بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   

الفقه السياسي للأقليات المسلمة..

أ.د. نادية محمود مصطفى

4- التطور في أنماط مطالب الأقليات في ظل التطورات المعاصرة:

لم تكن الأقليات دائمًا مفعولاً به فقط، فقد كانت لها مقاومتها ومطالبها واختلفت هذه وتلك أيضًا من حيث طبيعتها، ومن حيث درجتها باختلاف الأنماط السابق شرحها. وهذا ما سنحاول توضيحه فيما يلي: أي كيف تختلف ردود أفعال الأنماط المختلفة؟، ولكن لن نتوقَّف عند التفاصيل بقدر ما سنتوقف عند مدلولات أساسية للتمييز بين هذه الأنماط.

         فإذا كانت النظم الشمولية تحاول القضاء قسرًا على العقيدة وعلى الهوية وعلى الشخصية المسلمة، فإن النظم الليبرالية التي تتوافر على صعيدها حرية العقيدة تسعى في المقابل، وبدأت مستمرة إلى امتصاص الأقليات واستيعابهم في ثقافة النظام ومنظومته القيمية. ولذا فكلتا الحالتين -وإن اختلفت الأدوات والسبل- خطرٌ على عقيدة وانتماء وهوية وشخصية المسلم، وإن كانت الحالة الأولى تبدو أقسى من الثانية وأكثر خطورة، وخاصة في الأجل القصير؛ إذ لا تتوافر فيها ما يبدو متوافرًا في الحالة الثانية من فرض المناورة وتقديم المطالب واكتساب الحقوق، إلا أن الأمر وخاصة في الأجل الطويل لابد وعلى هذا النحو. وهنا تبرز أمامنا إشكالية هامة حول الاختلاف بين طبيعة المطالب في الحالتين، وتتلخص في المقابلة بين النمطين التاليين: من ناحية ظهور مطالب الانفصال والاستقلال من جانب الأقليات المسلمة في الحالة الأولى، (وهي أيضًا من الأقليات في ديار إسلام سابقة ومن الشعوب الأصلية في مناطقها)، ومن ناحية أخرى: ظهور اتجاهات نحو قبول الاندماج في مجتمع غير مسلم، ولكن مع الحفاظ على الهوية الثقافية الدينية الإسلامية في الحالة الثانية، (وهي أيضًا من الأقليات في ديار لم تفتح سلطة إسلامية ومن الشعوب المهاجرة)، وتستدعي هذه الإشكالية لأهميتها الانتباه إلى مغزاها، وذلك على ضوء اختلاف الأسباب المنشئة للأقليات، واختلاف طبيعة النظم التي يعيشون في ظلها، ومن ثم اختلاف طبيعة التحديات التي تفرضها عليهم، وبالنظر إلى التطورات العالمية الإقليمية الجارية خلال العقد الأخير، وبدون إسقاط ملامح الخبرة التاريخية يمكن أن نتوقف لنتفهم مغزى هذه المقابلة بين هذين النمطين من المطالب.

         بالنسبة للنمط الأول: فتستدعي هنا خبرة تاريخ الأقليات في الاتحاد السوفييتي السابقة في النظر إلى تاريخ مسلمي القوقاز وآسيا الوسطى، وعلاقتهم بالقوة الروسية المحتلة في ثوبها القيصري أو ثوبها الشيوعي؛ إذ يمكن أن نلحظ الاتجاهات الثلاثة التالية من ناحية اندلاع المقاومة المسلحة ضد السلطات الروسية، ومحاولة الاستقلال من جديد كلما سنحت الفرصة، كما حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى وفي أواخر الحرب العالمية الثانية. ومن ناحية أخرى.. في مواجهة خطر التصفية بالقوة العسكرية أو بالضغوط على العقيدة والهوية؛ إذ لم تفقد الأقليات المسلمة سبل المقاومة الذاتية للحفاظ على العقيدة والهوية. ولذا توالت موجات الإحياء الإسلامي التي كانت تعقبها محاولات للاستقلال. ففي أوائل القرن العشرين.. ظهرت الموجة الأولى من الصحوة الإسلامية التي تواكبت مع الصحوة في المشرق العربي، وطالبت بتجديد القيم الإسلامية، وإحياء الثقافة الإسلامية، وتحقيق قدر من الاستقلال السياسي والثقافي للشعوب الإسلامية. ثم جاءت الموجه الثانية منذ أوائل السبعينات عاكسة لحركة مطردة من نمو الشعور بالهوية الإسلامية، ومن الإحياء الثقافي الإسلامي؛ سواء في القوقاز أم آسيا الوسطى؛ ولذا حين تفكك الاتحاد السوفيتي، وانهار غطاؤه الشيوعي كشفت القوة الكامنة النقاب عن نفسها لتبين للشعوب المسلمة أنها ما زالت باقية بالرغم من كل الأضرار، وهي مستعدة بل متلهفة للعودة إلى المنابع لإصلاح هذه الأضرار. ومن ناحية ثالثة.. سعت السلطات الشيوعية وفقًا للأوضاع العالمية والإقليمية، ووفقًا لتوجهات السياسة الخارجية للانتفاع بالأقليات المسلمة لتحقيق أهداف خارجية، فعقب اندلاع الثورة الشيوعية اعتقد قادتها إمكانية تطويع الأقلية المسلمة لجذب مساندة الشرق المسلم ضد القوى الإمبريالية العالمية. وتكرر السيناريو، ولكن في إطار مختلف في منتصف الخمسينات حين أراد جورباتشوف الانفتاح على العالم الثالث بصفة عامة، والعالم العربي والإسلامي بصفة خاصة، وأعتقد أن تحسين أوضاع مسلمي الاتحاد السوفييتي يمكن أن يساعده في ذلك. وقد انعكست مثل هذه الحالات بالتحسُّن المؤقَّت في ظروف المسلمين أو على الأقل خفة حدة السياسات المعادية للدين.

ومن النماذج الأخرى الممثلة لهذا النمط من المطالب: مطالب مسلمي إقليم كشمير، ومسلمي بعض جزر الفلبين، وفي جنوب تايلاند وعلى حدود الملايو للانضمام إلى الوطن الأم ماليزيا، ومسلمي الصومال الكيني في شمال كينيا للانضمام إلى "الصومال الكبير" ومسلمي قبرص. وإذا كانت بعض هذه المطالب قد خبت وتراجعت.. فإن بعضها مازال يتأجَّج على مراحل، وخاصة في كشمير وقبرص. وأخيرًا.. فإن قضية البوسنة وقضية الشيشان تُعَدَّان تجسيدًا حيًّا لهذه المطالب في ظل التطورات العالمية والإقليمية الراهنة التي هيَّأت الساحة لانفجار هذه المطالب.

إن المطالبة بالاستقلال والانفصال تفرض على مسلمي هذه المناطق تحدّيات خطيرة متجدّدة من جانب الأكثرية المخالفة قوميًّا ودينيًّا. وتطرح هذه التحديات الآن كل معضلات العلاقة بين الحفاظ على التكامل الإقليمي لبعض الدول المركبة وبين حقوق تقرير المصير للشعوب التي ضمّتها هذه الدول قسرًا. وتحظى هذه القضية الآن بكل الاهتمام في ظل ما يسمَّى "النظام الدولي الجديد" الذي يرفع شعارات حماية حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير، وهي الشعارات التي يشهد تطبيقها ازدواجية في المعايير؛ إذ تميز بين الأقليات المسلمة وغيرها لغير صالح هذه الأقليات.

أما بالنسبة للنمط الثاني من المطالب؛ أي مطالب الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية الليبرالية- العلمانية.. ففي ظل هذه المجتمعات التي تكفل حرية الاعتقاد، وتزخر بسمات التعددية، وقوى المجتمع المدني، ومنظمات حقوق الإنسان تتعدّد أيضًا التنظيمات الإسلامية التي ترعى شؤون المسلمين داخل الدولة أو تنظيم جهود غير قومية.

وتبرز الحاجة لهذه نظرًا للتناقض بين أنظمة وأحكام البلاد المضيفة والمبادئ والأحكام الإسلامية؛ ولذا يواجه المسلم المعضلة بين المحافظة على وجوده وذاتيَّته كمسلم في نطاق مجتمع غير مسلم من ناحية، واحترام تقاليد الآخرين وقوانين الدول التي يعيش بها من ناحية أخرى.

وإذا كان الأمر لا يصل بالطبع بهذه الأقليات إلى مطالب الاستقلال فإنه أيضًا لا يصل بها إلى دعاوى التغيير الجذري لهذه المجتمعات المستضيفة لتصبح مجتمعات أو دولاً إسلامية؛ ولذا تظل مطالبها كوكزة في مجال الدفاع عن حماية الحقوق الدينية والاجتماعية الاقتصادية الإسلامية، شأنها شأن أي أقلية أخرى قومية أو دينية- وفي نطاق النظام القائم الذي تعترف بوجوده، وتسعى إلى استكمال دائرة الوجود في نطاقه بالمطالبة أيضًا بالحقوق السياسية الكاملة.

ولذا فإن الأقليات المسلمة تطالب هذه المجتمعات - وخاصة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة - باعتماد بعض من التعددية في الحياة الاجتماعية لصالح "الإسلام الضعيف الآن"، والذي سبق له منذ مطلعه وإبان عنفوانه أن اعتمد التعددية لصالح غير المسلمين. بعبارة أخرى.. فإن هذه المطالب تعني رفض الذوبان والانصهار من جانب فئات الأقلية التي مازالت تقاوم؛ إذ لا ننكر أن فئات أخرى ذابت بطريقة أو بأخرى ولم يعد لها من الإسلام إلا الاسم.

إن مطالب هذه الفئات الداعية بذاتيتها وما تتعرض له من مخاطر تزيد من شائكية وضع هذه الأقليات الآن في ظل ما يسمى أزمة الإسلام في أوروبا وفي الغرب بصفة عامة، وخاصة في الولايات المتحدة، وذلك في ظل التحولات العالمية والإقليمية التي تجتاح العالم، وعلى الساحة الأوروبية والأمريكية نفسها.

ومن ناحية.. نجد أن نمو الوجود الإسلامي في أوروبا -ومع رفضه الذوبان أضحى بمثابة تحدٍّ حضاري في عقر دارها يهدد المظهر المسيحي لأوروبا العلمانية، ويزداد هذا الشعور تبلورًا لدى الأوروبيين في ظل تداعيات انهيار النظام الشيوعي وتداعي الحضارة الغربية وانتقال أعمال العنف إلى قلب أوروبا والولايات المتحدة. وهي الأعمال التي تلقي مسئولياتها على انصهار الحركات الإسلامية النشيطة في الدولة الإسلامية والمقيمين في الغرب أو اللاجئين إليه فرارًا من حكوماتهم التي حظرت أنشطتهم وقمعتهم. ويؤدي الربط بين أعمال العنف هذه والإسلام إلى تدهور صورة الإسلام والمسلمين في الدول الغربية، وخاصة بعد ترويج مقولة أن عدو الغرب اللدود قد تحوَّل من الشيوعية إلى الإسلام، وبعد إلقاء مسئولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية أيضًا على هذه الأقليات المسلمة، وبعد تفشِّي الاتجاهات العنصرية اليمينية المتطرفة في المجتمعات الأوروبية.

ومن ناحية أخرى، ومع استمرار رفض الذوبان الثقافي والاجتماعي.. برزت اتجاهات مسلمة لقبول اندماج الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية، ولكن في ظل تعددية حقيقية في الحياة الاجتماعية يقبل بها الغربيون عن قناعة، وليس تحت ضغط. ومن هنا تبلورت الدعوة بين صفوف الأقليات؛ لتحسين مكانة المسلم في أوروبا ثقافيًّا وعلميًّا ومهنيًّا، حتى تتبدَّل صورته السلبية لدى الغرب، ويتحول من كونه المسلم الضعيف إلى المسلم القوي المبدع. كما أكَّدت الدعوة أيضًا على ألا يكون مسلمو أوروبا امتدادًا لكيانات خارجية، وأن يكونوا مستقلين عن أية دولة أخرى؛ وذلك ليستطيعوا اتخاذ جذور محلية في الدول المضيفة لهم، والذين يريدون التمتع بحقوق المواطنة الكاملة فيها. بعبارة أخرى.. برزت الاتجاهات التي تنبه على ألا يظل التركيز على ما يفعله الغرب بمسلمين فقط، ولكن أن يمتدّ إلى ما يجب أن يفعله هؤلاء المسلمون لأنفسهم أولاً حتى يمكنهم أن يحصلوا من الآخر على ما يريدون.

وهنا نصل إلى السؤال عن أنماط المساعدة التي تحتاجها الأقليات، وليست له إجابة واحدة. فتعدد الإجابات لعدة اعتبارات بتعدد أنماط الأقليات، ومن ثم تعدد واختلاف أولويات المساعدة المطلوبة، كذلك بتعدد التنظيمات المحلية في الدول التي تعيش فيها الأقليات والتي ترعى شؤونها، وبتعدد التنظيمات التي تكونها الحكومات الإسلامية أو الجماعات الأهلية في الدول الإسلامية من أجل مساعدة الأقليات المسلمة. وإذ أن هذه المساعدة يمكن أن تثير إشكالية التدخل في الشئون الداخلية للدول التي تعيش فيها الأقليات، ومن ثم فإن المساعدات المتجهة إلى الأقليات في النظم الليبرالية تصبح أكثر سهولة من تلك المتجهة إلى النظم الشمولية، بعبارة أخرى.. هناك الكثير من الاعتبارات السياسية -وليس الفنية أو المالية فقط- التي يمكن أن تؤثِّر على مسار واتجاهات هذه المساعدات وعلى نتائجها، ولذا نجد أن أكثر التنظيمات عبر الإقليمية الإسلامية وهي منظمة المؤتمر الإسلامي لم تول قضية الأقليات قدر الاهتمام الذي تتطلّبه هذه القضية من مثل هذه المنظمة. وتتفاعل العديد من الاعتبارات وراء محدودية فعالية المنظمة في التعامل مع هذه القضية(8) ، وعلى رأس هذه الاعتبارات ما وصل إليه حال الدول الإسلامية ذاتها، وما وصل إليه وضعها في النظام الدولي المعاصر. ومن ثم تصبح ضرورات مساعدة الأقليات المسلمة، واكتسابها جزئية من قضية أكبر من قضية الأمة الإسلامية برمتها في صورة دول كانت أو أقليات.

 


(8) انظر تحليل للعلاقة بين المنظمة وهذه القضية في د. محمد السيد سليم : فاعلية منظمة المؤتمر الإسلامي، السياسية الدولية، يناير 1993 ص31-ص32.


                    

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع