|
||||||||||||||||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
(2) العيد الخمسيني للمحاكم الأهليةوإعادة المرجعية الشرعية للقوانين
لقد اغتنم السنهوري هذه المناسبة -العيد الخمسيني للمحاكم الأهلية المصرية- ليثير قضية المرجعية الإسلامية للقانون المدني المصري، بدلاً من المرجعية الفرنسية التي فرضها الاستعمار… فكتب وحاضر عن "وجوب تنقيح القانون المدني المصري.. وعلى أي أساس يكون التنقيح"، فأضاف إلى تراثه الفكري آثارًا مضيئة بجهاده في سبيل أسلمة القانون. منهج السنهوري في إعادة المرجعية الشرعية للقانون: ولقد تحدث في هذه الكتابات عن المنهاج المقترح للتجديد العلمي للشريعة الإسلامية -وهو الذي طرق الحديث عنه عبر مراحل حياته المتعاقبة-، وتحدث أيضًا عن ضرورة "التطبيق" بعد "التنظير" فقال: "لا ننكر أن الشريعة الإسلامية في حاجة إلى حركة علمية قوية، تعيد لها جدتها، وتنفض ما تراكم عليها من غبار الركود الفكري الذي ساد الشرق منذ أمد طويل، وتكسر منها أغلال التقليد الذي تقيَّد به المتأخرون من الفقهاء". "وقد اقترحنا في كتاب [الخلافة] أن ترتكز هذه الحركة العلمية على دراسة الشريعة طبقًا للأساليب العلمية الحديثة، وفي ضوء القانون المقارن. وتقوم هذه الدراسة الجديدة على أساس التمييز ما بين الأحكام الدينية والأحكام القانونية، فالأولى لا شأن لنا بها، وإنما نعنى بالأخيرة؛ فنميز فيها بين حكم اقتضاه اقتران الدين بالفقه الإسلامي، وهذا يبقى محترمًا، ولكن في العقيدة والقلب؛ إذ هو مرتكز على الدين، وحكم قائم على أساس المنطق القانوني المحض، وهذا هو الذي يدخل في دائرة بحثنا العلمي، ثم نميز أيضا -في هذه الأحكام القانونية المحضة- بين المبادئ العامة الشاملة وهذه هي الأسس التي تبقى، والأحكام التفصيلية التطبيقية وهذه هي التي تتطور حتى تماشي الزمن". ومضى السنهوري ليلفت الأنظار إلى آفاق التطور غير المحدود الذي يفتحه "مصدر الإجماع" في الشريعة الإسلامية؛ لأن هذا الإجماع هو "النظام النيابي العلمي" الذي يتولى فيه العلماء سلطات الأمة في التشريع والتقنين، وهي سلطات متجددة بتجدد المصالح والمشكلات…...فقال: "ولا ننسى أن بين المصادر الأربعة للشريعة الإسلامية مصدرًا هو الإجماع، نعتبره مفتاح التطور في هذه الشريعة، فهو الذي يكفل لها حياة متجددة تتماشى مع مقتضيات المدنيات المتغيرة". "فالإجماع -في المرحلة الأولى- كان شيئًا يصدر عن غير قصد، بل عن غير شعور: عادة ألفها الناس فصارت محترمة، أما في المرحلتين الأخريين-مرحلة التابعين ومرحلة تابعي التابعين- فهو يصدر عن شعور، وإن لم يصدر عن اتفاق مقصود". "فلو تطور الإجماع -في مراحله المنطقية- وجب أن يصل إلى مرحلة يصدر فيها عن هذا الاتفاق المقصود، ولا يكتفى فيه بالاتفاق العرضي، فيجتمع المسلمون، أو نواب عنهم، ويستعرضون مسائلهم ويقررون فيها أحكامًا تتفق مع حضارة زمنهم، وهذه الأحكام تكون تشريعًا، وبذلك يكون الإجماع عنصر التجديد في الشريعة الإسلامية، يحتفظ لها بمرونتها وبقدرتها على التطور..". وبعد تنبيه السنهوري على دور "الإجماع" في جعل الشريعة الإسلامية وفقه معاملاتها على نحو المرونة التي تواكب كل الأزمنة وكل الأمكنة، وتلبي كل المصالح الشرعية نبه إلى امتياز الشريعة الإسلامية بأنها -علاوة على تحقيقها لكل مقتضيات المدنية المعاصرة- هي التراث العظيم للأمة عبر تاريخها المجيد، وفيه الروح الملائمة لشخصية الأمة، وواقعها المتميز… فهي مصدر للعزة القومية والاستقلال في المدنية، كما أنها المستقبل المشرق لهذه الأمة أيضًا. وغير كون الشريعة الإسلامية هي الأرقى والأكثر تفوقًا بالمقارنة مع الشرائع الأوربية، حتى بشهادة الفقهاء الأوروبيين، وغير أنها -بالنسبة للأمة- هي العزة التاريخية والمجد القومي القديم، فضلاً عن أنها الملائمة لروح الواقع الشرقي وإنسان هذا الواقع، فلقد تحدث السنهوري عن امتيازها -كقانون- بأنها هي "عرف بلادنا" الذي تعارف عليه الناس، "فعرف البلد هو الشريعة الإسلامية، وقد فسرته المحاكم بذلك.."أي أن القضاء الوطني -حتى في ظل المرجعية الفرنسية للقانون- قد فسر "عرف البلد" بأنه هو الشريعة الإسلامية.. فهي حياة الأمة وذاتيتها وهويتها.
فوائد إعادة المرجعية الشرعية للقوانين:
ثم يتحدث السنهوري -وهو بصدد الدعوة إلى تنقيح القانون المدني المصري-، وكان الطموح هو مجرد "التنقيح"، لأن الاستعمار -سنة 1932 م- كان حاكمًا، والامتيازات الأجنبية ضاغطة، يتحدث السنهوري عن فوائد إعادة المرجعية الإسلامية إلى القانون المدني.. ففيها: - ترقية لهذا القانون عن حالة المرجعية الفرنسية - مرجعية قانون نابليون. - وسد وجوه النقص في هذا القانون…. وهي وجوه نقص نابعة من الأخذ عن قانون أجنبي. - والملاءمة لروح الأمة، على النحو الذي يجعل القانون مرعيًا ومحترمًا من الجمهور. يتحدث السنهوري عن هذه الفوائد، فيقول: "إن الشريعة الإسلامية يفيد الرجوع إليها في شيئين: أولا: في ترقية مبادئ القانون المصري. ثانيا: في سد وجوه النقص فيه. أما ترقية مبادئ التشريع، فذلك يكون على وجهين:
ثم طرق السنهوري ميدانًا من ميادين تميز وامتياز الشريعة الإسلامية على القوانين الأوروبية الوافدة، فالشريعة كانت -تاريخيًا وعبر أكثر من عشرة قرون- هي القانون الواحد الموحد لكل الأمة، على اختلاف مللها الدينية، ومن ثم كانت عامل وحدة للأمة والثقافة والمدنية، أما في ظل مرجعية القانون الفرنسي -والتي يحسب البعض أن "وضعيته" هي عامل توحيد لطوائف الأمة الدينية - فلقد تراجعت وحدة القانون ووحدة المحكمة في واقع الأمة… الأمر الذي يجعل إعادة المرجعية للشريعة الإسلامية في القانون الحديث جهدًا قوميًا مثمرًا لإعادة الوحدة القانونية للأمة من جديد .. فإسلامية القانون هي سبيل وحدة الأمة، وليست علمنة القانون!. ويطرق السنهوري هذا الباب، مدافعًا عن الشريعة -في شقها القانوني- كقانون لكل الأمة- حتى في الأحوال الشخصية، فيقول: "… فلا معنى لشطر القانون شطرين، بين معاملات وأحوال شخصية، فالتقنين الجديد يجب أن يكون شاملاً لكل المسائل التي يحتويها القانون المدني الكامل، ولا نقصد بهذا أن ننقل تشريع الأحوال الشخصية من التشريعات الغربية، بل يجب أن يكون تشريعنا في هذه المسائل منقولاً من الشريعة الإسلامية، مع جعله ملائمًا لأن ينطبق على غير المسلمين من المصريين، فيكون لنا بذلك تشريع عام في الأحوال الشخصية، يخضع له جميع المصريين، مع احترام العقائد الدينية، وعدم المساس بها، فنحن -إذن- لا نريد بإدماج الأحوال الشخصية في القانون المدني أن ننتقص من سلطان الشريعة الإسلامية، بل على العكس من ذلك، نحن نحب امتداد هذا السلطان إلى دائرة المعاملات نفسها، ولكننا نريد أن نحصل على مزية التقنين في جميع تشريعنا المدني، أما في الحالة الحاضرة فلا يزال نصف قانوننا المدني غير مقنن، ولا علة لهذا سوى وهم قام بالذهن من أن الشريعة الإسلامية يجب البحث عنها في بطون كتب الفقهاء، مع أن تقنينها أمر ليس بالصعب، بل هو قد تم بالفعل، وقد قام به الأتراك رسميًا في "مجلتهم" المشهورة، وقام به فذ من المصريين هو المرحوم "محمد قدري باشا"، فوضع كتبًا قيمة يقنن فيها أحكام الشريعة الإسلامية في الأحوال الشخصية وفي المعاملات وفي الوقف، فلتقنين الشريعة إذن سوابق معروفة. ولا نذهب بعيدًا، فإن المشرع المصري قد قنن بالفعل بعض أحكامها في شكل تشريعات خاصة، أدمج بعضها في لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، وبقى البعض الآخر منفصلاً، فلماذا لا نقوم بالعمل كاملاً، ونتولى -بمناسبة تنقيح القانون المدني- تقنين جميع أحكام الأحوال الشخصية، وننتهز هذه الفرصة فنختار من كتب الفقهاء المسلمين في هذه المسائل ما يكون أكثر اتفاقًا مع روح العصر، دون أن نتقيد بمذهب معين، فيكون تقنين أحكام الأحوال الشخصية ليس مجرد تفنين، بل هو إصلاح قانوني شامل، نحس جميعًا أن البلاد متعطشة له، بل هو لا يكون إصلاحًا فحسب؛ إذ نحب أن تكون الأحكام التي نقننها من الشريعة الإسلامية قابلة للتطبيق على غير المسلمين من المصريين، وإذا اقتضى الأمر أن نقنن أحكامًا خاصة بغير المسلمين أمكن إدماج هذه الأحكام في تقنين الأحوال الشخصية، على أن يقتصر تطبيقها على غير المسلمين، وبهذا يخلص لنا تقنين مدني كامل، معروف الأحكام بيِّن السبيل…". وإذا كان السنهوري -منذ فجر حياته الفكرية- قد ألحَّ كثيرًا على ضرورة تجديد دراسات الشريعة الإسلامية، وإدخال المنهاج المقارن على هذه الدراسات، وذلك لفتح باب الاجتهاد فيها من جديد، كما ألحّ على ضرورة تقنين مبادئها وقواعدها وفقه معاملاتها، لتيسير الاحتكام إليها في القانون الحديث، فإن الرجل قد أراد أن يقطع الطريق على الذين يريدون تجاوز الشريعة الإسلامية وإهمالها، دون أن يعلنوا ذلك، متسترين "بحجة" أنها غير مقننة، وأن الجمود قد اعترى فقهها منذ قرون، أراد السنهوري أن يقطع الطريق على هؤلاء -المنافقين… أو الجاهلين- فكتب عن [صلاحية الشريعة الإسلامية -حتى في حالتها الراهنة- لأن تكون مصدرًا للتقنين المصري].. فقال: "ومهما يكن من أمر الشريعة الإسلامية، وحاجتها إلى حركة التجديد التي نشير إليها، فإنها -حتى في حالتها الراهنة- تصلح مصدرًا خصبًا يستمد منه المشرِّع المصري كثيرًا من المبادئ القانونية في التقنين الجديد. وما لنا نذهب بعيدًا، ألم يأخذ المشرِّع المصري فعلاً كثيرًا من أحكام الشريعة الإسلامية في تشريعنا الحاضر؟.. وهذه محاكمنا الأهلية والمختلطة - دع المحاكم الشرعية- تطبق كل يوم هذه الأحكام في الوقف والشفعة والأهلية وغيرها من المسائل المتغلغلة في صميم المعاملات المدنية، ألم تطبق هذه الأحكام على المصريين والأجانب على السواء؟ فلم يشعر أحد أنها دون أحكام القوانين الحديثة الراقية؟. ألم تُقنن أحكام الشريعة الإسلامية في بعض الموضوعات … كالشفعة وبعض مسائل الأحوال الشخصية، فلم يضق التقنين بها، بل جعلها تبرز في حُلة لم ينكر معها أحد على الشريعة صلاحيتها للتقنين والتطبيق؟. لماذا نتردد -إذن- في المضيِّ في هذا الطريق، وقد سار فيه مشرِّعنا، منذ خمسين عامًا شوطًا بعيدًا؟… على أن ما يمكن أخذه من مبادئ الشريعة الإسلامية مما يتماشى مع أرقى وأحدث المبادئ القانونية هو أجلُّ شأنًا وأخطر مما أخذه المشرِّع المصري…".
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||