بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   

الفقه السياسي للأقليات المسلمة..

أ.د. نادية محمود مصطفى

2- أبعاد الظاهرة.. تقدير حجمها ومشاكلها ومغزى وجودها

         ما حجم هذه الظاهرة أي نسبة الأقليات المسلمة إلى إجمالي عدد المسلمين في العالم وكيف يتم تقديرها؟ وما هي صعوباتها؟ وهل هناك سمات لتوزيعها الجغرافي؟ وما مغزى هذا النمط من التوزيع؟.

1- حجم الظاهرة ومشاكل تقديرها: إن معرفة عدد الأقليات المسلمة في أرجاء العالم المختلفة هو أمر بالغ الأهمية، لأنه مؤشر على تطوّر أعداد المسلمين زيادة أو نقصًا، ولكن في نفس الوقت أمر بالغ الصعوبة، وليس أدل على هذه الصعوبة من التباين بين المصادر المختلفة التي تقدّم تقديراتها لهذه الأعداد، ولنلقي النظر أولاً على بعض الأرقام، ثم نتطرَّق إلى تفسير هذه الصعوبة.

أ) وفقًا لأرقام 1985 ونقلاً عن أحد المصادر(2).. يقدَّر عدد المسلمين في العام 1066.3 مليون نسمة، منهم 371,3 مليون نسمة مسلم في وضع الأقلية من إجمالي المسلمين؛ أي 35%، ووفقًا لأرقام 1990 ونقلاً عن مصدر آخر(3).. فإن هذه النسبة ترتفع إلى 45% من إجمالي عدد المسلمين في العالم الذي قدر بـ1180 مليون مسلم. وبالنظر إلى توزيع الأقليات على القارات –وفقًا لأرقام 1985- فنجد أن آسيا تحوي أكبر عدد من الأقليات (282 مليون) تليها إفريقيا (70 مليون)، ثم أوروبا (15 مليون)، فالأمريكتان (4 مليون)، وأخيرًا أستراليا (0.3 مليون). بالنظر أيضًا إلى توزيع الأقليات على الدول غير المسلمة في كل قارة وفقًا لأرقام 1985 أيضًا نلحظ أن آسيا تشهد أكثر من غيرها ظاهرة الأقليات كبيرة الوزن. وتأتي الهند في المقدمة (100 مليون)، والصين (95 مليون)، والاتحاد السوفيتي السابق (69 مليون)، أما الأقليات الأخرى فهي أقل، وفي سيريلانكا (1.2 مليون)، وتايلاند (6.1 مليون)، وبورما (2.7 مليون)، والفلبين (5.7 مليون)، ودول أخرى آسيوية (2.4 مليون)، وتجدر الإشارة إلى أن الأقليات الكبرى في الدول الثلاث الأولى تفوق أعداد كل منها عدد السكان في العديد من الدول الإسلامية كل على حدة (باستثناء إندونيسيا) أو بالجمع بين بعضها. أما القارة الإفريقية.. فإنها لا تعرف الأقليات المسلمة كبيرة الوزن، ولكن يثير تقدير أعداد الأقليات المسلمة في إفريقيا مشاكل هامة؛ نظرًا لاختلاف المصادر حول تحديد الدول الإسلامية من عدمها (كما سنرى لاحقًا). ومن أبرز هذه الاختلافات على سبيل المثال ما يتَّصل بإثيوبيا: هل تضم أكثر من 50% من سكانها من المسلمين فتصبح دولة إسلامية (بالمعيار العددي) أم أقل من هذه النسبة فتصبح ذات أقلية مسلمة كبيرة العدد؟، ومن ناحية أخرى.. تجدر ملاحظة أن نسبة المسلمين تزيد في شرق إفريقيا بصفة خاصة نظرًا لقربها من شبه الجزيرة العربية، ولقدم الهجرات الإسلامية إليها. أما الأقليات في أوروبا وفي الأمريكتين فهي بصفة عامة أقل عددًا وأكثر تبعثرًا أو عدم تركز في مناطق محددة. 

ب- إذا كانت الأرقام السابقة قد نقلناها عن أحد التقديرات فإن هذا لا ينفي تباين تقديرات المصادر المختلفة ليس فقط حول أعداد الأقليات، ولكن حول إجمالي عدد المسلمين في العالم، فمن الملاحظ على ضوء المقارنة بين بعض المصادر اتجاه الإحصاءات الغربية إلى إظهار تناقص عدد المسلمين في الدول الإسلامية وكأقليات، على الرغم من أن كل المؤشرات تدل على عكس ذلك، مما يعني أن هناك مشاكل في إحصاء وتقدير المسلمين في العالم(4)، ومن ثم.. فإن التقدير السليم لأعداد الأقليات وتحديد خريطة توزيعها يحتاج مزيدًا من العمل الإحصائي في الديمغرافية البشرية وتوزيعها بين الأديان. وهذه الحاجة ليست لازمة لإعداد تقديرات سليمة فقط، ولكن متواترة أيضًا لتدوين البيانات الحديثة اللازمة؛ إذ تضطر الدراسات المهتمة بهذه القضية إلى الاستعانة ببيانات غير حديثة بالمقارنة بتاريخ إعداد هذه الدراسات، ويمكن إرجاع مشاكل وصعوبات التقديرات إلى اعتبار أساسي، وهو صعوبة تحديد الدول الإسلامية باستخدام عدة معايير إجرائية لهذا التحديد، ناهيك عن صعوبات تحديد الأقليات ذاتها. وترجع هذه الصعوبة المزدوجة التي تؤدِّي إلى عدم الدقة في التقديرات إلى مشاكل ممنوعة فنية وسياسية تواجه وتعترض تطبيق المعيار العددي، فيفترض هذا المعيار توافر إحصاءات دقيقة عن التوزيع الديني للسكان في مختلف دول العالم يتطلب إجراء تعدادات سكانية دقيقة تتضمن بصفة خاصة سؤالاً محددًا عن الانتماء الديني للفرد، وأن تكون الإجابة عن السؤال إلزامية، وأن تقوم الدولة بإعلان التوزيع الديني للسكان وفقًا لهذه الإحصاءات، وفي كثير من الأحيان لا تتوافر مثل هذه الإحصاءات نظرًا لصعوبات فنية مادية تحول دون إجراء الإحصاءات في حد ذاتها، أو نظرًا لاعتبارات سياسية تمنع السلطات من الإعلان عن حقيقة التوزيع الديني، ومن أهم هذه الاعتبارات: التوازنات السياسية بين الطوائف، والمشكلات العرقية، وعدم وجود سؤال عن الانتماء الديني أو الخوف من الإجابة عليه نتيجة للظروف السياسية في المجتمع المحيط. ولذلك كله يصعب التوصُّل إلى إحصاءات دقيقة عن توزيع المسلمين في الدول المختلفة؛ سواء في ظل دول أو كأقليات. وإذا كانت حالات الكثير من الدول الإسلامية واضحة ولا اختلاف عليها، وإن هناك حالات أخرى أثارت التساؤلات، ناهيك عن الأقليات في حد ذاتها. فعلى سبيل المثال.. أصدرت الولايات المتحدة قانونًا 1976 يحظر إجبار أي شخص على الإفصاح عن انتمائه الديني، ولذا فإن التعداد السكاني الأمريكي لا يتضمن إلا "تقديرات" عن التوزيع الديني بناءً على ما تقدّمه التنظيمات الدينية الأمريكية من معلومات. كذلك في حالات أخرى لا تتضمّن إحصاءات السكان في "الدول الشيوعية السابقة" سؤالاً عن الديانة أولاً تلتزم بالإجابة عليه في حالة وجوده، مما يضطر الباحثين إلى اللجوء إلى معايير أخرى، مثل تقدير أعداد الأقليات الإسلامية في هذه الدول من خلال أعداد القوميات التي ينتمون إليها في الأصل. ولهذا تفاوتت المصادر بشدة من حيث تقدير أعداد مسلمي الاتحاد السوفيتي السابق والصين ويوغسلافيا السابقة. ومن ناحية أخرى.. تختلف المصادر على ما إذا كانت نسبة المسلمين في دول مثل إثيوبيا وسيراليون وغينيا وبيساو وبوركينا فاسو تصل إلى 50% فتصبح دولاً إسلامية، أو أقل من هذا فتصبح دولاً ذات أقليات مسلمة كبيرة. 

        كذلك كانت ألبانيا -وفقًا للمعيار العددي- دولة إسلامية، ولكن.. نظرًا لطبيعة نظامها (قبل سقوط الشيوعية في شرق أوروبا).. كانت بعض المصادر تعتبرها دولة غير إسلامية ويدخل مسلموها في عداد الأقليات، كذلك تعتبر بعض المصادر بعض الدول الإفريقية الصغرى، مثل أوغندا والجابون نظرًا لعضويتها في منظمة المؤتمر الإسلامي دولاً إسلامية، في حين أنها وفقًا للمعيار العددي لا تعتبر دولاً إسلامية في نظر مصادر أخرى، ومن ثم يدخل مسلموها في عداد الأقليات …وهكذا. 

2- مغزى الانتشار الجغرافي للأقليات يتضح لنا من الملاحظات البسيطة السابقة عن التوزيع الجغرافي لها أنها في كافة أرجاء العالم ولو بدرجات مختلفة من الكثافة. 

       وهذا يعني أن الإسلام دين عالمي كوكبي قد انتشر في كافة الأرجاء بأدوات مختلفة في حلقات تاريخية مستمرة، تطور خلالها وزن الدولة (الدول) الإسلامية في ميزان القوى العالمي، كما تطوَّرت أوضاع المسلمين قوة أو ضعفًا، ولكن استمرت عملية الانتشار للإسلام حتى ولو تراجعت سلطة حكمه عن بعض المناطق أو ضعفت في مناطق أخرى. ولذا خلَّفت وراءها هذه التطورات -عبر 14 قرنًا- أوضاعًا متباينة لوجود المسلمين كدول أو كأقليات. ولذا يمكن لنا -كما نرى- التمييز بين عدة أنماط من الأقليات، وعلى النحو الذي سيوضِّح لنا اتجاهات تراجع سلطة حكم الإسلام مخلفة وراءها أقليات، واتجاهات للانتشار الذاتي للإسلام مخلفة أمامها تواجدًا مسلمًا في مناطق لم تفتحها جيوش الإسلام. واتجاهات للمقاومة والذود عن الذات محافظة على وجود قاوم الذوبان والانصهار في محيط غير إسلامي. 

       بعبارة أخرى.. فإن انتشار الأقليات في كافة أرجاء العالم يترجم ظاهرتين أساسيتين؛ تراجع سلطة حكم الإسلام عن مناطق واسعة، ولكن في نفس الوقت.. ظل وما زال يكسب كدين أرضًا جديدة في كل مكان. فإذا كانت أوروبا وآسيا وأفريقيا قد شهدت –ولو بدرجات مختلفة وفي فترات زمنية مختلفة- تراجع سلطة حكم الإسلام عن أرجاء منها.. فإنها جميعًا شهدت وتشهد نموًا مطردًا وأكيدًا في انتشار الإسلام بين شعوب هذه المناطق غير المسلمة. وهنا يجدر التنويه إلى أنه إذا كانت عمليات إحصاء ومن ثم تقدير أعداد الأقليات تواجه صعوبات عدة –كما رأينا- تحول دون التعرّف على حقيقتها فإن هناك حاجة ماسة لأساليب تقدير تميِّز بين الزيادة في عدد المسلمين –وخاصة عدد الأقليات- الناجمة عن النمو الطبيعي للمسلمين، وتلك الناجمة عن الاعتناق الجديد للإسلام، وتلك الناجمة عن الهجرات.


(2]) د. محمد محمود محمدين، دراسة إحصائية عن الأقليات الإسلامية في العالم، في ندوات شباب العالم الإسلامي: الأقليات المسلمة، الرياض، 1986، المجلد الأول ص403410.

([3]) محمد علي ضناوي- الأقليات المسلمة في العالم، بيروت: مؤسسة الديان، 1992، ص3.

([4]) راجع تفاصيل معايير تحديد الدول الإسلامية وصعوبات كل منا في د. محمد السيد سليم: العلاقات بين الدول الإسلامية- جامعة الملك سعود، الرياض 1992. ص1-15.


                    

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع