الصهيونية والعولمة
اضطلع المشروع الصهيوني في ما بعد الاستعمار بدور جديد تموله وتدعمه معنوياً الولايات المتحدة، وساعدت الأقطار الاستعمارية السابقة في العبور من الاستعمار إلى ما بعد الاستعمار وأقرته الأمم المتحدة، وسعى المشروع الصهيوني - إزاء هذا السياق - لاعتراف الدول العربية الرئيسة به.
أعاد المشروع الصهيوني ، الذي بدأ في الوقت نفسه مع المشروع القومي العربي ابتكار نفسه في ظل حكومة الليكود، بالتشبث العنيد بثنائيات التحضر ضد الهمجية، والرحمة مقابل الإرهاب، والديمقراطية مقابل الشمولية، وإسرائيل الديمقراطية مقابل العرب والمسلمين المتخلفين.
إن ما سيجرى للمشروع الصهيوني في المستقبل مسألة هامة، فعلى سبيل المثال، يستحيل تقريباً توقع ما ستكون عليه إسرائيل بعد خمسين عاماً بدقة تامة، ولكن مع بدء العولمة مد جذورها في الاقتصاد العالمي والثقافة، سيصبح الشرق الأوسط عموما وإسرائيل خصوصا أقل أهمية مما هو عليه الآن بالنسبة لاستراتيجيات المركز الرأسمالي العسكرية والسياسية فالبترول "العربي" والصهيونية ، أو أي شكل من أشكال القومية في الشرق الأوسط، سيتوجب عليهما تغيير سماتهما بشكل حاد في مقابلة التغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية العميقة الناجمة عن العولمة، ويعنى هذا أنه يستحيل رؤية مصير إسرائيل بعد خمسين عاماً دون الأخذ في الحسبان أهمية الشرق الأوسط ككل في الفترة نفسها.
شهد عام 1948 ذروة انتصار المشروع الصهيوني بإنشاء دولة إسرائيلية قوية هدفها ـ كما هو مفترض ـ أن تقدم ملاذاً آمناً لمواطنيها، وبصورة محتملة للشعب اليهودي في العالم، وبعدها بنحو خمسين عاماً، ظهرت إسرائيل كأقوى دولة عسكرية في الشرق الأوسط بفضل الهزيمة الكاملة للناصرية عام 1967، وتدمير قدرات العراق العسكرية في حرب الخليج الثانية وما أعقبها، وعلى الرغم من اجتذاب إسرائيل سكاناً مختلفين من أركان العالم (على سبيل المثال العالم العربي وأوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق وأثيوبيا)، فإن أغلبية يهود المركز في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية لم يبدوا حتى الآن أي اهتمام حقيقي بالهجرة إلى إسرائيل أو العيش فيها، وترك ذلك المشروع الصهيوني، المبالغ في تقديره بمعنى من المعاني غير منجز، ومن ثم مبتوراً، على الرغم من التضحيات المالية الضخمة التي تكبدها يهود المهجر لصالح إسرائيل، و يكره يهود المركز الذين استمروا في طليعة العولمة ـ بطبيعتهم ـ الجوهر القومي والمحدود للصهيونية، وبرغم أنهم أكبر مؤيديها في هذه المرحلة من التاريخ فقد يعادونها في المستقبل، وقد منع العديد من العوامل الهجرة الجماهيرية ليهود المركز إلى إسرائيل منها : طبيعتها العسكرية، فقد دخلت إسرائيل عدة حروب رئيسية منذ عام 1948، وطبيعة المشكلة الفلسطينية التي ظهرت في أعقاب تأسيس إسرائيل، فعلى حين يجرى تفهم الفلسطينيين كأمة مجروحة بشكل عميق منذ 1948، يقل التأكد شيئاً فشيئاً في العالم الغربي حول المعتقدات المحورية للصهيونية، وبالأخص في ظل حكم الليكود.
وفي رأي ستكون الخمسون سنة القادمة في عمر إسرائيل مختلفة نوعاً عن الخمسين الماضية، فثمة استياء بين العديد من الإسرائيليين ويهود ما وراء البحر من الطبيعة العسكرية للدولة، وتقدير أكبر متزايد لمعاناة الفلسطينيين، وتفهم عميق -حتى من أكثر اليهود صهيونية- لعدم قدرة الاقتصاد الإسرائيلي البقاء بشكل دائم على المساعدات الأجنبية، سواء كانت أمريكية أو أوروبية أو حتى يهودية.
إن مصير الفلسطينيين والإسرائيليين سيصبح أكثر تضافراً نظراً لعوامل ثقافية وسكانية: فعلى الجانب السكاني، يشير معدل مواليد السكان اليهود والفلسطينيين الحالي إلى أن الفلسطينيين، الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية في إسرائيل، والذين يقدر عددهم الآن بثمانمائة وخمسين ألفاً سيصلون إلى حوالي اثنين ونصف مليون بعد خمسين عاماً، مع استبعاد أولئك الموجودين في الضفة الغربية وقطاع غزة الذين يقدر عددهم بعد خمسين عاماً بحوالي 5 - 6 مليون ، ومن المشكوك فيه أن يزيد عدد السكان اليهود في إسرائيل بعد خمسين عاماً عن تسعة ملايين. ثانياً : وعلى المستوى الثقافي سيكون لليهود المهاجرين من العالم العربي كلمة أكبر في الشئون السياسية والثقافية في المجتمع الإسرائيلي ، وسيؤيدون ـ بغض النظر عن ميولهم السياسية المحافظة ـ تقارباً ثقافياً عربياً إسرائيلياً، وهذا أمر عادى بالنظر إلى أن العديد منهم يحاولون إعادة اكتشاف هويتهم الثقافية والدينية التي تم بناؤها خارج نطاق الحدود الإسرائيلية /الفلسطينية القائمة .
سيساعد كل ما سبق في إضعاف الطبيعة العسكرية القوية لإسرائيل، وسيخلق مجتمعاً إسرائيلياً أكثر إنسانية واتجاهاً نحو الشرق الأوسط، مجتمع يرى استمرار بقائه في التوافق مع بيئته شرق الأوسطية، والثقافة العربية الإسلامية على العموم
قضايا معاصرة
بداية
يتبـع
عـودة
النهاية
|
|
|