بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   
(3) تقنين القانون المدني المصري سنة 1943م
منهج أسلمة القانون المدني:
وكان عام 1942م، هو عام إنجاز السنهوري باشا لتنقيح مشروع هذا القانون المدني، وفي هذه المناسبة، وعندما عرض مشروع هذا القانون على رجال القانون لاستفتائهم فيه وجمع ملاحظاتهم عليه -وهي الصورة الجديدة "لمصدر الإجماع" كما رآها السنهوري- في هذه المناسبة ألقى السنهوري محاضرة بمقر "الجمعية الجغرافية الملكية" - في 24/4/1942م تحدث فيها عن منهاجه -وهو يضع مشروع القانون المدني- في توثيق العلاقة بين هذا القانون وبين الشريعة الإسلامية.. أي: عن الخطوات العملية والتنفيذية والتطبيقية التي أنجزها على طريق حلم حياته: أن تعود الشريعة الإسلامية المصدر الأول والوحيد للقانون… وفي هذه المحاضرة تحدث عن:
- دور الاستناد إلى الشريعة الإسلامية في تحقيق النهضة الفقهية الجديدة والمنشودة. وكيف أن التقليد هو قرين الأخذ عن القوانين الغربية، لأنها جاهزة للصياغة كاملة التقنين بينما التجديد والاجتهاد لا بد منهما عند الرجوع إلى الشريعة الإسلامية لحاجتها إلى الدراسات الجديدة والمقارنة، والصياغة الحديثة، والتقنين العصري. وكيف أن اعتماد قانوننا المدني الجديد على الشريعة الإسلامية فيه تحقيق لاستقلالنا الفقهي، الذي هو شرط لتحقيق جوهر وحقيقة استقلالنا السياسي. وكيف أن الشريعة الإسلامية -وتلك خصوصية أمتنا التي تجلت عبقرية فقهائنا في وضع فقه معاملاتها- هي "الصناعة الوطنية"، و"البضاعة القومية"، والإسهام الحضاري الإسلامي، الذي نستطيع أن نسهم به في نهضة وتقدم ورقي الفقه العالمي.
تحدث السنهوري باشا عن هذه الأهداف الكبرى، التي توخاها من وراء زيادة درجة معيارية ومكانة ومرجعية الشريعة الإسلامية في المشروع الجديد الذي وضعه للقانون المدني المصري.
ولقد نبّه السنهوري -في محاضرته هذه- على أن اعتماد القانون المدني الجديد على الشريعة الإسلامية -أكثر من ذي قبل- هو تصحيح للخطأ الذي وقع فيه واضعو القانون القديم، فالنقل عن القانون الفرنسي كان تجسيدًا للاستعمار العسكري والتبعية الفكرية، بينما استقلالنا السياسي يقتضي استقلالنا الفقهي والقانوني.. وأشار -كذلك- إلى أن الاستقاء من نبع الشريعة الإسلامية ليس مبعثه الاعتبارات الوطنية والقومية فقط -على ما لها من أهمية كبرى- وإنما مبعثه -أيضا- الاعتبارات العلمية، النابعة من رقي الشريعة الإسلامية وتقدمها على ما سواها من المنظومات القانونية.
مبادئ ونظريات الشريعة التي أدخلها السنهوري في القانون الجديد:
ثم تحدث السنهوري باشا -في هذه المحاضرة- عما أدخله في المشروع الجديد للقانون المدني من مبادئ الشريعة الإسلامية ونظرياتها، وضرب على ذلك الأمثلة:
"فالقاضي يرجع للشريعة الإسلامية إذا لم يجد نصًا تشريعيًا، وهذا ميدان فسيح".
"والنصوص التي وردت في مشروع القانون يمكن تخريجها على أحكام الشريعة، دون كبير مشقة، فكأن مواد هذا المشروع إما أنها أحكام الشريعة ذاتها، أو لا تتناقض مع مبادئها".
والمشروع مليء بالنظريات العامة والأحكام التفصيلية المأخوذة من الشريعة الإسلامية وفقه معاملاتها.
بل لقد نبه السنهوري على مدخل آخر -غير ما تقدم- للشريعة الإسلامية في هذا المشروع الجديد للقانون المدني.. وهو مدخل اختيارات وترجيحات المشروع من بين المنظومات القانونية الغربية، فلقد اختار ورجح -من هذه القوانين- ما اتفقت فيه مع روح ومبادئ الشريعة الإسلامية، وعدّل ما اختلفت فيه مع شريعتنا؛ فمثلاً أخذ هذا المشروع عن القانون الجرماني "مسئولية عدم التمييز"، لأن الشريعة الإسلامية قررتها… وأخذ من التقنينات الغربية ما اتفقت فيه مع الشريعة الإسلامية.. وأخذ ما سبق وأخذه من الشريعة الإسلامية قانون سنة 1883م…، وهذا بالإضافة إلى كثير من الأحكام التفصيلية التي جاءت في فقه معاملات الشريعة الإسلامية…..إلخ…..إلخ.
ومبدأ الحوادث غير المتوقعة Principe de L'imprévision أخذ به القضاء الإداري في فرنسا دون القضاء المدني، فرجَّح المشروع به استنادًا إلى نظرية الضرورة في الشريعة الإسلامية.
وهناك أحكام تفصيلية كثيرة اقتبسها المشروع من الفقه الإسلامي، نكتفي هنا بمجرد الإشارة إلى بعضها، من ذلك: الأحكام الخاصة بمجلس العقد، وإيجار الوقف، والحكر، وإيجار الأراضي الزراعية، وهلاك الزرع في العين المؤجرة، وانقضاء الإيجار بموت المستأجر، وفسخه بالعذر، ووقوع الإبراء من الدَّين بإرادة منفردة.
وندع -جانبًا- المسائل التي سبق أن اقتبسها التقنين الحالي من الشريعة الإسلامية، وجاراه المشروع في ذلك، كبيع المريض مرض الموت، والغبن، وخيار الرؤية، وتبعة الهلاك في البيع، وبالحائط المشترك، ومدة التقادم، أما الأهلية، والهبة، والشفعة، وأما المبدأ القاضي بألاّ تركة إلا بعد سداد الدين: فهذه كلها موضوعات على جانب كبير من الأهمية، وقد أخذت برمتها من الشريعة الإسلامية..".
وقد رفع السنهوري -في المشروع الذي وضعه للقانون المدني المصري- درجة مرجعية الشريعة الإسلامية، وحجم معياريتها، وأعلن عن منهاجه في هذا التقدم نحو أسلمة القانون المدني، وضرب على ذلك -في محاضرته- هذه الأمثلة.
لقد اغتنم الرجل مناسبة تنقيح القانون المدني، ليخطو به خطوات كبيرة على درب تحقيق مشروع حياته: جعل الشريعة الإسلامية المصدر الأول والوحيد للقانون.

قضايا معاصرة     بداية     يتبع     عـودة     النهاية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع