|
||||||||||||||||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
(4) الحقبة العراقية-السورية
[1935-1936م و 1943-1944م]
ولقد وجد السنهوري نفسه أكثر قربًا -في بغداد- من تحقيق حلمه في أسلمة القانون المدني -منه في القاهرة-، وذلك لأن صلة القوانين العراقية بالفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية كانت قائمة ووثيقة، وذلك عن طريق مجلة الأحكام العدلية -العثمانية- التي قننت فيها الدولة العثمانية فقه المذهب الحنفي منذ سنة 1869م، وذلك على النقيض من مصر، التي حرمها استقلالها عن الدولة العثمانية من تطبيق "المجلة"، فلما جاء الاستعمار الإنجليزي سنة 1882م، ومن قبله النفوذ الأجنبي -المتمثل في المحاكم القنصلية، والمحاكم المختلطة- منذ سنة 1875م، وجد "غيبة التقنين" و "فراغ الصياغات القانونية الحديثة"، فاستغل "الغيبة" وملأ "الفراغ" بقانون مدني مأخوذ عن قانون نابليون الفرنسي. وجد السنهوري -في بغداد- القوانين العراقية ذات مرجعية إسلامية غالبة، فكان طريقه إلى تحقيق حلمه في أسلمه القانون المدني أكثر تمهيدًا عنه في مصر وهو ينقح قانونها المدني. وفي بغداد -وخلال العام الدراسي 1935/1936م، والذي اضطر في نهايته للعودة إلى مصر بسبب وفاة والدته- في هذا العام أنشأ كلية الحقوق، وتولى عمادتها… وأصدر مجلة القضاء -على أسس جديدة- وألف كتابين لطلاب الحقوق ... ودرّس لهم أصول القانون، ومقارنة مجلة "الأحكام العدلية" مع القوانين المدنية الحديثة؛ فتح باب الاجتهاد في الفقه الإسلامي من جديد، وليضيف إلى هذا الفقه ثراء القوانين الغربية في الصياغة والتقنين. وفوق كل ذلك وقبله وضع المنهاج الذي سيصوغ -على هدي منه- القانون المدني العراقي الجديد…، وهو منهاج يجعل من هذا القانون خالص الإسلامية إلى حد كبير….، وذلك لأن مصادره -كما حددها السنهوري- هي:
ولقد عاود السنهوري الانقطاع لهذا العمل عامي 1943م و 1944م، وحمل مع مهمة وضع القانون العراقي مهمة وضع القانون السوري - بنفس المنهاج-، وأكمل بناء هذين الصرحين بعد اضطراره للعودة إلى مصر أواخر سنة 1944م. ومنذ اللحظة الأولى كان منهاج السنهوري واضحًا ومعلناً، فالهدف هو قانون مدني إسلامي المرجعية والنظريات والمبادئ، لا يأخذ من القوانين الغربية إلا فن الصياغة فقط لا غير. لذلك فقد أعلن -في دراسته البغدادية- [من مجلة الأحكام العدلية إلى القانون المدني العراقي] -سنة 1936م- أن الشريعة الإسلامية هي الأصالة القانونية لهذه الأمة، عبر تاريخها المديد…، وأن هذه الشريعة هي الاستقلال القانوني لحاضرنا ومستقبلنا، وأنها هي النور الذي يضيء للأمة الطريق … ، بينما الأخذ عن القوانين الغربية فيه قطع لصلات الأمة بجذورها المدنية والحضارية يدعها تتسول فتات موائد الآخرين كذلك عاد السنهوري -في هذه الدراسة البغدادية- لينبه العراقيين إلى ما سبق ونبه إليه المصريين من صلاحية الشريعة الإسلامية -حتى بحالتها الراهنة وقبل النهضة التي كان يدعو إليها- صلاحيتها لتكون المصدر والمرجعية للقانون الحديث.
