وضعية مؤسسات المجتمع الأهلي في العصر الحديث
والحاصل أنه منذ منتصف القرن التاسع عشر بدأ التحول الاجتماعي في أقطارنا، كان النفوذ الغربي قد بدأ قبل ذلك بنصف قرن أو ثلاثة أرباع قرن، ومن الربع الأخير من القرن الثامن عشر تمثل هذا النفوذ في مخاطر عسكرية آتية من الإنجليز عبر الهند إلى المنطقة الإسلامية، وآتية من روسيا عبر مناطق الشمال الآسيوي، ثم أتت من فرنسا بحملة نابليون على مصر، وبدأت تجارب النهوض الشرقية الإسلامية بتجارب " محمود الثاني " في أسطنبول و" محمد علي " في القاهرة، ولكنها كانت تجارب تتعلق بتمثل أسس النهوض الأوروبي في مجال الصنائع والفنون العسكرية ولم تؤثر تأثيرًا فعالاً على البنية الاجتماعية لا من الناحية التنظيمية ولا الثقافية، وتتسم ملامح هذه الفترة بثلاثة أمور: استيراد علوم الصنائع وفنونها، والهيمنة المركزية دون تغيير في الهوية، واستمرار الفكرية الإسلامية هي الفكرية الحاكمة.
ولكن مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر تغيرت الأحوال؛ فقد كان التوغل الاقتصادي السياسي والعسكري من جانب الغرب، كان أسرع من أن تؤتي وسائل الإصلاح أثرها، وكان عام 1839 - 1840م عامًا شبه حاسم، في اتباع سياسات الباب المفتوح على بلدان العرب وتوابع الدولة العثمانية، وبدأ الوفود الأجنبي السياسي والاقتصادي والاجتماعي يظهر ويتوغل، سواء في أوضاع المجتمع أو في تنظيماته أو في مناخه الثقافي .
لا أريد أن أستطرد في ذكر قصة هذا الأمر، وحسبي هنا ما أثبته في هذه الورقة من قبل، من ذكر كل مسألة في نقاط مختصرة وعناصر محددة، والمهم أن الفترة الأخيرة من القرن التاسع عشر ثم بدايات القرن العشرين، على مدى ثلاثة أرباع القرن أيضًا ثم الاحتلال العسكري والحكم السياسي الأوروبي للمنطقة العربية كلها، ظهر النفوذ اقتصاديًا وسياسيًا، ثم تطور إلى النفوذ العسكري ثم الإمساك بآلة الدولة الحديثة التي نشأت، وكان هذا المسار يظهر بطيئًا مترددًا ثم يتجه مع مرور السنين إلى السرعة والحسم .
أظهرت النظم الأوروبية في المعاملات مجالس للحكم زاحمت المحاكم الشرعية وقوانين زاحمت القانون الإسلامي، ومدارس تبشير ومدارس أجنبية زاحمت التدريس التقليدي، ثم عمت النزعة التغريبية في التعليم من خلال المدارس الحكومية .
تخلخلت التكوينات الاجتماعية التقليدية؛ كنقابات الطوائف، وتنظيمات الطرق، وغيرها، مما كنا نجده فاعلاً يقوم بدوره في التحريك والتنظيم والتعبئة للناس في حركاتهم ضد حاكم ظالم أو احتلال أجنبي كحملة نابليون على مصر في عام 1798م أو مقاومة حملة الإنجليز على رشيد في عام 1807م وهكذا، أو تولية محمد علي ولاية مصر في عام 1805م، ومما كنا نرى له أثرًا في تنظيم أنشطة الخدمات الاجتماعية كالوقف على المعاهد التعليمية وغيرها من المرافق أو أثرًا في تنظيم طوائف الحرف، أقول : تخلخلت هذه التكوينات ثم تحطمت .
البداية
يتبع
عودة
النهاية
|
|
|
|