|
دعم وقف مجلة المسلم المعاصر من أموال الزكاة
(سهم في سبيل الله)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فلقد أصبحت أحاديث كثيرة عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه تدل
على أن المعنى المتبادر لكلمة "سبيل الله" هو الجهاد، كقول عمر في
الحديث الصحيح: "حملت على فرس في سبيل الله" يعني في الجهاد، وحديث
الشيخين: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها".
وهذه القرائن كافية في ترجيح أن المراد من "سبيل الله" في آية المصارف،
هو الجهاد، كما قال الجمهور، وليس المعنى اللغوي الأصلي، وقد أيد ذلك
حديث: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة..."، وذكر منهم "الغازي في سبيل
الله". وهذا ما اختاره الشيخ أبو زهرة رحمه الله في بحثه في "الزكاة"
الذي قدمه لمؤتمر البحوث الإسلامية الثاني.
ولهذا أوثر عدم التوسع في مدلول "سبيل الله" بحيث يشمل كل المصالح
والقربات. ولكني أرجح عدم التضييق فيه، بحيث لا يقصر على الجهاد بمعناه
العسكري المحض.
إن الجهاد قد يكون بالقلم واللسان، كما يكون بالسيف والسنان، وقد يكون
الجهد فكريًا، أو تربويًا، أو اجتماعيًا، أو اقتصاديًا، أو سياسيًا،
كما يكون عسكريًا. وكل هذه الأنواع من الجهاد تحتاج إلى الإمداد والتمويل.
المهم أن يتحقق الشرط الأساسي لذلك كله، وهو أن يكون "في سبيل الله"
أي في نصرة الإسلام وإعلاء كلمته في الأرض، فكل جهاد أريد به أن تكون
كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، أيًا كان نوع هذا الجهاد وسلاحه.
فالنصرة لدين الله وطريقتها وشريعتها تتحقق بالغزو والقتال في بعض
الأحوال، بل قد يتعين هذا الطريق في بعض الأزمنة والأمكنة لنصرة دين
الله، ولكن قد يأتي عصر -كعصرنا- يكون فيه الغزو الفكري والنفسي أهم
وأبعد خطرًا وأعمق أثرًا من الغزو المادي والعسكري.
فإذا كان جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة قديمًا، قد حصروا هذا السهم
في تجهيز الغزاة والمرابطين على الثغور، وإمدادهم بما يحتاجون إليه
من خيل، وكراع، وسلاح، فنحن نضيف إليهم في عصرنا غزاة ومرابطين من
نوع آخر، أولئك الذين يعملون على غزو العقول والقلوب بتعاليم الإسلام،
والدعوة إلى الإسلام، أولئك هم المرابطون بجهودهم، وألسنتهم، وأقلامهم،
والدفاع عن عقائد الإسلام، وشرائع الإسلام.
ودليلنا على هذا التوسع في معنى الجهاد:
أولاً: أن الجهاد في الإسلام لا ينحصر في الغزو الحربي، والقتال بالسيف،
فقد صح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن سئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال:
كلمة حق عند سلطان جائر".
كما روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون،
وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف،
يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن،
ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء
ذلك من الإيمان حبة خردل".
ويقول الرسول (صلى لله عليه وسلم) "جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم،
وألسنتكم".
إن أهم مكاسب "ٍالمسلم المعاصر" هي إرساء أسس تقاليد منسجمة مع العصر
للإعلام الإسلامي. فقبل صدور ثانيًا: أن ما ذكرناه من ألوان الجهاد،
والنشاط الإسلامي لو لم يكن داخلاً في معنى الجهاد بالنص، لوجب إلحاقه
به بالقياس، فكلاهما عمل يقصد به نصرة الإسلام، والدفاع عنه، ومقاومة
أعدائه، وإعلاء كلمته في الأرض.
وقد رأينا للقياس مدخلاً في كثير من أبواب الزكاة. ولم نجد مذهبًا
إلا قال به في صورة من الصور.
وبذلك يكون ما اخترناه هنا في معنى "سبيل الله" هو رأي الجمهور مع
بعض التوسعة في مدلوله.
وعليه
فإنه يجوز دفع الزكاة "لمجلة المسلم المعاصر" في زماننا هذا، ومع ما
تمر به الأمة من ظروف، طبقًا لهذا الفهم، وهذه الحال، والله أعلم.
محمد الغزالي
الفقير إلى عفو ربه (يوسف القرضاوي)
|