ما تحتاجه الشريعة الإسلامية من القوانين الغربية:
ولقد كان السنهوري نصيرًا للدراسات الفقهية والقانونية المقارنة، وليس داعية للانغلاق على الشريعة الإسلامية وحدها، بل لقد كان مؤمنًا بأن الدراسات المقارنة بين الشريعة الإسلامية والمنظومات القانونية الأخرى هي السبيل لتجديد دراساتنا لشريعتنا، والسبيل لاكتشاف عظمتها أيضًا، لكنه نبه على أن ما نحتاجه من القوانين الغربية -في تجديدنا للشريعة الإسلامية- هي فنون الصياغة والتقنين، أما روح الشريعة وتميز توجهاتها ونظرياتها ومبادئها وقواعدها فهي أمور لا يجوز التفريط في شيء منها ونحن ننفتح على هذه المنظومات القانونية الغربية، فمن الخطر "تهجين" الشريعة الإسلامية، وتحويلها عن جوهرها وتميزها، بدعوى التجديد والتطوير، ذلك لأن ما نحتاجه لتجديدها هو -فقط- أشكال الصياغة وفنون التقنين. يؤكد السنهوري على هذه الحقيقة فيقول: "وإذا كنا نقول بالاستفادة -دون تحفظ- من التقنينات الغربية فمن ناحية الشكل والصياغة؛ ففي المادة والموضوع: نتحفّظ كثيرًا في هذا القول". كما لفت السنهوري الأنظار -وهو مقدم على وضع القانون المدني العراقي- إلى أنه -في فنون الصياغة والتقنين- قد قرر أن يعتمد على تراثنا العربي والإسلامي الحديث في هذا الميدان، فلدينا من نماذج الصياغة والتقنين لشريعتنا وفقه معاملاتها نموذجان حديثان:
فحتى في الصياغة والتقنين -الذي دعا السنهوري للاستفادة من ثراء القوانين الغربية فيه لم يكن الرجل يشعر -كفقيه وقانوني مسلم- بالدونية فيه.. فلقد أدرك -وهو الخبير في الشريعة الإسلامية- كيف أنها هي التي يسَّرت للفقهاء العثمانيين مستوى الصياغة والتقنين اللذين جاءت عليهما مجلة الأحكام العدلية؟… وكيف ضرب قدري باشا -في كتبه التي قنن فيها فقه المذهب الحنفي- المثل الذي يحتذى في هذا الميدان؟ وذلك عندما صاغ الفقه الإسلامي صياغة حديثة في التقنين والترتيب والتنسيق، فأثبت عمليًا ثراء شريعتنا وفقهنا في الشكل كما في المضمون.
فوائد وإضافات التجربة العراقية لمشروع السنهوري في إحياء الشريعة
وإذا كانت "التجربة العراقية" -في حياة السنهوري ومشروعه لأسلمة القانون- قد أضافت إلى هذا الرجل العظيم العديد من الإضافات.. فلقد كان في مقدمة هذه الإضافات -غير تفتحه أكثر من ذي قبل على ثراء تراثنا التشريعي حتى في الصياغة والتقنين والتنسيق والترتيب-: -تبحُّره أكثر من ذي قبل في مصادر الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة، وذلك عندما لم يقف عند "المجلة" و"مرشد الحيران" وحدهما، وإنما غاص في بحار الفقه الإسلامي ليقارن ويوازن، كي يصل إلى النص الكامل الإسلامية، والذي يلبي -في ذات الوقت- حاجات المجتمع العراقي العصري. -وانطلاقه نحو أسلمة القانون المدني في مجتمع لم تتغرب قوانينه من قبل، فلقد كانت مجلة الأحكام العدلية هي قانون العراق، الأمر الذي رفع عن السنهوري الضغوط والقيود غير الإسلامية -من مثل القوانين الفرنسية التي كانت تحول بينه وبين درجات الأسلمة التي يريدها للقانون المدني في مصر مثلاً -، فانفتحت الأبواب في العراق أمام السنهوري ليجعل من قانونه المدني -في الإسلامية- على درجة أعلى مما حدث في القانون المدني المصري، حتى لقد اعتبر عمله في القانون المدني المصري خطوة كبرى على طريق أسلمة القانون، بينما مثل عمله في القانون المدني العراقي -ثم السوري.. والليبي.. والكويتي- خطوات أرقى وأبعد على طريق الأسلمة للقانون… فكان أن تطلع -بعد ذلك- إلى "القانون المدني العربي" الواحد… والكامل الإسلامية، والذي يمثل حلم حياته في هذا الميدان. -كذلك تميزت الحقبة العراقية -في التجربة القانونية للسنهوري- بالمناخ الفقهي "الذي عمل فيه هذا الفقيه العظيم.. فلقد ذهب السنهوري إلى العراق البلد الذي عاش فيه الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان [80-150هـ/699-767م] ذلك الذي أنجز في الفقه الإسلامي أعظم مما أنجز فقيه من الفقهاء في أية حضارة من الحضارات.. ذهب السنهوري إلى العراق… عراق أبى حنيفة.. فاستدعى الإمام الأعظم، واستظل بأعلامه، لينفخ في الأمة روح العزة والاعتزاز بتراثها الفقهي، وليدعوها إلى مواصلة المسيرة التي بدأها هؤلاء الأسلاف العظام. في هذا المناخ العبق بعظمة الإبداع الإسلامي في الفقه والقانون عمل السنهوري على وضع قانون مدني يكون الصورة العصرية لهذه الأصالة الإسلامية. لقد اعتبر السنهوري -بحق- أن وضعه للقانون المدني العراقي الجديد انطلاقًا من الشريعة الإسلامية وفقه معاملاتها هو بمثابة "عهد جديد" في مسيرته القانونية، على درب مشروع حياته لأسلمة القانون الأسلمة الكاملة، وذلك بعد الأسلمة الجزئية التي أنجزها في القانون المدني المصري، اعتبر السنهوري ذلك "عهدًا جديدًا" في مسيرة قانون الأمة، لا العراق وحده، لأنه أراد للقانون العراقي -الإسلامي المرجعية- أن يكون النموذج الذي تحتذيه الأمة في مستقبلها القانوني. وإذا كانت المهمة التي مثلت حياة السنهوري باشا -وهي أسلمة القانون في المجتمعات الشرقية- لا تزال واحدة من المهام الكبرى لشعوب الشرق، ولليقظة الإسلامية المعاصرة فإن المنهاج الذي طبقه السنهوري لعملية الأسلمة هذه -في التجربة العراقية… ثم السورية.. والكويتية- جدير بأن يكون موضع الاهتمام والتأمل والدرس من كل العاملين والداعين إلى أسلمة القانون….، فهو ليس مجرد "خطاب داعية"، وإنما هو "منهاج خبير" تجاوز الفكر النظري إلى حيث وضع في الممارسة والتطبيق، فأثمر قانونًا عصريًا يلبي احتياجات الواقع المعاصر، مع الالتزام بنظريات ومبادئ وقواعد الشريعة الإسلامية، والتراث الغني لفقه المعاملات في الإسلام. وإذا كان السنهوري قد أفاض في الحديث عن فلسفته في هذا المنهاج -مما سيجده القارئ في إسلامياته-، وإذا كنا قد ضَمَّنَّا "إسلامياته" نماذج عديدة لتطبيقات هذا المنهاج، وثمراته التي استوت قانونًا إسلاميًا عصريًا. فإن الرجل قد أوجز معالم هذا المنهاج في استخلاص مواد القانون المدني العراقي، ذي المرجعية الإسلامية، عندما قال: "وقد استخلصتها من مقابلة أحكام النموذج -[الذي صاغه هو]- بأحكام مجلة الأحكام العدلية، ونصوص كتاب "مرشد الحيران"، وأحكام الشريعة الإسلامية -بوجه عام- في كل مذاهبها، وفي أقوال كل مذهب، فخرجت بذلك نصوص النموذج على أحكام الشريعة الإسلامية بقدر الإمكان". صنع السنهوري ذلك .. وأنجز هذه الإسلامية - في القانون العراقي ثم الكويتي- وهو يتطلع إلى تعميم هذه الأسلمة للقانون في وطن العروبة وعالم الإسلام، ذلك أن: "للبلاد العربية جميعها تراثًا مشتركًا هو الفقه الإسلامي، وعندي أن الشريعة الإسلامية مصدر خصب يمدنا بكثير من الأحكام القانونية التي تتماشى مع أحدث المبادئ وأرقى النظريات. وقد جربت ذلك بنفسي عند وضع مشروع القانون المدني في العراق، وإني عظيم الإيمان بإمكان توحيد قانون الالتزامات والعقود لجميع البلاد العربية على أساس مشترك من الفقه الإسلامي..". فالقانون الواحد هو -برأي السنهوري باشا- أساس الثقافة الواحدة، التي هي أساس المدنية المتميزة، وسبيل وحدة شعوب الشرق، التي لا تجتمع على شيء إلا على الإسلام، وشريعة الإسلام.
|
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||