بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   

التوظيف السلطوي للوقف في رمضان :
    رأينا - خلال النماذج السابق ذكرها - كيف ارتبطت سنة الوقف بصوم رمضان؛ من باب التماس مزيد من ثواب الله والقـرب منه في هذا الشهر الفضيل وعرفنا كيف تطـورت عملية توظيف عوائد الأوقاف عبر تراكمات الممارسات الاجتماعية، وكيف تشعبت، وأسهمت في دعم التضامن الاجتماعي وفي التأكيد على روابط الهوية الثقافية والعقيدية، وكذلك في تنشيط الذاكرة الجماعية بالدلالات الرمزية والدينية، وبالقيم والمثل الأخلاقية التي ينطوي عليها شهر رمضان كموسم سنوي للعبادة ولسائر الأعمال الصالحات .
وبالتأمل في الروافد التي ارتبط الوقـف مـن خلالها برمضان، نجد أن هذا " الارتباط " هو جزء من سياسة أهلية عامة؛ اتجهت دوماً نحو توظيف بعض عوائد الأوقاف في إحياء المواسم والأعياد والاحتفالات، وأن هذه السياسة قد وفرت آلية منتظمة لتمويل إحياء القيم الرمزية للجماعة الإسلامية وللمحافظة عليها وترسيبها في الوعي الجماعي للأجيال المتعاقبة .
ولكن هذا كله كان فاعلاً في ظل علاقة خاصة بين المجتمع - وبالأحرى الأمة - وبين الدولة، وقوام هذه العلاقة هو التعاون والتوازن وعدم طغيان طرف على الآخر . وعندما اختلت هذه العلاقة لصالح " سلطة الدولة " الحديثة التي ظهرت وتبلورت تدريجياً في مختلف مجتمعات العالم الإسلامي - على مدى القرنين الأخيرين - تراجعت وتبدلت وظيفة الوقف في هذا المجال مثلما تراجعت وتبدلت في غيره من المجالات الأخرى .
أما التراجع فقد كان لأسباب كثيرة، أهمها تدخل الدولة في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية وهيمنتها عليها، وقيامها بأداء كثير من الخدمات التي كان يمولها نظام الوقف . والذي حدث هو أنه كلما زاد تدخل الدولة قلت المبادرات الاجتماعية بالوقف على المجالات التي تتدخل فيها .
وأما التبدل فـقد حـدث نتيجة لانتقال نظام الوقف في معظم جوانبه الوظيفية - من الحيز الاجتماعي إلى الحيز الحكومي، حيث تم إدماج مؤسسات الأوقاف في الجهاز البيروقراطي للدولة الحديثة في كثير من البلدان الإسلامية وصارت خاضعة لإدارتها المركزية، سواء فيما كانت تقوم به من خدمات تعليمية أو صحية، أو فيما كانت تقدمه من دعم مادي وعيني لإحياء المناسبات والأعياد والمواسم، والمحافظة على استمرارية منظومة القيـم الدينية والثـقافية للجـماعة (23) ، بما في ذلك الدور الذي كانت تؤديه بمناسبة شهر رمضان وعبادة الصوم على النحو السابق بيانه .
لقد اعتبرت الدولة الحديثة - وهي تسعى لتثبت أقدامها في الكيان الاجتماعي للأمة - أن العناية بالشعائر الكبرى وبإحياء تقاليدها، مهمة من مهماتها الحكومية، وأوكلتها إلى وزارة مختصة بذلك هي " وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية "؛ التي أصبحت - حول منتصف القرن العشرين - هي المسؤولة عن إدارة جميع الممتلكات الوقفية، وهي المنوط بها السهر على رعاية شروط الواقفين بما فيها شروطهم الخاصة بالإنفاق من ريع وقفياتهم في شهر رمضان - محل اهتمامنا في هذه الدراسة - وقد نصت على ذلك التشريعات والقوانين التي أصدرتها الدولة في هذا الشأن .
صحيح أن رموز السلطة الحاكمة - قبل ظهور الدولة الحديثة - من الملوك والسلاطين والأمراء، كانوا يسهمون في تنظيم الاحتفالات بالمواسم والأعياد وفي رعايتها وتوفير التمويل اللازم لها؛ بيد أن إسهاماتهم كانت على سبيل المشاركة في المناسبة ،وليس على سبيل الاحتكار السلطوي للاحتفاء بها، فضلاً عن أن هـذه المشاركة كانت في أغلب الأحوال - علي نفقتهم الخاصة، أو من ريـع وقفياتهم على نحو ما أشرنا إليه - على سبيل المثال - بالنسبة للسلطان حسن، والسلطان سليمان القانوني، ومحمد علي باشا، وغيرهم من ممثلي السلطة الحاكمة (24).
أما في ظل " الدولة الحديثة " فقد أصبح من المعتاد أن تحتكر وزارات الأوقاف عملية تنظيم الاحتفالات بالأعياد والمواسم الدينية وبخاصة شهر رمضان الذي تحتفل بقدومه، وبليلة القدر وبذكرى غزوة بدر الكبرى، وتنظيم بعض السرداقات والأنشطة الثقافية خلال هذا الشهر الكريم، وهي في كل ذلك تعبر عن رؤى السلطة الحاكمة وتوجهاتها، بل وتحرص رموز هذه السلطة على حضور تلك الاحتفالات، في الوقـت الذي يتم الإنفاق عليها من ريـع الأوقاف التي تديرها " الوزارة " أو الهيئة الحكومية " المسئولة عن الأوقاف، ومبرر هذا الإنفاق هو تنفيذ " شروط الواقفين الذين اشترطوا إنفاق بعض ريع وقفياتهم في هذه المناسبة . على أننا نلاحظ قلة قليلة ممن ينالون شيئاً من تلك النفقات تنطبق عليهم شروط الواقفين التي وضعوها للتوسعة على الفقراء وذوي الخصاصة، وللإسهام في دعم القيم المعنوية والرمزية وترسيخ طابعها الجماعي، وتفعيل دورها في الارتقاء بالمشاعر الوجدانية، إلى جانب دورها في التمكين من أداء فرائض الإسلام وعباداته وفي مقدمتها الصلاة والصيام . وبدلاً من هذا كله غدت الوظيفة الرمزية للاحتفال على يد وزارات الأوقاف جزءاً من آليات تكريس السلطة الحاكمة، وإضفاء قدر من الشرعية عليها، وهذا هو ما أطلقنا عليه التوظيف السلطوي للوقف في رمضان عوضاً عن أن يكون توظيفه اجتماعياً آلية لدعم التكافلات الأفقية والرأسية في هذه المناسبات، وإكساب التكوينات الاجتماعية والجماعات المحلية قدراً من جلال المناسبة المحتفى بها، وتنشيط قيمها الأخلاقية ودلالاتها الرمزية .
وإذا تأملنا - في نهاية المطاف - في مسار العلاقة بين الوقف كمندوب وبين صوم رمضان كواجب شرعي؛ عبر الممارسات الاجتماعية وما آلت إليه في ظل الدول الحديثة - في معظم بلدان العالم الإسلامي - سنجد أن قوة هذه العلاقة قد وهنت، وأن وظيفتها السابق شرحها قد انتقلت من حيزها الاجتماعي إلى الحيز السلطوي الحكومي، وذلك ضمن السياق العام الذي سيطرت فيه الدولة على نظام الوقف برمته، وفككت روابطه بالتكوينات الاجتماعية الأصيلة والموروثة وفـي مقدمتها الأسرة، والطائفة المهنية أو الحرفية، والطريقة الصوفية، والعلماء، وكثير من المؤسسات المدنية والدينية في آن واحد . وقد نخلص إلى القول بأن تقويض الممارسة الاجتماعية للمندوب الشرعي، وعزله عن روافده التلقائية، وضبطه سلطوياً بعيداً عـن مجاله في خدمة فرائض الإسلام، كل ذلك قد أسهم في حدوث خلل في مقومات التوازن الاجتماعي، وأدى إلى ضعضعة مصادر قوة المجتمع في علاقته مع سلطة الدولة، وهذا رأينا الذي سقناه يؤخذ منه يترك، ومن جاء بأحسن منه قبلناه
رمضان 1420 هـ - ديسمبر 1999م

قضايا معاصرة     بداية     عـودة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

بث مباشر: 26/11

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع