|
1-
تقديم:
من المصطلحات
الشائعة لوصف الإطار الجامع للمسلمين
مصطلح العالم الإسلامي، وكما يدفع
للمقارنة بمفهوم الأمة الإسلامية فهو يثير
أيضًا التساؤل عن أبعاد دراسة مستوياتها.
وتنقسم هذه الدراسة بين مستويين أساسيين؛
مستوى دراسة الدول الإسلامية، ومستوى
دراسة الأقليات
المسلمة (أي المسلمين الذين
يعيشون في ظل دول ومجتمعات غير مسلمة).
وبقدر ما تثير عملية "تحديد" الدول
الإسلامية المعاصرة إشكاليات هامة منهاجية
على ضوء الأوضاع الراهنة لهذه الدول
بالمقارنة بالتعريف للدول الإسلامية بقدر
ما تثير أيضًا دراسة الأقليات
المسلمة إشكاليات أخرى
مرتبطة.
ومن
واقع تحديد هذه الإشكاليات ومناقشتها..
يتبيَّن أهمية بل وضرورة صياغة إطار عام
مقارن لتحليل أوضاع هذه الأقليات. وهو
الإطار الذي تفتقده جُلُّ الدراسات التي
تنشغل بتفاصيل أوضاع الأقليات
المختلفة. حقيقة يهمنا أن
نتعرف على أوضاع الأقلية المسلمة في
تركستان الشرقية (غرب الصين) أو في شرق
آسيا، أو في فرنسا …
الخ، ولكن لا يكفي مجرد السرد التفصيلي
لوقائع هذه الأوضاع، ولكن يجب أيضًا فهم
أبعاد الإطار العام الذي تنبثق عنه قضية
الأقليات
المسلمة، نعم.. هي قضية هامة
من القضايا التي مثَّلت وتمثِّل في صور
متجددة تحديات للإسلام والمسلمين، وهي
تكتسب الآن أبعادًا هامة في ظل التطورات
العالمية والإقليمية المتلاحقة عبر العقد
الأخير من القرن العشرين. وتهدف الدراسة
إلى تقديم تصور مقترح بهذا الإطار(1).
إذًا..
كيف نتصوَّر أبعاد هذا الإطار العامّ
المقارن لدراسة قضية الأقليات؟
في
البداية.. يجدر التوقُّف عند بعض الملاحظات
المنهجية التي تمهَّد لتحديد هذه الأبعاد،
والتي تبيِّن دوافع الاهتمام بهذه القضية،
وغايات هذا الاهتمام وضوابطه. وتتلخَّص هذه
الملاحظات في المجموعات التالية:
أولاً:
يثير استخدام مصطلح الأقليات
بصفة عامة تحفُّظات عدة من
منظور إسلامي، فهو لم يظهر في التراث
الفقهي أو التاريخي الإسلامي؛ سواء
للدلالة على غير المسلمين تجاه أكثرية
مسلمة أم العكس. وكان المصطلح المستخدم هو
الملل والنحل. وإذا كان مصطلح الأقلية يعكس
معاني ومضامين الدولة أو القهر فإن هذا ما
لا تحمله أو توحي به المصطلحات الإسلامية
المناظرة. ومع ذلك فإن الشائع استخدامه هو
مصطلح الأقليات.
ومن
ناحية أخرى.. فإن القضية موضع الاهتمام في
هذه الدراسة ذات أبعاد شرعية عديدة. وإن
كانت هذه الأبعاد ليست ما ستتوقف عنده
الدراسة، إلا أنها لا تغفلها ولا تنكر
أهميتها. ولذا فنحن يجب أن نعي قدر ما ثار
وما يثور من جدل حول العلاقة بين النصوص
الشرعية وبين التراث الفقهي والخبرات
التاريخية السابقة وبين الأوضاع المعاصرة
والراهنة للأقليات، فهي الأوضاع التي
تحتاج لاجتهادات حديثة تتوق إليها الأقليات المسلمة ذاتها،
كما تحتاجها الدول الإسلامية عند توجههم
نحو هذه الأقليات. ومن أهم مجالات هذه
الاجتهادات: نطاق الحلال والحرام في
المعاملات المالية والاجتماعية والأحوال
الشخصية لمسلمي الأقليات
والجاليات، والرخص المقبولة
شرعًا للمسلم المغترب.. وغيرها.
وبالرغم
من الخصوصية في دراسة هذه الأبعاد الشرعية..
إلا أنها لا تنفصل عن الأبعاد السياسية
والاجتماعية والاقتصادية التي تكوُّن
الظروف الموضوعية التي يعايشها مسلمو
الأقليات،
والتي تؤثر على أسس وقواعد
الشخصية المسلمة وذاتيتها.
ثانيًا:
تنتمي الأقليات
المسلمة في أرجاء العالم إلى
شعوب وقوميات مختلفة، ولكن معيار الانتماء
الديني هو الذي تنطلق منه الدراسات المختصة
بها، باعتبار أن الأقليات
الدينية هي أحد أنماط تصنيف
الأقليات
بصفة عامة. هذا وإن كان
انتشار التوزيع الجغرافي للأقليات المسلمة
يعني وبكل الوضوح تنوُّع ظروف نشأتها،
واختلاف أوضاعها فإنه لا بد وأن يكون بينها
قدر مشترك بحكم اشتراكها في رابطة أعلى
وأسمى من رابطة القومية أو المكان، ألا وهي
الرابطة الإسلامية.
ومن
هنا يبرز لنا مفصل معضلة أساسية من معضلات
دراسة الأقليات، ولكن في إطار عام مقارن،
ألا وهي معضلة التنوع والوحدة في نفس الوقت
من حيث المشاكل والتحديات والتهديدات
وكذلك الفرص والإمكانات. ومن ثم فإن
الأسئلة الأساسية التي تنطلق منها الدراسة
تنقسم إلى مجموعتين، من ناحية.. ما حجم هذه
القضية في كلياتها وما مغزاها وما أهمية
دراستها؟ ما هي أسباب وجود هذا
الأقليات؟
وما هي المشاكل والتحديات
التي تواجهها؟ ومن ناحية أخرى.. هل يمكن
التمييز بين أنماط للأقليات؟ وما هي معايير
هذا التمييز؟ وما هو قدر الاختلاف بين هذه
الأنماط؟ وما هو القدر المشترك؟.
ثالثًا:
إن الاهتمام بدراسة قضية
الأقليات
في إطار عام يكتشف الأنماط
والعوامل المؤثرة هو اهتمام تختلف دوافعه
ومقترحاته باختلاف المفاهيم والمنظور
والأطراف مصدر الاهتمام؛ منظورًا إسلاميًا
كان أم منظورًا غربيًا.
فمن
منظور إسلامي.. يجب أن يحرك الاهتمام بقضية
الأقليات
على ثلاثة دوافع أساسية؛
أحدها يركِّز على التهديدات، والثاني
يركِّز على الفرص والإمكانات، والثالث
يركِّز على الدروس والعبر. والدافع الأول
ينطلق من مقتضيات مبدأ النصرة؛ أي المساعدة
في مواجهة المشاكل والتهديدات التي
تواجهها هذه الأقليات
من الإطار غير المسلم المحيط.
أما الدافع الثاني فينطلق من الإيمان بأن
المساعدة في الحفاظ على شخصية المسلم -في
محيط غير مسلم-، والحفاظ على قدرته على
البقاء بل والنماء ليست غاية فقط في حد
ذاتها بقدر ما يمكن أيضًا أن تكون وسيلة
وفرصة لاختراق هذا المحيط بالدعوة إلى الله
وإلى الإسلام. بعبارة أخرى.. يمكن أن تصبح
هذه الأقليات
-إذا توافرت لها الظروف- مصدر دعوة وأداة من
أدواتها، ومن هنا يبرز الوجه الآخر لضرورة
مساندتها. أما الدافع الثالث فهو التعرّف
على ما يلمّ بمعالم الشخصية المسلمة
المتأثرة بتحديات الوسط المحيط، ودرجة
مقاومتها لهذه التأثيرات، ودرجة التطور
الذي يطرأ عليها، ومدى تماسكها وتمسكها حين
تغير الظروف فتخفي أو تنتهي التحديات التي
سبق وفرضت هذا الإطار الشكلي. بعبارة أخرى..
نريد أن نتبين إلى أي درجة تتجه شرائح واسعة
من هذه الأقليات
التي تتعرّض لضغوط مضادّة
شديدة إلى استمرار الاحتماء بالإسلام ولو
كهُوية طالما تستحيل صور الانتماء
الإسلامي الأخرى. فكلما زادت الهجمة وزاد
الخطر وبعد الاعتقاد بقرب ذوبان الهوية
والدين تنقلب الآية وتفصح أوضاع كامنة عن
نفسها لتظهر مدى قدرة الإسلام على
الاستمرار -ليس فقط كمكوِّن ثقافي أو دعامة
للهوية، ولكن كمؤثر على النظام الفكري
القيمي والنظام السياسي المجتمعي. أما من
منظور غربي.. فإن الدراسات الغربية اهتمت
بدراسة الأقليات
المسلمة لاعتبارات متنوعة
بطبيعة المناطق موضع الاهتمام، فقد اختلفت
دوافع دراسة الأقليات
المسلمة في الاتحاد السوفيتي السابق عن
دوافع دراسة الأقليات
المسلمة في غرب أوروبا أو
الولايات المتحدة، فإذا كانت الأولى تبحث
عن عوامل ومظاهر عدم الانصهار (وكذلك
بالنسبة للقوميات المختلفة في إطار
الاتحاد السوفيتي السابق)، ومن ثم الآثار
المحتملة على تفكك الاتحاد السوفيتي.. فإن
الثانية اهتمت بعواقب عدم الاندماج لعلاج
ما يسمى بأزمة الإسلام في عقر دار الغرب.
بعبارة أخرى.. الدراسات الغربية الأكاديمية
تخدم عملية البحث في آليات الاندماج أو
الاستيعاب والانصهار من عدمه. وبقدر ما
تعدّ هذه الدراسات تعبيرًا عن الاهتمام
بآثار اختلاف الثقافة والدين على
المجتمعات الغربية بقدر ما تعدّ من ناحية
أخرى تعبيرًا عن الاهتمام بكيفية توظيف هذه
الأقليات
لخدمة أهداف ومصالح
الإستراتيجية الغربية تجاه الدول التي
تعيش فيها هذه الأقليات.
وفي
ظل التطورات العالمية والإقليمية خلال
عقدي الثمانينيات والتسعينيات.. تطوّرت
اتجاهات ودوافع الدراسات العربية في هذا
المجال بأكثر مما تطوَّرت عليه الدراسات
الإسلامية المناظرة، فتلك الأخيرة تظل
أسيرة المقتربات التقليدية في دراسة أوضاع
الأقليات، والتي تركّز على تفاصيل الوقائع
دون التركيز على التحليل والتفسير بأساليب
منهاجية حديثة، والتي تموج بمشاعر الغضب
والاتهام والتأسِّي بأكثر مما تتضمَّن من
مقترحات للحلول بعد تقييم ما تمّ من جهود
إسلامية في هذا المضمار حتى الآن.
رابعًا:
تزداد أهمية الملاحظات الثلاث السابقة
وضوحًا على ضوء مضمون ما يلي:
إن طبيعة
التطورات العالمية والإقليمية خلال العقد
الأخير من القرن العشرين تعطي دفعة إضافية
للاهتمام، ولكن بطريقة متطورة بقضية
الأقليات
بصفة عامة
و
الأقليات المسلمة بصفة خاصة، نظرًا
للأبعاد المتجددة التي اكتسبتها مشاكل هذه
الأقليات في ظل هذه التطورات المتلاحقة.
وهذا دائمًا شأن المراحل الانتقالية في
تطور النظم العالمية، وهو شأن المرحلة
الراهنة التي يمرّ بها النظام الدولي
المعاصر.
فإذا
كانت قضايا وجود المسلمين كأقليات في بعض
المناطق قد نشأت كما نرى من ثنايا تطوّر
علاقات القوى التاريخية بين الدول
الإسلامية وغيرها.. فإن هذه القضايا تمر -من
حيث الوزن والطبيعة- بتحولات نوعية هامة في
ظل المرحلة الراهنة من تطور العلاقة بين
الإسلام والآخر والتي تقع في صميم التطورات
العالمية الراهنة. والأمثلة على تلك
التحولات عديدة، وسنتطرّق إليها في
موضوعاتها فيما يلي، ويكفي التذكرة هنا على
سبيل المثال بالتغيير الذي أصاب وضع مسلمي
جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق،
والتحديات المتجدّدة التي يواجهها مسلمو
أوروبا الغربية في ظل جملة أمور هي:
انعكاسات الصحوة الإسلامية في أرجاء
العالم الإسلامي، وفي ظل التطورات
المجتمعية الهائلة التي تفرض تحدياتها ليس
على مسلمي
الأقليات
في
الدول الغربية فقط؛ إذ ظهرت أبعاد صحوة
مسيحية أيضًا، ولكن على مسلمي "الدول
المسلمة أيضًا"، حيث تتصادم بعمق
التيارات الإسلامية والتيارات العلمانية
حول مستقبل توجّه هذه الدول في القرن
الحادي والعشرين، وأخيرًا في ظل ثورة
الاتصالات الهائلة ومردوداتها بالنسبة
لإمكانية التعرّف بعمق على مشاكل
الأقليات،
مما
يزيد الوعي بتفاصيلها والشعور بدرجة
حدتها، وخاصة في ظل الموجة العارمة من
الحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية،
وحماية
الأقليات
في
إطار نظم ديمقراطية، وفي إطار ضمانات
دولية لحقوق تقرير
المصير.
(1)
تعد هذه
الدراسة ثمرة ونتاج العملية التدريسية
لمساق العالم الإسلامي في جامعة
الإمارات، وذلك عبر 5 فصول دراسية.
|