بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   
تقويم دور الدولة المركزية في العالم العربي:
من منتصف القرن التاسع عشر ( أو من الربع الأخير منه ) بدأت الدولة الحديثة في بلادنا، كان لها وجوه إيجابية عديدة انتفعنا بها ولا زلنا نستكملها، ومن هذه الوجوه الإيجابية : أننا استعضنا عن نظم الإدارة الشخصية بنظم البيروقراطية الحديثة، بالمواصفات التي عبر عنها ماكس فيبر، ومنها : تقسيم العمل الإداري والفصل بين أدوات العمل والعامل في هذا المجال، ومن هذه الوجوه - أيضًا - : أننا بدأنا نطبق فكرة أن العمل العام تتداوله عدة هيئات منفصل كل منها عن الآخر من الناحية التنظيمية، وكل منها يستكمل بعض جوانب هذا العمل حتى يتم، ومنها كذلك: الأساليب التنظيمية لاتخاذ القرار الجماعي، ومن ذلك : نظم المجالس؛ إذ يصدر العمل منسوبًا إلى المجلس كهيئة معنوية وليس لأعيان أفراده، ويصدر بأغلبية أعداد المشاركين في صنعه فينسب إلى الجميع لا إلى من وافق عليه فقط، ومن ذلك -أيضًا - : بلورة فهم مضمون " التمثيل " وإجراءاته الانتخابية وهكذا . وهذا مما أخذناه من نظم الغرب الحديثة، وهي من أنفع ما تفتفت عنه الحضارة الأوروبية المعاصرة.
إعادة التأسيس لشرعية جديدة:
ولكن مع كوننا في بناء الدولة المركزية الحديثة: قد استفدنا نماذج تنظيم وإجراءات، إلا أننا فقدنا صلة الدولة المركزية الحديثة بالفكرة المجردة، وصلتها بالمرجعية والأطر الشرعية الذائعة ذات القبول العام لدى الجماعة البشرية المحكومة، فقدنا العلاقة الرابطة بين الدولة والجماعة البشرية من حيث الفلسفة السائدة التي يتولد عنها الشعور بالانتماء للجماعة، والتقبل الفكري والوجداني للأسس الشرعية الموضوعية التي يقوم عليها نشاط الدولة، ومن هنا ظهرت الشرعية التي تدعو إليها الدولة الحديثة المركزية في بلادنا شرعية إجرائية في الأساس، تتعلق بوضع دساتير على نحو معين، وتقسيم السلطة إلى عدد من المؤسسات يشبه مؤسسات السلطة في الغرب، وإصدار القرارات بتمثيل جماعي.
تضمن كل ذلك بطبيعة الحال عددًا كبيرًا وهامًا من مبادئ الديمقراطية الحديثة من حيث حقوق الإنسان وضمان الحريات الشخصية والجماعية، ولكن كل ذلك جرى التعبير عنه منفصلاً عن الأطر المرجعية السائدة ذات التقبل الشعبي العام والمستمدة من فكرة الإسلام وفقهه، ولذلك فيمكن القول بأن الدولة المركزية من حصيلة ما أفضى إليه التطور الفكري الغربي ذو التقبل الشعبي العام من قيم ومبادئ وأصول أدمجت خلاصات إيجابيات الفكر الغربي عبر تاريخه الطويل من الطور الإغريقي الروماني إلى الطور المسيحي الكنسي إلى الطور الحديث، أقول : جرت العلمانية عندنا لا بهذا المضمون الذي عرفه التاريخ الفكري الغربي، ولكنها جرت بمحض كونه المفهوم العلماني يفيد القطعية مع الأصول الفكرية والتراثية السائدة، واستلهام خلاصات فكرية وافدة غربية في مرجعيتها شاردة عن التطور الفكري في بلادنا.
لذلك ينبغي النظر إلى العلمانية في توظفها في مجتمعاتنا لا على صورة ما يفضي إلى تطبيقها في الغرب بحسبانها خلاصة تاريخية هناك، ولكن ينظر إليها على أنها توظف في مجتمعنا بما يفيد القطعية مع تاريخه وناسه وأطره المرجعية، وهي لا تفيد في مجتمعنا إلا إضفاء شرعية إجرائية، أما المضمون الفكري فهو يتعلق بأطر مرجعية لا تنغرس إلا في نخب محدودة، نخب تلقت تعليمها في مدارس حديثة أنشئت على غير اتصال عضوي بالفكر السائد، وهي من تولى إنشاء الدولة المركزية الحديثة، وهي أيضًا من قاد حكومات التحرر الوطني ذات الطابع العلماني في أواسط القرن العشرين، ونقلت الدولة المركزية الحديثة نقلة كبيرة في مجال السطوة والنفوذ والإمساك بمقدرات المجتمع، وذلك بمرجعية شرعية تعتمد في الأساس على فكرة الدولة بحسبانها الحقيقة الأساسية في المجتمع، وهكذا انتقلت صناعة الدولة المركزية الحديثة من السيطرة الأجنبية الغربية عقب الاحتلال العسكري إلى نخب علمانية إلى حكومات تحرر وطني علماني، كل ذلك بالمعاني التي استخدمت في هذه الورقة، وصارت مهمة الدولة الحديثة وفق النموذج الغربي.
تحول رابطة الولاء و الانتماء إلى الدولة نفسها:
نقطة ثانية، وهي أن الدولة المركزية الحديثة نشأت على أساس " قطري "، والدولة كما هو معروف ذات عناصر مكونة، تتعلق بالأقاليم والجماعة السياسية والسلطة، وهذه الدول العربية والإسلامية ودول آسيا وأفريقيا عامة تحددت حدودها الجغرافية لا وفقا لتحدد الجماعة السياسية التي تقطن الأرض بجامع رابطة القومية أو رابطة الدين أو رابطة العرق، ولكنها تحددت بالحدود الجغرافية التي فرضتها السيطرة الأجنبية السابقة، وهذه الحدود دخل في تحديدها علاقة موازين القوى بين الدول الأجنبية المسيطرة واحتياجات الدولة المسيطرة، وكذلك علاقة موازين القوى بين حركات التحرر الوطني والسيطرة الأجنبية التي كانت قائمة، بمعنى أن ظرفًا سياسيًا هو الذي تحدد به أمر يتعلق بالجماعة السياسية، وهو ما تحكم في بيان حدود " القطر " الذي قامت الدولة على أساسه، فلم تعد الدولة تعكس جامعة سياسية تستند على أساس فكري أو فلسفي من رابطة دين أو رابطة قومية أو رابطة عرق، ولكن وجود الدولة بفعل الأمر الواقع قد ولّد في ذاته أمرًا واقعًا جديدًا، صارت الدولة تعمل على تثبيته وبقائه، حتى بعد انتصار حركات الاستقلال بشكلها الفطري الذي حدث، فصارت الدولة هي أساس رابطة الولاء والانتماء وليس العكس، صارت الدولة أساس الشعور الذاتي للجماعة وليس العكس، وهذا ما نجده بخاصة في إفريقيا وفي الكثير من دول المشرق والمغرب العربي، وحتى إن الكثير من مشاريع الوحدات السياسية نشأ نشأة ذرائعية إجرائية لا تستند إلى أسس فكر فلسفي أو نظري يشكل رابط انتماء وإطار جماعي، وذلك مثل " وحدة وادي النيل " أو "الهلال الخصيب " … إلخ، دون أن تصل إلى معيار ديني أو قومي أو عرقي.

البداية       يتبع       عودة       النهاية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع