الخميس 29 رمضان 1420هـ/ 6 يناير 2000م
حوارات رمضانية
دعاء اليوم
القمر الصناعي.. مرصد جوال للأهلّة
الهدف الأساسي للمشروع:
صار من المعتاد في السنوات الأخيرة أن تستعصي أهلّة الشهور الهجرية عن الرصد، ليس بسبب سحب أو ظروف جوية طارئة، بل بسبب الإعتام الدائم الذي صار يغلف الطبقات الدنيا من جو الأرض، وهدف مشروع القمر الإسلامي الأساسي هو التغلب على مشاكل الرصد من فوق سطح الأرض بنقلها خارج الطبقات الكثيفة الملوثة من جوها باستخدام منظار محمول على قمر صناعي يقوم برصد الهلال حال طيرانه في سماء دول عالمنا الإسلامي وإرسالها إلى محطات أرضية تنشأ في مختلف دول عالمنا الإسلامي لترى الصورة المأخوذة من فوق كل دولة من خلال شاشة تليفزيونية أو جهاز فاكس أو كليهما.
بذلك تتحقق رؤية شرعية مشتركة فتتحد مواقيت مواسمنا الدينية الكبرى، مثل الصوم وعيد الفطر وغيرهما، مما يوحد مشاعر شعوبنا ويؤلف بينها، ومن الواضح أن القمر بهذا ينوب عن عشرات المناظير التي يمكن أن تنشأ على امتداد عالمنا الإسلامي، إلا أنه يفضُلها في انخفاض التكلفة بدرجة كبيرة، وكذلك تخلصه من قيود الرصد التي ستعوق أيضًا عمل تلك المناظير الأرضية.
وقد خاطبت دار الإفتاء المصرية الإخوة في دول عالمنا العربي والإسلامي في هذا الخصوص، وقد كان تجاوب الإخوة مشجعًا للغاية، ونذكر على سبيل المثال أن سمو الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز قد اهتم بالموضوع، وعرضه على جهات الاختصاص بالمملكة العربية السعودية، حيث أبدت موافقتها الصريحة على فكرة المشروع، كذلك جرت حوارات مثمرة وبناءة مع سماحة الأخ الفاضل محمد مختار السلامي -مفتي الجمهورية التونسية-، وسماحة الأخ الفاضل السيد علي بن السيد عبد الرحمن الهامشي -مستشار الشئون القضائية والدينية بدولة الإمارات العربية المتحدة-، وسماحة الأخ الفاضل الشيخ عز الدين الخطيب التميمي -قاضي قضاة المملكة الأردنية الهاشمية-، ومعالي الأخ الفاضل أحمد عبد الله المري -وزير الأوقاف والشئون الإسلامية بدول قطر-، وسماحة الأخ الفاضل الشيخ محمد مهدي شمس الدين -رئيس المجلس الشيعي الأعلى بالجمهورية اللبنانية-، وقد أوضح هذا الحوار الرغبة في عرض المشروع على منظمة المؤتمر الإسلامي، هذا بالإضافة لموافقة اللجنة الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية على المشروع.
الشهر الهجري وشروط بدئه:
عندما يقع كل من الأرض والقمر والشمس على خط واحد تقريبًا يقال: إنهم في وضع اقتران. والشهر الهجري هو الفترة الزمنية بين اقترانين متتاليين، وطوله حوالي 29.530589 يومًا، وبسبب عدم انتظام حركة القمر لدرجة كبيرة يصعب عمل تقويم قمري مماثل للتقويم الشمسي؛ خاصة أننا لا يمكن أن نحدد أطوال الشهور الهجرية مقدمًا مثلما يحدث في التقويم الشمسي.
ويتعين لبدء الشهر الهجري تحقق شرطين:
- أن يولد الهلال الجديد بحدوث الاقتران.
- أن يمكث الهلال الجديد فوق الأفق بعد غروب الشمس بحيث يمكن رصده.
فإذا تحقق هذان الشرطان يكون اليوم التالي هو بداية الشهر الجديد.
ومن الناحية النظرية يبدأ الشهر لو مكث الهلال فوق الأفق بعد غروب الشمس لأي فترة مهما صغرت، ولو أمكن رصده خلال فترة مكثه تلك يتحقق الشرط الشرعي لبدء الشهر الجديد.
مصاعب الرصد من على سطح الأرض:
تتأثر إمكانية رصد الهلال بعوامل أهمها:
- شدة إضاءة الهلال، وهذه تتعين بعمر الوليد وقت غروب الشمس؛ أي مساحة الجزء المضيء من سطح القمر، وكذلك بُعد القمر عن الأرض، حيث يتراوح هذا البعد بين حوالي 363 ألف و405 ألف كيلو متر.
- شدة إضاءة الأفق وقت الرصد، وهذه تزداد باقتراب الشمس من القمر فوق الأفق. - درجة صفاء الأفق.
العاملان الأولان يمكن تقديرهما ومعرفة قدرة العين أو الجهاز المستخدم على تمييز الهلال من الوسط المحيط به، وكان في الماضي يتأثر بوجود السحب أو الضباب أو الأتربة أو بخار الماء العالق في الجو لظروف جوية طارئة، وهذه كلها كانت ظروفًا قليلاً ما تطرأ وكثيرًا ما تختفي. أما في الوقت الحاضر فقد أدى التلوث الذي يغلف الكرة الأرضية، وخاصة بالقرب من المدن الكبرى أو المناطق الصناعية لإعتام شديد للأفق يجعل عملية رصد الهلال تبدو مستحيلة ما لم يبق فوق الأفق مدة لا تتكرر إلا على فترات بعيدة.
وقد ثارت نتيجة تلك الصعوبات التي أصبحت تعترض رؤية الأهلة اقتراحات منها:
- إنشاء مراصد تكون مهامها الأساسية رصد أهلة الشهور الهجرية. ومن الواضح أن ما يعترض العين المجردة سيعوق عمل المناظير بدرجة كبيرة، وبذلك تقل جدوى مثل تلك المراصد وما تتكلف من مبالغ لن تقل عن عشرات بل ملايين من الدولارات.
- استخدام موجات رادار ترسل من على الأرض أو موجات الراديو أو الموجات تحت الحمراء إلى القمر. وهذا الاقتراح يفتقر للمنطق بدرجة كبيرة، فالهلال وقت رصده يكون قريبًا من الأفق، ومن المعلوم صعوبة استخدام موجات الرادار أو الراديو قريبًا من سطح الأرض، كذلك لا تفرق هذه الموجات بين الهلال المضيء وأي سطح معتم تقابله أو تنبعث منه، كما أنها لا توفر الصورة المطلوبة لتحقق الرؤية الشرعية.
الرصد الفضائي كحل أمثل لمشكلة رصد الهلال:
لكي يمكن رصد الهلال الوليد مهما كانت فترة مكثه فوق الأفق بعد غروب الشمس يتعين التخلص من العامل الثالث، والإقلال من تأثير العاملين الأولين.
وهذا لا يتحقق إلا بالرصد من خارج الطبقات الكثيفة من جو الأرض باستخدام منظار محمول على قمر صناعي يطير على ارتفاع مناسب ما بين 400- 600 كيلو متر. وعلى هذا الارتفاع يتحقق الآتي:
- ينعدم النشاط الجوي والتلوث تمامًا، فيصفو الأفق صفاء كاملاً.
- ينعدم أو يكاد تشتت الضوء بواسطة مكونات الهواء، وبذلك تبدو الأجرام السماوية مضيئة وسط ظلام منتشر، فلا تضعف إضاءة الهلال بالنسبة للأفق. وبذلك يمكن رؤية الهلال مهما كانت درجة لمعانه.
- من هذه الارتفاعات يكون القمر الصناعي مرئيًا بوضوح من دائرة محيطة بالنقطة التي تقع تحته مباشرة يزيد قطرها عن 2000 كيلو متر، مما يتيح له رؤية كل العالم العربي والإسلامي في دوراته المتتالية، وهذه الدائرة تسمى دائرة التغطية. كما يمكن أن ترى كل البلاد الواقعة داخل دائرة التغطية هذه الهلال في ذات اللحظة.
الاستخدامات الأخرى للقمر:
لن يقتصر عمل القمر على رصد الأهلة فقط، بل ستكون له استخدامات أخرى عديدة تمت مناقشتها مع الشركات العالمية التي تقدمت للمساهمة في تصنيع القمر، ومن تلك الاستخدامات:
- قياس نسب تلوث البيئة والإشعاع على طول مسار القمر؛ سواء في الدول الإسلامية أو غيرها، ولا تخفى الجدوى الاقتصادية الضخمة لهذا الاستخدام.
- دراسة العناصر الجوية، مما يساعد على تحسين التنبؤات الجوية بدرجة كبيرة؛ حيث لا توجد حاليًا أقمار تخدم الأرصاد الجوية على هذه الارتفاعات المنخفضة، وتسويق هذه العناصر يمكن أن يدر دخلاً كبيرًا للمشروع.
- يمكن لهذا المشروع أن يكون مدرسة كبيرة لإعداد المتخصصين علميًا وتكنولوجيًا في مثل هذه المشروعات.
الأجهزة المحملة وملاحظات توضح أسلوب الرصد:
الأجهزة الأساسية الموجودة على سطح القمر عبارة عن منظار فلكي مزود بكاميرا مناسبة، وحاسب مزود ببرامج التشغيل، وأجهزة اتصال تستقبل التعليمات من المحطات الأرضية التي تقيمها كل دولة في المواقع التي تحددها، وترسل بصور الهلال لتلك المحطات، بالإضافة لأجهزة الاستخدامات الإضافية.
* ملاحظات توضيحية:
1 - لن يعاد بث صورة الهلال بواسطة المحطات الأرضية، إنما المخطط له هو:
(أ)  يرسل القمر بصورة الهلال لكل بلد به محطة استقبال أرضية موضحًا عليها قدر ارتفاعه فوق أفق النقطة الواقعة أسفله مباشرة على سطح الأرض، وبعده الأفقي عن الشمس، وكذلك الموقع الجغرافي لتلك النقطة.
(ب)  ستخطط البرامج على القمر بحيث تقوم برصد الهلال وإرسال الصورة وقت مروره فوق كل دولة تضم محطة أرضية. علمًا بأن القمر سوف يدور حول الأرض حوالي 15 مرة خلال اليوم، ونتيجة لدوران الأرض تحت المدار فإنه يغطي في كل مرة مناطق مختلفة، وبذلك يغطي خلال فترة الرصد كل مناطق العالم الإسلامي تقريبًا.
(ج)  ستُجرى إن شاء الله حسابات شهرية لكل ما يخص الرؤية، وترسل لكل دولة بها محطة استقبال أرضية لتقارن بين ما لديها من بيانات وما يرسل به القمر. ومثل تلك المحطات لا تتكلف أكثر من آلاف قليلة من الدولارات.
(د)  البرامج التي سيحملها الحاسب على ظهر القمر لتعيين اتجاه الهلال أو الشمس أو لاستقبال تلك البيانات من المحطات الأرضية منفصلة عن تلك التي ستحدد اتجاه .
(هـ)  بذلك يتاح لكل محطة أرضية متابعة صورة الهلال حال ثبوت رؤيته فوق كل البلاد التي يمكن أن يرى فوق أفقها بعد غروب الشمس.
2 - سوف تستقبل كل محطة نفس مجموعة البيانات من القمر كاملة، وسيقوم المختصون بها بضبط الهوائيات والترددات بما يطمئنهم لمصدر تلك المعلومات.
3 - بالنسبة لتأثير ارتفاع نقطة الرصد، وهو ما يسميه الفلكيون انخفاض الأفق فإن الدراسة الموضوعة تضمن التصحيح لهذا الارتفاع، بل وتضمن عدم رصد الهلال إلا وهو يعلو الشمس لحظة اختفاء قرصها تحت أفق النقطة تحت القمرية "التي تقع على سطح الأرض تحت القمر مباشرة". وبذلك تكون الصورة كما لو كنا نرصد من فوق سطح الأرض مباشرة، وهذا بالطبع أفضل من الرصد من فوق جبل مرتفع لا يتم التصحيح لارتفاعه، كما لا يتيح التخلص من تلوث الهواء بصورة كافية.
استمرارية المشروع وعمر القمر:
(أ) للقمر الصناعي عمر محدود، والعمر المقدر للقمر الإسلامي الأول ما بين 4 إلى 5 سنوات، ويستدعي استمرارية تحقيق الهدف المنشود إطلاق أقمار أخرى في المستقبل، إلا أن القمر الثاني تقل تكلفته كثيرًا عن القمر الأول، ذلك أن البنية الأساسية ومحطات التتبع والمحطات الأرضية تقام مرة واحدة.
(ب) خلال فترة عمل القمر الأول يكون قد تم تكوين الكوادر المصرية والعربية اللازمة، بحيث يتم تصنيع وإطلاق القمر الثاني بالكامل بإمكانات محلية، وبذلك تقل التكلفة بدرجة كبيرة.
(ج) الاستخدامات الإضافية للقمر يمكن أن تدرّ عائدًا كبيرًا يستخدم في متابعة العمل وإطلاق الأقمار التالية ضمانًا لاستمرارية المشروع.
الاشتراك في جزء من الليل: تبعًا لما يراه جمهور الفقهاء فإن ثبوت رؤية الهلال في بلد إسلامي يعني بداية الشهر في كل بلد يشاركه في جزء من الليل، وقد أجريت دراسة مسهبة أوضحت اشتراك دول العالم شرقها وغربها مع جميع الدول ومع مكة المكرمة في جزء كبير من الليل، والجدول الآتي يوضح مثالاً لأطوال الأجزاء المشتركة بين مكة المكرمة وعدد من البلاد في ليلة الأول من رمضان لسنة 1418 هجرية.
الاتصال بالشركات المنفذة:
جرت اتصالات ودراسات عديدة ومكثفة مع الشركات العالمية الكبرى العاملة في مجال الفضاء، منها شركات أمريكية وإنجليزية وفرنسية، وقد لقي المشروع ترحيبًا كبيرًا من تلك الشركات، وتقدمت بعروض فنية تفصيلية تم تعديلها بناء على الملاحظات والمتطلبات التي أبدتها اللجنة العلمية للمشروع، وقد بلغ تحمس شركة أمريكية كبرى للمشروع أن استصدرت بالفعل موافقة مشكورة من الحكومة الأمريكية على المضي في تنفيذ المشروع متضمنًا كل ما رأته اللجنة العلمية. وقد تضمنت المشاورات والموافقة الصادرة الآتي:
- أن يقوم مختصون من طرف دار الإفتاء بمتابعة كل خطوات تصميم القمر وتصنيعه وإطلاقه. وفي هذا الصدد تدعو الدار الدول العربية والإسلامية الراغبة في المشاركة في المشروع لتعيين ممثلين لها يتابعون العمل في المشروع، ويشاركون في الخبرة المكتسبة خلال تنفيذه.
- كل برامج التشغيل وتصميم المدار سيقوم بها مسلمون ثقات ممن يحرصون كل الحرص على دينهم.
- إنشاء محطات للاتصال والتحكم داخل الدول العربية والإسلامية الراغبة في المشاركة في المشروع.
- ستُجرى برامج للتدريب من خلال المشاركة في كل مراحل المشروع.
- يلاحظ في الموافقة الصادرة من الحكومة الأمريكية أنها استثنت القمر الإسلامي.
التكلفة:
طبقًا للعروض المبدئية للشركات تصل التكلفة التقديرية للقمر واستخداماته الأساسية حوالي 15 مليون دولار مشتملة على القمر والأجهزة المحملة والإطلاق والمحطة الأرضية الرئيسية.
من هذا العرض الموجز يبدو جليًا أن القمر الإسلامي مرصد صغير يجوب سماوات الإسلام باحثًا عن هلال كل شهر هجري جديد، تنشط مستشعراته يوم مولد الهلال لكنها أبدًا لا تراه ولا تحس له وجودًا إلا فوق أفق النقطة تحت القمرية لحظة غروب الشمس تحت هذا الأفق. وقتها يبعث لنا بصورة الهلال الوليد مستوفية تمامًا لشروط الرؤية الشرعية الصحيحة. فتشعرنا هذه الصورة التي نراها في ذات اللحظة في كافة أرجاء عالمنا العربي والإسلامي بوحدة الهدف وتوحد المصير، وتحفزنا للتفكر في قدرة الله -تعالى-، وما بث في عقل لا يعدو قطرة في محيط كون فسيح لا يهدأ ولا يركن إلى خمول، فكأنه ينادينا من مداره قائلاً:
قم واصنـع المجد لا تلتفت
وأقم صروحًا للعـلوم منيفة
واخضع لربك مطمئنًا راضيًا
لمـاضٍ تليد سـطرته الأوائل
تغـدو الحياة نعاـئم وخمـائل
تظفر بروضات الجنان وتجزل
وفقنا المولى -عز وجل- لخير عباده ورفعة شأن دينه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اقرأ أيضا:
- تجميد مشروع لإنتاج قمر صناعي إسلامي يوحِّد الشهور العربية



علمنة رمضان
سلوكياتنا في رمضان
إيجابيات وسلبيات  
الصيام ... والسمو
الإيماني  
توحيد المطالع ... بين
النظرية والضرورة  
من نحن | اقتراحات | اتصل بنا | سجل الزائرين | صفحة رمضان