس تحريرها وأحد كتابها، فإنه يبقى أن نلقي نظرة سريعة على محتوى العدد الأول، أو بحث يطالعنا للأستاذ عبد الحليم محمد أحمد موضوعه "خواطر حول العقل المسلم المعاصر". ونجد في هذه المقالة تجسيدًا حيًا لعدد من المبادئ التي أعلن الدكتور عطية أن مجلته تصدر عنها، ذلك أن المقالة تتضمن إدانة صارمة للفكر السلفي التقليدي الذي يتشبث بغباء بستائر الماضي، زاعمًا أن كل مشكلات الإنسانية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها قد وجدت في "التراث" حلولها، وهكذا يكن أن يتجمد العقل الإسلامي إذا ما وقع أسير هذا الوهم. يقرر الكاتب "وإذا كنا ندعو إلى نبذ التقديس للتراث وإخضاعه للدراسة الناقدة ثم تجاوزه؛ فالنقد لن ينصب على علاقة التراث بمشكلات عصره العقلية والخلقية إنما ينصب على مدى صلاحيته لموقفنا اليوم الذي قد تغير كثيرًا".

وفي فقرة من المقال بعنوان "حلول السلبية في الفكر الإنساني"، يقرر الكاتب "هناك من يفرق بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، فيرى أن نأخذ الأولى وندع الثانية، وهناك من يرفض الرفض الكلي لبعض النظريات الحديثة مثل نظرية دارون ونظرية فرويد ونظرية ماركس، وهناك من يرمي الفكر الإنساني كله بالكفر أو بجاهليته. وقد ترتب على مثل هذه الصرخات الخاطئة أن غلب موقفنا السلبي من الفكر الإنساني". ويدين الكاتب هذه الاتجاهات الخاطئة جميعًا، ويدعو إلي أن يقوم حوار مثمر يمارسه المتخصصون، حتى يستفيد الفكر الإسلامي من الإيجابيات الكافية في التيارات الفكرية المعاصرة أيًا كان منبعها ومنشؤها.

وتجد بعد ذلك أربع دراسات: السنة التشريعية وغير التشريعية للدكتور محمد سليم العوا، ونظرة عابرة على حقوق الإنسان الأساسية لأبي الأعلى المودودي، وفي التفسير الإسلامي للتاريخ للدكتور عماد الدين خليل، والخصائص الثابتة اللازمة والخصائص المكتسبة للحركة الإسلامية لتوفيق الطيب. بالإضافة إلى الأبواب التالية: قراءات، يعرض فيه زين العابدين الركابي لكتاب "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" لابن تيمية، وباب حوار اشتمل على عدة مقالات تعبر عن وجهات نظر بصدد المجلة، وباب نقد الكتب تولى فيه د. جمال الدين عطية عرض كتاب المسلم في عالم الاقتصاد لمالك بن نبي، وباب خدمات مكتبية اشتمل على قائمة مراجع في الاقتصاد الإسلامي، وباب وثائق نشرت فيه اتفاقية إنشاء البنك الإسلامي للتنمية، وباب مؤتمرات عرض فيه لتنظيمات مهرجان العالم الإسلامي الذي سينعقد في لندن عام 1976.

والحقيقة أننا نعتبر صدور هذه المجلة واتجاهها العلمي، ورغبتها في إقامة حوار فكري مفتوح بلا قيود مع كافة التيارات الفكرية في الساحة العربية، وأكثر من ذلك رغبتها في إقامة جسور من التعاون المشترك، يعد في ذاته حدثًا ثقافيًا له دلالته البالغة، ولعل أهم هذه الدلالات أن الوسط الثقافي العربي قد وصل إلى درجة من النضج تسمح بأن تخرج هذه المنابر الإسلامية الجادة، الراغبة في الوصول إلى حد أدنى من الوحدة الفكرية مع باقي التيارات الفكرية كالماركسية والناصرية.

وإذا كانت هذه الدعوة المخلصة للحوار قد صدرت من جانب هذا التيار الإسلامي الثوري الذي ينطلق في ضوء مسلمات "اليسار الإسلامي" كما عبر عن ذلك الأستاذ فتحي عثمان، فليس من قبيل الصدفة أن تنطلق في نفس الوقت محاولات الالتقاء من جانب التيار الماركسي، ولعل المساجلات التي دارت أخيرًا على صفحات "الطليعة" و"روز اليوسف" حول الماركسية والإسلام، تشهد على ذلك.

وخلاصة ذلك كله أننا - فيما يبدو- على أعتاب مرحلة جديدة من مراحل الحوار بين الإسلام والاشتراكية، مرحلة لن يكفي فيها مجرد القناعة بإثبات حقيقة أنه "لا تعارض" بين أن تكون ماركسيًا ومسلمًا في نفس الوقت، ولكن لا بد من ممارسة الحوار في ضوء المناقشة الفلسفية العميقة لنظرية المعرفة ذاتها في الإسلام والماركسية، بغير هذه المناقشة التي ينبغي أن تمارس بأكبر قدر من الصراحة والتجرد لن يكون من السهل الوصول إلى نتائج حاسمة بصدد وحدة القوى الفكرية الأساسية في معركتها ضد استغلال الإنسان للإنسان، وفي سعيها نحو تحقيق التقدم والعصرية للمجتمع العربي المعاصر.









 سيرة ومسيرة

 شهادات ونقد ومقترحات
 قصاصات صحفية
 أبحاث ودراسات
 دعم وقفية المجلة


 جمعية المسلم المعاصر

 اتصل بنا

 


  شروط الخدمة

© جميع حقوق الملكية محفوظة لشبكة إسلام أون لاين . نت وجمعية المسلم المعاصر 2003