بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   
العلاقة بين الدولة المركزية ومؤسسات الأمة:
وظهرت الدولة المركزية الحديثة، بدأ ظهورها مع بدايات القرن التاسع عشر، ولكنه كان ظهوراً يجري في إطار ضرورات تحديث الجيش والاقتصاد والتعليم، استجابة للتحديات التي بدت، وكان ظهورها في هذه البداية يجري ضمن النسق الثقافي والحضاري الاجتماعي السائد، ثم لما فشلت تجارب محمد علي ومحمود الثاني ومن على شاكلتهما أورثت هذه البنية الجديدة للدولة أهدافًا أخرى تتعلق بتسويغ التغلغل الاقتصادي والاجتماعي الوافد من الغرب، صارت مع نهايات القرن التاسع عشر وسيطًا يصل بين الحضارة الأوروبية وأبنيتها وهياكلها التنظيمية والثقافية وبين المجتمعات التقليدية. وكان لذلك مع بداية القرن العشرين تأثيره الكبير على التعليم والقوانين والنظم المؤسسية، وكانت الدولة الحديثة يمسك بزمامها نخب من ذوي الثقافة الوافدة من الغرب .
وظهرت تكوينات اجتماعية حديثة كبديل عن التكوينات التقليدية الآخذة في الانهيار، أو كتكوينات موازية لها، ولكنها مدفوعة بقوى الدفع السياسي والاجتماعي الحديثة، مثالها: الحركة النقابية العمالية التي ظهرت أولا كتنظيمات للعمال الأجانب في المصانع الحديثة، ثم دخلها المصريون، ومن جهة أخرى اتخذت بعض التشكيلات التقليدية أطرًا تنظيمية حديثة كالجمعيات الإسلامية التي ظهرت وقتها .
مع تغير المفاهيم والقيم ونظم التعليم ومناهجه والقوانين ونظم الإدارة، ومع ظهور الأحياء السكنية الجديدة على النمط الغربي، وظهور أساليب العيش الغربية في الملبس والمأكل والمسكن وغيرها، ومع التغير الثقافي: بدأت المفاهيم الثقافية الإسلامية وأطرها المرجعية تفقد صدارتها وسيادتها، بمعنى أن الفكرة المجردة التي أشرت إليها من قبل بدأت تفقد قوتها وهيمنتها، وهذا الوهن الذي أصابها أفقد المؤسسات الاجتماعية التقليدية قدرتها على الإدارة الذاتية، وفي المقابل استبدت الدولة الحديثة ووحداتها الإدارية بوضع النظم لكل مؤسسات المجتمع الأهلي ولفرض سطوتها وهيمنتها عليها .
وعلى مدى القرن العشرين من بعد آلت إدارة المجتمع كله إلى نخب لها وضع شبه منعزل عن الجماهير التي تملأ الريف والأحياء الشعبية، وذلك من النواحي الثقافية والحضارية . لم يكن ثمة انعزال صارم بطبيعة الحال، وكان ثمة تداخل وحوار وانحسار ومدّ وحركات متقابلة، ولكن أميز بين الأمور وأصنّف الظواهر وفقًا للطابع الغالب فيما أتصور، وأنا أدرك أنني أغامر بطرح تعميمات يمكن أن يرد عليها كثير من التحفظ، وأنا أعترف مسبقًا بالكثير الذي يثور من تحفظات، ولكن يبقى عندي شعوري بصواب ما أتصوره من طابع غالب .
وزاد هذه الظواهر كلها الحراك الاجتماعي الواسع والسريع نسبيًا الذي عرفته مجتمعاتنا خلال القرن الأخير الذي زاد سرعة وتتابعًا مع مرور السنين، ومن أسبابه العامة المعروفة: الهجرة من الريف إلى المدن بما يفيد تمزق علاقات قرابة وعلاقات جوار ونشوء غيرها نشوءاً غير مستقر. والتعليم الحديث الذي أوجد حراكًا طبقيًا واسعًا، وحراكًا من الأقاليم إلى المدن ومن الأحياء الشعبية التقليدية إلى الأحياء الجديدة، وكذلك ظهور مهن جديدة اقتضاها التعليم الحديث، ونظم الإدارة والقضاء الحديثة، واستخدام وسائل إنتاج واستهلاك جديدة، وكذلك التجنيد في الجيش أوجد حراكًا حرفيًا، وكل ذلك خلل البنية الاجتماعية وهزّ أسس التنظيمات التقليدية وعلاقات الانتماء السابقة .
كل هذه الظواهر معًا أدت إلى عدد من النتائج أوجزها فيما يلي :
1 - تفتت التكوينات الاجتماعية القديمة وفقدان دورها

إن وحدات الانتماء التقليدية تخلخلت والمؤسسات القائمة على وفقها تحطم الكثير منها ووهن القليل الباقي، فلم يستطع أن يفرض ذاته كقوة اجتماعية ضاغطة بشكل منظم، إنما يظهر بشكل انفجارات مفاجئة في ظروف غير متوقعة، ولم يعد رجال السياسة وعلماء الاجتماع قادرين على التوقع والحساب ووزن ردود الفعل .
2 - ظهور تكوينات أخرى بديلة ولكن ضعيفة
المؤسسات الحديثة ظهرت من نخب شبه معزولة ثقافيًا وحضاريًا ومن أعداد قليلة لا تستطيع أن تستوعب حركة المجتمع، وهي ذات ظهور لا ينتمي إلى ثقافة المجتمع السائد، إنما تستمد وجودها من اعتراف جهاز الدولة المركزية الحديثة بها، فظهرت ملحقة بهذا الجهاز مرتبطة به، ولذلك استمر الغالب منها غير قادر على أن يمثل قوة ضغط على السلطة المركزية، وإن كان بعضها في المراحل الأخيرة قد أمكنه أن يقوم بهذا النفوذ كالنقابات المهنية منذ الأربعينيات، ولكن ذلك لم يعصمها في المواقف الحاسمة مع الدولة المركزية .
3 - شخصنة الفكرة
صارت القوانين خارجية وغير مرتبطة بأصول الشرعية ذات التقبل العام من الجمهور العريض للرأي العام، وهذا مال بالفكرة "إلى أن تصير فكرة مشخصة، وليست "مجردة" بالمعنى الذي استخدمته من قبل، وخير مثال على ذلك أن " الفكرة الليبرالية " و " الفكرة الاشتراكية " التي تبنّاها نظام " عبد الناصر " في الخمسينيات والستينيات سقطت بسقوط هذا النظام في 1971م مع عهد أنور السادات .
القديم تحطم والجديد واهن، لذلك لم نجد في 1882م بعد هزيمة جيش عرابي أمام العسكر الإنجليز لم نجد مقاومة شعبية مثل ما حدث في 1798م و 1807م السابق الإشارة إليهما، ولذلك -أيضًا- أمكن بعد نجاح ثورة يوليه سنة 1952م ضرب ما كان قائمًا من أحزاب سياسية ومؤسسات للعمل الشعبي ومؤسسات للدولة الديمقراطية، لأن المؤسسات الوسيطة في المجتمع الأهلي كان بين قديم مضروب وبين جديد معزول، أقول هذه الأوصاف مجازفًا بهذا القدر من التعميم الذي لجأت إليه لرسم الصورة، مع إدراكي بما يجب الاعتراف به من تحفظات وتقييد لهذه العبارات المطلقة .

البداية       يتبع       عودة       النهاية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع