|
ا.د.إبراهيم
نصر الدين
أستاذ ورئيس قسم-معهد الدراسات
الأفريقية-جامعة القاهرة
مقدمة
(رؤية نقدية):
تعدَّدت وتنوَّعت الدراسات التي
تناولت علاقات إسرائيل بإفريقيا، وراح كل
منها يركِّز على جانب أو أكثر من أوجه هذه
العلاقات، فمنها ما انصبّ اهتمامه على
تتبُّع مسار العلاقات الإسرائيلية–
الإفريقية منذ نشأة الكيان الصهيوني، وذلك
عبر مراحل تاريخية ترتبط في بدايتها
ونهايتها بإحدى الحروب العربية
الإسرائيلية الأربعة([i])،
ومنها ما حاول من جانب آخر التركيز على
دراسة السياسة الخارجية الإسرائيلية في
إفريقيا: أهدافها، وإرداتها، وأساليبها
باعتبار أن إسرائيل فاعل، وإفريقيا مفعول
به (التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا، التسلل
الإسرائيلي في إفريقيا)([ii])
والبعض الثالث من هذه الدراسات انصرف
اهتمامه إلى دراسة ما يمكن تسميته بالتكالب
الإسرائيلي- العربي على إفريقيا سعيًا من
جانب كل طرف لتحقيق أهداف له في إفريقيا في
إطار الصراع الإسرائيلي- العربي لتنتهي هذه
الدراسات إلى تقييم نجاح وفشل كل جانب في
تحقيق أهدافه([iii])،
أما البعض الأخير من هذه الدراسات فإنه سعى
للكشف عن طبيعة الكيان الصهيوني العنصري
الاستعماري، وذلك باعتباره أحد روافد
الحضارة الغربية من جهة، وباعتباره فصيلاً
أفرزته الظاهرة الاستعمارية الغربية من
جهة أخرى، وذلك في محاول للكشف عن طبيعة
علاقة ذلك الكيان بالغرب، هل هي علاقة
تبعية بالإمبريالية العالمية؟ أم هي علاقة
مشاركة بين ندَّيْن لكل منهما مصالحه التي
يسعى لتحقيقها في إفريقيا؟ أم أن الكيان
الصهيوني بات يتصرَّف باستقلالية نسبية
لتحقيق مصالحه في إفريقيا، وبالتالي فإن
هذه المصالح قد تصطدم مع المصالح الغربية
في مرحلة معيَّنة؟ أم أنه قد أصبح لهذا
الكيان قدرة ولو جزئية على تحريك المخطَّط
الإمبريالي العالمي بزعامة الولايات
المتحدة الأمريكية لتحقيق مصالحه بأقل قدر
من التكاليف([iv])؟
وسط
هذا الكم الكبير والمتنوِّع من الدراسات
الأجنبية والعربية حول الموضوع، والتي
يقدِّرها الباحث، فإن الكتابة في نفس
الموضوع في هذه العجالة تُعدّ نوعًا من
المغامرة، اللهم إلا إذا اكتفى الباحث بنقل
بعض الأفكار المتناثرة هنا وهناك، وفي ذلك
نوع من المقامرة غير المقبولة علميًا، على
أن القراءة المتأنية من جانب الباحث لمعظم
ما كُتب تكشف عن عدّة ملاحظات في الدراسات
السابقة ولا نقول أوجه قصور، نذكر منها:
أولاً:
أن الدراسات التي تناولت تطور العلاقات
الإسرائيلية- الإفريقية عبر مراحل زمنية قد
نظر بعضها إلى كل مرحلة وكأنها منفصلة عن
غيرها، وأن كل مرحلة أفرزت أهدافًا جديدة
للكيان الصهيوني، وأساليب جديدة تعيَّن
الأخذ بها لمواجهة ظروف كل مرحلة وهو أمر
يصعب التسليم به، ذلك أن رسم السياسة
الخارجية -أهدافًا وأدوات- إنما يتمّ
ارتكانًا إلى بعض المحدّدات أغلبها يتّسم
بالثبات النسبي، وبعضها يتّسم بالتغيّر.
ثانيًا:
أن الدراسات التي اتخذت لها مرتكز السياسة
الخارجية الإسرائيلية في إفريقيا قد
اجتزأت لهذه السياسة أهدافًا تتعلق
بإفريقيا فحسب، دون أن تضعها في سياق
الأهداف العامة للكيان الصهيوني، بل أكثر
من ذلك فهي حين حدّدت أهداف هذه السياسة فقد
شابهها كثير من الخلط بين الأهداف
الإستراتيجية والأهداف التكتيكية، وتناست
أن هناك اتفاقًا مستقرًا الآن بين علماء
السياسة الدولية والعلاقات الدولية، على
أن هناك هدفين أساسيين (إستراتيجيين)
للدولة -أيِّ دولة-، يتمثّلان في الأمن
والتنمية بمفهومهما الشامل، فضلاً عن هدف
ثالث يتعلَّق بالدول الكبرى وهو هدف
الهيمنة أو إقامة مناطق النفوذ، وأية أهداف
أخرى غير ذلك تُعد أهدافًا فرعية مرحلية
لتحقيق الهدفين الأساسيين، بل إنه وحتى في
حالة الكيان الصهيوني- وبحسب كونه ظاهرة
متفردة في التاريخ الحديث؛ حيث يقوم غرباء
باقتلاع شعب كامل من أرضه- فقد كان يتعيَّن
البحث عما إذا كان يمكن لهذه الظاهرة
الصهيونية غير الطبيعية أن تكون لها نفس
الأهداف المستقرة للدول أم كان ولا بد أن
تغرز أهدافًا متفردة غير طبيعية؟
ثالثًا:
وأما الدراسات التي اهتمّت بالصراع العربي-
الإسرائيلي في إفريقيا، فقد نظر بعضها
لإفريقيا باعتبارها مفعولاً به فقط وليس
فاعلاً، بل إن بعضها الآخر تجاهل وجود
فاعلين دوليين آخرين قد تتفق وقد تتعارض
مصالحهم مع مصالح أي من الطرفين في مرحلة
معيَّنة، ثم إن غالبيتها افترض وجود سياسة
عربية واحدة في مواجهة سياسة إسرائيلية
واحدة في إفريقيا، وهو أمر يجافي الواقع،
خاصة ونحن نرى أحيانًا أنّ تصارُع سياسات
الدول العربية في إفريقيا بعضها مع بعض قد
يكون أكثر حدة في بعض المواقف من تصارعها مع
السياسة الإسرائيلية في إفريقيا!
رابعًا:
وإذا كان هناك اتفاق على أن الظاهرة
الصهيونية هي ظاهرة غربية استعمارية
عنصرية، وهو ما يؤكد تلك الرابطة العضوية
بين الصهيونية والإمبريالية الغربية فإن
الصعوبة ما تزال قائمة في الكشف عن طبيعة
هذه الرابطة؛ هل هي علاقة تبعية؟ أم تعاون؟
أم استقلال نسبي؟ وذلك أمر يصعب التوصل
إليه دون محاولة التوصل إلى فهم لمخططات
الصهيونية، ورُؤى منظِّريها لطبيعة الكيان
الصهيوني وأهدافه المستقبلية، ورغم أن
باحث العلوم السياسية يتعيَّن عليه محاولة
فهم الواقع على نحو ما يجري وتحليله، إلا أن
قدرًا من الخيال "الموضوعي" يصبح
مطلوبًا لفهم كيف يفكر الطرف الآخر؟ وعلى
أيِّ أسس من المدركات والتصورات يتصرَّف؟
كما يستطيع رسم إستراتيجية للمواجهة؛ إذ لم
يكن أحد -غير اليهود- يحلم في بداية هذا
القرن بإقامة دولة إسرائيل بعد خمسين عامًا
من الإعلان عن الرغبة في إقامتها، كما لم
يكن أحد في العالم العربي يتوقع عقد معاهدة
صلح بين مصر وإسرائيل، وبنفس القدر لم يكن
أحد يتصور انهيار المعسكر الاشتراكي عن نحو
ما آل إليه، من هنا فإن قدرًا من الخيال "الموضوعي"
يصبح مطلوبًا، ويتعيَّن إدراجه في قائمة
الاحتمالات الممكنة عند رسم أي إستراتيجية
للمواجهة.
خامسًا:
وإزاء كل ما تقدَّم، ووسط ذلك الكم الكبير
والمتنوع من الدراسات السابقة التي نقدرها
حق قدرها فلأصحابها قصَب السبق في التتبع
والتحليل، فإن الباحث سيحاول أن يبحث عن
بعض الثوابت "النسبية" في المشروع
الإسرائيلي تجاه إفريقيا، متجاوزًا لا
متجاهلاً الدراسات السابقة ليركز على
محورين:
أولهما:
الأهداف الإستراتيجية
للكيان الصهيوني على المستوى النظري.
ثانيهما:
خصوصية التعامل
الإسرائيلي مع إفريقيا.
([i]) لمزيد
من التفصيل انظر:
-
د. عواطف عبد الرحمن، حلمي شعرواي:
إسرائيل وإفريقيا 1948 –
1985 (القاهرة: دار الفكر العربي، 1985).
-
د. محبات إمام الشرابي: الوجود
الإسرائيلي والعربي في إفريقيا –
دراسة اقتصادية سياسية، (القاهرة: دار
المعارف، 1982).
-
Lawrence P. Frank, “Israel and Africa: The Era of Tachlis” , Joyrnal
of Modern African Studies, vol 26, No. 1, 1988, pp. 151-155.
-
Elliott Skinner and Sulayman Sheih Nyang (ed.) “Diplmatic Relations
between the African States and Israel”, Seminar Papers on African
Studies, (Washington.C.: Howard University, 1974), pp. 137-155.
([ii]) د. عبد الملك عودة:
النشاط الإسرائيلي في إفريقيا، (القاهرة:
المطبعة العالمية، 1966).
وانظر:
محمد علي العويش: سياسة إسرائيل الخارجية
في إفريقيا، (القاهرة: المطبعة الفنية
الحديثة، 1972).
وانظر
أيضًا: حمد سليمان المشوخي: التغلغل
الاقتصادي الإسرائيلي في إفريقيا، (القاهرة:
دار الجامعات المصرية، 1972).
وانظر
كذلك:
-
Samuel Delcalo, “Israel and Africa: Aselecred Bibilography”, The
Journal of Modern African Studies, vol. 5&3, Nov. 1967), pp.
385-399.
([iii])
Fouad
Ajami and Martin H. Sours, “Israel and Sub-Saharan Africa: A Study”
(Dec. 1970), pp. 405-413.
وانظر
أيضًا:
-
Colin Legum, “Afro-Arab Relations in 1983: Slow Progress in Ending
Israel’s Diplomatic Isolation”, Africa Contemporary Record
(83-84) (London: Africana Publishing Company, 1985), pp. A 152-163.
-
Victor T. le Vine and Timothy W. Luke, “The Arab-African Connection:
Political and Economic Relations”, (Colorado: Westview Press, 1979).
وبخاصة الفصل الأول
والثاني من ص1، ص29.
وانظر:
-
Dunstin M. Wai, “African – Arab Relations :Interdependence or
Misplaced Optimism”, Journal of Modern African Studies, vol.
21, No.2, 1983, pp. 187-213.
([iv])
انظر
كلاً من:
-
د. عواطف عبد الرحمن وحلمي شعراوي: م س ذ،
ص ص 184 –
201.
-
د. مجدي حماد: إسرائيل وإفريقيا، دراسة في
إدارة الصراع الدولي، (القاهرة: دار
المستقبل العربي، 1986).
-
د. جورج جبور: الاستعمار الاستيطاني، (دمشق:
منشورات مكتب الدعاية والنشر والإعلام
في القيادة القومية، 19759، ص ص 61 –
66.
|