| 1 |
- |
قبل أن يبدأ القرن العشرون -الذي ودّعناه منذ وقت قريب- كانت مصر قد وقعت فريسة سهلة للاحتلال البريطاني (1882م)، وانتهت بذلك الثورة العرابية، وأصبح الوجود العسكري البريطاني أمرًا واقعًا يؤكد أهمية العمل الدؤوب لإنجاح المشروع الوطني الذي يسميه الدكتور عبد المجيد النجار (مشروع التحرر).(1) |
| 2 |
- |
كان مشروع التحرر مشروعًا إصلاحيًا عامًا بدأت ملامحه في الظهور نتيجة المحاولات الأوروبية للهيمنة على العالم الإسلامي، والشرق العربي، لا سيما بعد حملة نابليون على مصر. فقد أنشأ الاتصال بالغرب الأوروبي وعيًا عامًا بحال الشرق مقارنًا بحال الغرب. وكان الشرق مغلوبًا بما يكبله من قيود في الفكر والتنظيم والسياسة والاقتصاد، وكان الغرب ينتصر في معظم معاركه لما يتمتع به من حرية في تلك المجالات كلها، أدت به إلى تقدم مستمر حقَّق له نهضة شاملة.
|
| 3 |
- |
لقد توفي جمال الدين الأفغاني سنة 1897 -قبل بداية القرن العشرين بثلاث سنين- بعد أن أرسى فكرة الإسلام المجاهد، الإسلام المقاوم للغزو الأجنبي، الذائد عن الحوزة الإسلامية في مواجهة الأطماع الأوروبية
(2). ولكن مشروع التحرر -كما عبَّر عنه الفكر السياسي الإسلامي في مصر- لا يستكمل قسماته إلا بالوقوف على الإضافة الرئيسية التي قدَّمها كل عنصر من عناصر هذا التيار، أو رمز من رموزه، فقد أضاف الشيخ "محمد عبده" التجديد في الفكر السياسي والديني لمواجهة متطلبات الحياة الحديثة؛ وأضاف "حسن البنا" التركيز على فكرة شمول الإسلام وارتباط الفكر بالعمل والدعوة بالتنظيم الحركي
(3)
؛ وقدَّم "السنهوري" ردًا علميًا، ومشروعًا عمليًا إلى الذين أعجبوا بما فعله الكماليون في تركيا من إلغاء الخلافة الإسلامية والذين انهزموا نفسيًا من جراء هذا الإلغاء؛ فقسَّم الخلافة إلى كاملة، كخلافة الراشدين، وناقصة، كخلافة الدول التالية لها، ودعا إلى القبول بالخلافة الناقصة للحفاظ على جوهر الشريعة وسيادتها
(4). وقدَّم "سيد قطب" "منهج بعث" للأمة الإسلامية، دفع حياته ثمنًا له، وحيل بينه -بسبب ذلك- وبين أن يتم بيان منهجه
(5). ولكن الجزء الذي ظهر منه -على الرغم من إغراقه في المثالية- أقام الدنيا ولم يقعدها، ولا تزال آثاره شاخصة ومتجددة حتى اليوم.
|
| 4 |
- |
وقدَّم "حسن العشماوي" -في واحدة من أهم محاولات العودة بالفكر السياسي الإسلامي إلى أرض الواقع- تفرقة شديدة الجرأة بين الإلهي والبشري في القضية السياسية التي سمّاها "مشكلة الحكم"
(6). وفصّل "توفيق الشاوي" ما أجمله "حسن العشماوي" و"السنهوري" فانتهى إلى وجوب الفصل بين الإمامة الدينية أو الفقهية وبين الإمامة السياسية
(7).
|
| 5 |
- |
وقبل أن تمضي أربع سنوات على نشر "توفيق الشاوي" نظريته المفصلة عن فقه الشورى كانت آراؤه وآراء "حسن العشماوي" من قبله تجد طريقها إلى التطبيق العملي لأول مرة على يد مجموعة من شباب الإسلاميين والأقباط الذين أسسوا حزب الوسط
(8)، وهو مشروع لم يكتب له في مرتين متتاليتين أن يحظى بموافقة الحكومة المصرية أو محكمة الأحزاب السياسية، ولكنه أصبح المشروع السياسي الإسلامي الرئيسي على الساحة الفكرية منذ ظهرت محاولته الأولى حتى اليوم، بل أدَّى إلى أن تحاول تيارات أعلنت على مدى عقود متوالية عدم إيمانها بالديمقراطية والانتخابات والدولة نفسها: أنها ترغب في تكوين أحزاب سياسية تبني برامجها على أساس من الإسلام.
|
| 6 |
- |
وتحاول هذه الورقة -بقدر ما تسمح به مناسبة إعدادها- تلخيص الموقف الفكري الإسلامي في خبرة السياسة المصرية على امتداد المساحة الزمنية بين الجيل الذي افتتح هذا القرن بجهاده في "مشروع التحرر" وبين الجيل الذي أوشك أن يختم القرن سنواته وهو يبحث عن "مشروعية" الوجود السياسي الرسمي.
|