بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   

أنماط التوظيف الاجتماعي للوقف في رمضان:
    تكشف لنا وثائق الأوقاف - التي سجلت وقائع الممارسة الاجتماعية لنظام الوقف على مر التاريخ - عن أن " شهر رمضان " قد حظى باهتمام كثير من الواقفين على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية، وتباين أوضاعهم الاقتصادية، كما تكشف تلك الوثائق أيضاً عن أن المبعث الرئيسي لاهتمامهم بهذا الشهر هو كونه شهر أداء فريضة الصوم، فضلاً عن أنه موسم حافل بكثير من المناسبات ففيه أنـزل القرآن، وفيه ليلة القدر، وفيه الحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء. وبالرغم من تعدد صيغ تخصيص ريع الوقف وتنوع مجالات إنفاقه في رمضان إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن تخصيص شئ من الريع لإنفاقه في هذا الشهر لم يكن مقتصراً فقط على ماله صلة بالصيام؛ كتوفير فطور الصائمين أو سحورهم، وإنما اشتمل على أغراض أخرى هي من أبواب البر والمنافع العامة التي يستحب الإنفاق عليها في المواسم والأعياد بصفة خاصة، وفي الأحوال العادية بصفة عامة، ولكن العناية بها في رمضان بالذات لها مغزاها المرتبط بأفضليته التي سبقت الإشارة إليها.
وعلى أية حال فإنه يمكن تصنيف صيغ التوظيف الاجتماعي للوقف في رمضان في ثلاثة أنماط رئيسية هي كالآتي :
1 - نمط التحويلات النقدية، وهو أن ينص الواقف على تخصيص مبالغ نقدية من ريع وقفه لإنفاقها خلال شهر رمضان المبارك؛ على الفقراء والمساكين وذوي الخصاصة، ومثال ذلك ما نص عليه محمد باشا سليمان أبو النجا في حجة وقفيته - بمصر - التي يرجع تاريخها إلى سنة 1369 هـ / 1950م ‏- وهو أن يصرف للفقراء والمساكين من ريع الوقـف 7 جنيهات ( يومياً )‏ على مدار أيام شهر رمضان و 90 جنيهاً في آخر يـوم من رمضان سنوياً (4).
والتخصيص الوارد في هذا المثال - وأمثلته كثيرة - هو عبارة عن عطاء نقدي لتلك الفئات بلا مقابل، ودون تكليفهم بأداء أية خدمة، وهدفه هو إعانتهم ليتمكنوا بأنفسهم من تدبير بعض ضرورياتهم خلال الشهر الكريم.
وهناك نوع آخر من التخصيص النقدي الذي اشترط بعض الواقفين إنفاقه في رمضان، ولكن مقابل قيام المستحقين بأداء خدمة ذات طابع رمزي، أو شعائري أو ثقافي، والأمثلة على ذلك كثيرة : منها ما ورد في حجة وقف السلطان سليمان بن سليم الأول العثماني على التكية السليمانية - بدمشق- وعلى المسجد الملحق بها وهو أن " ُيِرتب إمامان من أهل الصلاح… يحضر واحد منهما بنوبة كل وقت من الصلوات الخمس المكتوبة والتراويح المسنونة المندوبة، ويُدفع إلى كل واحد منهما كل يوم سبعة دراهم (5).
ومنها ما ورد - أيضاً - في حجة الحاجة نازنده بنت مصطفى أغا، زوجة والي بغداد في سنة 1814م التي نصت على أن يرتب في المسجد الذي أنشأته " واعظ شهر رمضان ويعطي خمسمائة قرش، وممجد ليالي رمضان ويعطى مائة قرش، وقراء القرآن في شهر رمضان ويعطون ألف قرش (6).
ومنها كذلك ما ورد في حجة وقف شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - وهي تعد من أقدم وأهم المكتبات بالجزيرة العربية بوجه عام، وفي المملكة العربية السعودية بوجه خاص، ويرجع تاريخ إنشائها إلى عام 1270 هـ ( 1852م ) وقد شرط لثلاثة من حفظة الكتب ( أمناء المكتبة ) " أن يعطى كل واحد منهم عند دخول شهر رمضان شهر الغفران إثنا عشر ريال فرانسويه عيناً أجرة القدم (7).
ومن ملاحظاتنا على " التحويلات النقدية " كصيغة للتعبير عن اهتمام الواقفين برمضان أن هذا النمط لم يكن شائعاً، ويبدو أن الواقفين كانوا يفضلون تخصيص عطاءات عينية - وليست نقدية - أو تقديم خدمات مجانية في مجالات التعليم والصحة والسكن .. الخ ) من خلال بعض المؤسسات المختصة بتقديم تلك الخدمات، أو بتوفير منافع عمومية أو رعاية اجتماعية خاصة لبعض الفئات.
2 - نمط المساعدات العينية، وهو أن ينص الواقف على الصرف من ريع وقفه لشراء بعض السلع والحاجات - كالأطعمة والأشربة والملابس - وتوزيعها خلال شهر رمضان على فئات متنوعة من عامة الناس، مع إعطاء أولوية الاستحقاق لكبار السن والعاجزين عن الكسب والضعفاء والأيتام ومقيمي الشعائر في المساجد والتكايا والرباطات، والمشايخ الملازمين للمساجد، وللمساكين، وحتى للسجناء.
وبالتأمل في تفاصيل ما نص عليه بعض الواقفين من شروط خاصة بالإنفاق في رمضان يتبين لنا مدى الحرص على تقديم مساعدات جيدة كماً ونوعاً، لتلك الفئات في هذه المناسبة، وقد تفاوتت إسهامات الواقفين في هذا المجال، كل حسب مقدرته الاقتصادية، ومكانته الاجتماعية ورغبته في فعل الخيرات، والأمثلة على ذلك كثيرة من الوقفيات القديمة ومن الأحدث نسبياً، وفيما يلي بعض نماذج منها تبين أصناف المساعدات من الأطعمة والأغذية المختلفة:
أ - من أوقاف مصر في العصر المملوكي، ما ورد في حجة وقف السلطان حسن، وهو أن " يصرف في كل يوم من أيام شهر رمضان ثمن عشرة قناطير من لحم الضأن، وثمن أربعين قنطاراً من خبز القرصة، وثمن حب الرمان، وأرز وعسل، وحبوب وإبزار، وتوابل، وأجرة من يتولى طبخ ذلك وتفرقته، وثمن غير ذلك مما يحتاج إليه من الآلات التي يطبخ بها، فيطبخ ذلك في كل يوم من أيام الشهر المذكور زيادة على ما هو مرتب في ليالي الجمع (8).
ومن هذا النص يتضح مدى الاهتمام الكبير الذي أولاه " السلطان " لشهر رمضان، وحرصه على التوسعة على الناس فيه، كما يتضح مدى إدراكه العميق لاستغلال هذه المناسبة للوصول إلى قلوب رعيته، ومشاركتهم في الاحتفاء بها، والأهم من هذا وذاك - في نظرنا - هو حرصه على التماس رضا الله تعالى عليه ونوال مثوبته ومغفرته في هذا الشهر الكريم على الدوام والاستمرار في حياته ومن بعد مماته، الأمر الذي جعله يختار صيغة الوقف أو " الصدقة الجارية " ويربطها بفريضة الصوم.
ب - من أوقاف دمشق في مطالع العصر العثماني ما ورد في حجة وقف السلطان سليمان بن سليم الأول العثماني، على تكيته بمدينة دمشق وهو يشبه ما ورد في حجة السلطان حسن السابق ذكرها؛ من حيث مضمونه ودلالته.
فقد شرط السلطان سليم " أن يطبخ في ليالي رمضان المبارك الشريف ويومي العيدين وليلة البراءة؛ الأرز المفلفل، والحلو المزعفر " وعين لكل مرة " ثلاثة وتسعين مناً من الأرز النقي، وللطعامين المرقومين لكل مرة ستة وعشرين مناً، وثلاثة أداني من السمن البقري، وللمزعفر منها كل نوبة ثمانية وعشرين مناً من العسل الحرى ...".
وحتى يضمن جودة تلك الأطعمة وتقديمها للفقراء بطريقة لائقة فإنه نص على توظيف أشخاص تكون مهمتهم : تنقية الحنطة والأرز حسبما تستريح أسنان الطاعم عند صدمة دقاق الحجارة عند تناول المطاعم، ويعطى لكل منهم كل يوم درهمان " أما تقديم الطعام فيقوم به " ثلاثة رجال لحمل الطاسات المحشوة بالطعام إلى فقراء الأنام الحاضرين - بالتكية - غدواً وعشياً، ويعطى لكل منهم كل يوم درهمان (9).
جـ - من أوقاف تونس ما ورد في تقرير الشيخ الورتاني عن تفقده لأوقاف الساحل التونسي في 18 ربيع الأول 1292 هـ - 24 إبريل 1875، وهو أن زيتون فطر الصائمين بجامعي القصبة والزاوية كان مغاراً عليه فاسترجع، وأن من مصروف الحبس الكبير للمنستير ثمن خبز لفطر الصائمين بالجامع الأعظم (10).
وقد نصت الست فاطمة عثمانة - وهي من أشهر المحسنات الواقفات في تونس - أن يصرف من ريع وقفيتها ما يكفي لشراء طعام وشراب المساجين المحبوسين في سجن القصبة (11) ، ومن طرائف وقفيات تونس في رمضان ما شرطه بعض الواقفين للصرف على " توفير الزلابية لمؤذني جامع الزيتونة في ليالي رمضان (12) ؛ ربما لمساعدتهم على أن يكون صوتهم جلياً جهيراً حتى يسمعهم الناس بوضوح، وبخاصة في وقت الإفطار ووقت الإمساك.
د - من أوقاف الشيعة بإيران وقف حاج ميرزا محمد باقر خان عماد الملك الذي يرجع تاريخه إلى سنة 1300هـ وقد خصصه للإنفاق على ما يربو عن 16 وجهاً من وجوه الخيرات، ولمنافع عامة منها تقديم الأطعمة للفقراء في رمضان وكسوتهم في العيدين (13).
ومن نماذج الوقفيات التي تبين اهتمام الواقفين بتقديم الكساوى والملابس في شهر رمضان بصفة خاصة؛ نشير فقط إلى المثال التالي من أوقاف المغرب الأقصى في عهد بني مرين، وهو ما ورد في إسعافات ابن عنان بشأن إجراء الصدقات وكسوة المساكين والضعفاء والعجائز والمشايخ الملازمين للمساجد بجميع جهات دولة بني مرين والتصدق يوم سبعة وعشرين من رمضان بما يجتمع في مجابي الأبواب (14).
وثمة أمثلة أخرى كثيرة تبين الاهتمام الكبير بتقديم مساعدات عينية في صورة ملابس وكساوى لفئات عديدة بمناسبة رمضان، ولكننا سندرجها ضمن " نمط الدعم المؤسسي " نظراً لأن أغلبيتها جاءت مرتبطة بإحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية، أو التعليمية أو الخدمية العامة.
3 - نمط الدعم العيني للمؤسسات المدنية، وفي مقدمتها المدارس ومكاتب السبيل، ‏والأربطة، والخنقاوات، والتكايا والملاجئ.
وقبل أن نورد بعض النماذج التي توضح مدى اهتمام الواقفين بما أسميناه المؤسسات المدنية " فإنه يجب أن نلاحظ أن " الوقف " كان هو المصدر الأساسي - وكاد أن يكون الوحيد - لدعم تلك المؤسسات ابتداء من نشأتها مروراً بإدارتها وتمويلها وضمان بقائها واستمرارها في أداء وظائفها . وقد كان هذا الدعم متواصلاً طوال شهور السنة، ولكن " شهر رمضان " كان مناسبة مهمة لكي تتلقى المدارس والمكاتب والتكايا ... الخ مزيداً من المخصصات من ريع الأوقاف في صورة نقـدية في قلـيل من الحالات أو " عينية " في أغلبها .
كما نلاحظ - أيضاً - أن كل مؤسسة من تلك المؤسسات لم تكن في الماضي تعمل بمفردها أو بمعزل عن غيرها في الواقع الاجتماعي، وإنما كان بينها قدر عال من التساند الوظيفي طوال أيام السنة، وفي شهر رمضان على وجه خاص، الأمر الذي أدركه الواقفون وأخذوه في اعتبارهم وهم يخصصون ريع وقفياتهم ويوزعونها على مصارف الإنفـاق المتعددة، ونادراً ما نجد " مدرسة " - مثلاً - أو مكتباً لتعليم القرآن، أو تكية قائمة بذاتها مستقلة عن غيرها، وإنما كانت في أغلب الحالات مشتركة مع مؤسسة أخرى أو أكثر ضمن إطار وظيفي - اجتماعي واحد، وكثيراً ما تطالعنا المصادر التاريخية بمجموعات متكاملة ومتجاورة من تلك المؤسسات كأن يكون المسجد الجامع ملحقاً به مدرسة ومكتباً وتكية، أو تكون الخانقاة مشتملة على زاوية أو مسجد للصلاة، ومدرسة، وسبيلاً لتوفير المياه الصالحة للشرب وهكذا.
وهذا - التساند أو التكامل - الوظيفي هو الذي أعطى تلك المؤسسات بعدها الاجتماعي وعمَّق مغزاها المدني، وقـد أسهم الوقف في ذلك بالدور الأكبر، واحتل " رمضان " مكانة متميزة كمحفز معنوي لتوفير مزيد من الدعم المادي، ولتوثيق التكامل الوظيفي بين تلك المؤسسات التي حظيت بمزيد عناية خاصة في ليلة السابع والعشرين وهي ليلة القدر التي هي " خير من ألف شهر ".
وثمة أمثلة كثيرة على ما ذكرناه ومن ذلك الآتي :
أ - المدارس :
منها المدرسة الباسطية بالقدس، وكانت مخصصة للأيتام، وكان - كل يتيم يتقاضى حسب المعلومات المتوفرة عن سنة ( 834 هـ ) 15 درهماً شهرياً، وكان يعطى 30 درهماً بدل كسوة بمناسبة رمضان وعيد الفطر المبارك (15).
ومنها ‏مدرسة الحديث النبوي التي أسسها خاير بك سنة 908 هـ في عهد السلطان الغوري بمصر، وجعلها ملحقة بمسجده، وخصصها لتعليم الحديث الشريف يومياً خلال شهور رجب وشعبان ورمضان، على أن يعطي " معلوماً " لقارئ يقرأ الحديث يومياً طـوال الشهور الثلاثة من صحيح مسلم (16).
ومدرسة الأمير صرغتمش - بالقاهرة - الذي نص في وثيقة وقفه عليها أن يرتب مزملاتي مهمته جلب الماء من السبيل الموجود في المدرسة يومياً، نهاراً في أيام الفطر، وليلاً في رمضان، ويشترط في المزملاتي أن يكون خيراً متديناً يتمتع بصحة جيدة، ويصرف للمدرس في كل شهر ثلاثمائة درهم نقرة، ومن الزيت والطيب خمسة أرطال، ومن الصابون خمسة أرطال، كما يصـرف في رمضان - عـلاوة على ما سبـق - خمسة أرطال سكر (17).
وكذلك مدرسة الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل، التي أنشأتها ووقفتها بمدينة المنصورة - بمصر - ووقفت عليها ما يكفي للإنفاق على تعليم البنين والبنات فيها، واختصت شهر رمضان بأن اشترطت " شراء كساوى لماية وعشرين تلميذاً وتلميذة، من ذلك ستون تلميذاً ذكراً وستون تلميذة أنثى بشرط أن يكون الماية والعشرون المذكورون من المسلمين الفقراء، وتكون كسوة كل واحد من الستين تلميذ مشتملة على بنطلون وزكته وصديري من الجوخ الوسط، وطربوش، وقميص ولباس بفته، وجزمة وشراب، وربطة ياقة، وتكون كسوة كل واحدة من الستين تلميذة الإناث مشتملة على فستان من الحرير الوسط، وقميص من البفتة الشاش، ولباس من القماش الدبولان، وجزمة وشراب بشرط ألا تقل قيمة كل كسوة من الماية والعشرين المذكورة عن جنيهين اثنين مصري - حسب أسعار بداية القرن العشرين - وأن يكون إعطاء الكساوى المذكورة للتلامذة والتلميذات على الوجه المسطور في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم من كل سنه لكل واحد منهم كسوته بيده، في محفل ( يحضره ) نائب عن ‏ناظر الوقف وناظر المدرسة والمدرسين بـها (… ) كما يشتري كساوى لموظفي المدرسة جميعاً، بحيث يشتري لكل موظف بها مسلم كسوة تعادل ملبوسه المعتاد، وتعطى له كسوته في الوقت الذي يعطي فيه للتلاميذ والتلميذات (18)، أي في ليلة السابع والعشرين من رمضان.
ب - " المكاتب " وكانت تعرف بمكاتب السبيل، نظراً لارتباطها بوجود أسبلة مياه - وهي من إنشاءات الأوقاف أيضاً - وكانت منتشرة في المدن والحواضر الإسلامية على نطاق واسع عبر مختلف العصور، وبصفة خاصة في العصرين المملوكي والعثماني، وظلت منتشرة حتى مطالع العصر الحديث، ونسوق عليها مثالاً واحداً وهو " مكتب قولة "- باليونان - الذي أنشأه محمد علي باشا ووقفه في سنة 1232 هـ - 1817 بغرض تحفيظ القرآن، وجعله بالقرب من المدرسة والكتبخانة اللتين أنشأهما ووقفهما في " قولة" أيضاً .
وقد اشترط محمد على أنه في " صباح ليلة القدر الواقعة في 27 من شهر رمضان المعظم من كل سنة … يشتري لكل صبي من الخمسين صبياً - الذين يتعلمون بالمكتب - قفـطان ألاجه قيافة، وجبة وديزلك، وطربوش، وحزام، ومنديل رأس، وجوز مركوب وكسوتهم وإكرامهم، والذين يحفظون القرآن الكريم من صبيان المكتب المذكور يعطي لكل منهم بدلة هدوم، وخمسين قرشاً " إكراماً " لهم وتشويقاً لغيرهم (19).
د - الخانقاوات والأربطة والتكايا والملاجئ (20) ، وجميعها كانت من المؤسسات الاجتماعية المدنية، التي أنشأتها الأوقاف، ومولتها بما تحتاج إليه من مصروفات ونفقات على مدار السنة، وقد أولاها الواقفون اهتماماً زائداً على ذلك في شهر رمضان بالذات؛ وحتى تتمكن من التوسعة على المستفيدين منها وهم من الفقراء والعجزة وكبار السن المنقطعين .
والأمثلة على هذه المؤسسات كثيرة أيضاً، ونشير هنا فقط إلى مثالين :
الأول : ما شرطه بيبرس الجاشنكير ( المملوكي ) في وقفيته على الرباط الـذي أنشأه، وهو أن يوزع في ليالي الجمع من شهر رمضان نصف رطل مصري مـن الحلوى على الصوفية والفقراء بالرباط، وكذلك في ليلة ختم القرآن في التاسع والعشرين من كل رمضان .. على أن ‏يضاعف نصيب شيخ الخانقاه وشيخ الرباط … وأن تكون الحلوى عجمية معمولة من الدقيق الطيب المستخرج من القمح والعسل المحلى بالسـكر والخشخاش ومـاء الزعفـران واللوز (21).
والثاني : ما نص عليه إسماعيل بك رفعت في وقفيته - التي أنشأها بالقاهرة - بتاريخ 16 جمادى الأولى 1284 هـ ( 1867م ) وهو أن النسوة العجائز الفقيرات المسلمات العجائز عن الكسب، الخاليات من الأزواج اللائي يقمن في الرباط الذي أنشأه بباب الخلق - بالقاهرة - " تعطي كل واحدة في شهر رمضان من كل سنة إثنى عشر ذراعاً من العبك [ نوع من القماش ] وستة أذرع من الشاش وحردة بلدي (22).
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن دور نظام الوقف ظل مستمراً في دعم معظم المؤسسات الأهلية - المدنية والدينية، مع عدم وجود فصل واضح بين هذه وتلك - وأن هذا الدعم كان يزيد في شهر رمضان بصفة خاصة، وذلك للأسباب التي شرحناها في مطلع هذه الدراسة.
كما تجدر الإشارة إلى أن هذا الدور الذي قام به نظام الوقف قد أخذ في الانحسار مع بداية العصر الحديث - ويؤرخ له عادة ببداية القرن التاسع عشر - حيث حصلت تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية عديدة، وظهر نمط جديد " للدولة " ذات التنظيم الحديث، وذات المؤسسات والبيروقراطية المركزية، التي حلت تدريجياً محل تنظيمات المجتمع الأهلي وفعالياته المدنية الموروثة، واستبدلت غيـرها بها في بعض الحالات، وأدمجتها في أجهزتها الحديثة في حالات أخرى، وانطبق ذلك-فيما انطبق - على نظام الوقف، وعلى وظائفه التي كان يؤديها، ومنها وظيفتها التي ارتبطت بشهر رمضان المبارك، وبغيره من المواسم والأعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية، وهي ما أسميناها " الوظيفة الرمزية " ذات الأبعاد الثقافية والقيمية والأخلاقية، التي لها دور كبير في دعم التكافلات الأفقية والرأسية بين التكوينات الاجتماعية التي يتشكل منها كيان الأمة . وتسهم في تعميق هويتها الذاتية الإسلامية


قضايا معاصرة     بداية     يتبـع     عـودة     النهاية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

بث مباشر: 15/11

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع