بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   
خصوصية التنظيمات الاجتماعية والسياسية لكل نسق حضاري
لقد استحسنا أخذ النظم الحديثة من تجارب الغرب المعاصرة، جرى ذلك على مدى يزيد عن مائة وعشرين سنة حتى الآن، وبدا لنا أن أمورنا تتحسن ونهوضنا يقوى ويسرع بقدر ما نتبنى هذه النظم الغربية، باعتبار أنها هي ما نهض بالغرب وكسب له التفوق. وأنا ممن يترجح لديهم الظن بأن نهوض الغرب وتفوقه الساحق في القرون الأخيرة يعود فيما يعود إلى ما استطاع أن يبلوره من نظم اجتماعية سياسية واقتصادية وإنتاجية، سواء من حيث تنظيم الجماعات السياسية أو من حيث بلورة النظام النيابي التمثيلي، أو بلورة مؤسسات الحكم وتوزيع السلطة بين هيئات الحكم المختلفة، وسواء من حيث نظم الشركات وطريقة إدارة وحدات الإنتاج وتقسيم العمل، وسواء من حيث نظم الجماعات والهيئات الأهلية والنظم النقابية والتعاونية.
ولكن هناك فرق بين أن تنبثق أساليب الإصلاح الاجتماعي والتنظيمي من داخل النسق التنظيمي والحضاري كتاريخ أنظمة ومعاملات وكلغة ثقافية ومرجعية شرعية، هناك فرق بين ذلك وبين أساليب إصلاح ترد من بيئة حضارية مختلفة ومن نسق تاريخي متباين، وليس من المحتم أن نموذج إصلاح ينتقل من بيئة إلى أخرى، وتكون له ذات الوظيفة ويتكرر منه الأداء ذاته، وسأضرب على ذلك مثالين:
المثال الأول: نشأة التعددية الحزبية بين الغرب والشرق
إننا عندما نقارن بين أي من وجوه التنظيم الاجتماعي أو السياسي الآتي من الغرب وبين أي من وجوه هذا التنظيم فيما انحدر إلينا من أوضاع الماضي، إننا عندما نفعل ذلك فكثيرًا ما نغفل عن المغايرة الحادثة في النسق الكلي لكل من التنظيمين، وعن الدور الخاص الذي يقوم به كل من الجزأين المقارنين داخل نظامه .
فنظام تعدد الأحزاب نظام جزئي يرتبط بالتكوين الكلي الذي تقوم به الدولة في التنظيم الغربي الحديث، ولذلك فهو يختلف في أدائه ووظيفته عن الأداء الوظيفي الذي يقوم به هذا النظام الحزبي التعددي في غير بلدان الغرب. ولي دراسة أوضحت فيها: أن النظام الحزبي الغربي نشأ تعبيرًا عن أوضاع الجماعات الفرعية الأوروبية المتنازعة على نصيب كل منها في حصيلة المنتج الوطني العام، في ظروف كانت المجتمعات القومية الأوروبية آمنة على نفسها من أي خطر خارجي عليها، بينما الأحزاب في بلادنا الشرقية ( سواء كانت عربية أو إسلامية أو غير ذلك من بلاد الهند والصين…..إلخ ) نشأت الأحزاب فيها بعد سقوط مقاومة دولها في مواجهة الغزو الأجنبي الحادث في القرنين الماضيين، ونشأت كتجمع وطني ينظم الجماعة الأهلية لمهام مقاومة ذلك الغزو. ومن الطبيعي أن "التعددية" لم تكن مما يقوم بالأداء المطلوب لهذه المهمة، حتى استعادت هذه البلاد استقلالها. ولكننا كنا نغفل عند المقارنة عن هذا الفارق المهم .
وكذلك الحال بالنسبة لتوزيع السلطة في الدولة الغربية الحديثة، حسبما صيغ هذا النظام في النظم الدستورية الغربية الحديثة، فيما عرف بسلطات التشريع والتنفيذ والقضاء. ونحن قد لا نجد مثيلاً لسلطة التشريع بهذا الأداء الوظيفي المنضبط المحدد وبهذه الطريقة في التشكيل الانتخابي النيابي، قد لا نجد مثيلاً لها في النظم القديمة للدولة في بلدان العرب والمسلمين، ولكن هذا لا يعني أن وظيفة التشريع تابعة لوظيفة التنفيذ، وأن دور الممارسة المستقلة لها -من جهاز مختص به- دور مفتقد، لأنه مردود إلى النسق الكلي لكل نظام وطريقته الخاصة في توزيع وظائفه المختلفة، وإن عدم وجود العضو المثيل لا يعني بذاته أن الوظيفة المثيلة مفتقدة.
والحاصل أننا إذا لم نجد في النظام الذي ساد المجتمعات الإسلامية من قبل مؤسسة مثيلة للمجلس أو الهيئة التشريعية التي ظهرت في أوروبا، فإننا يثور لدينا السؤال عمن الذي كان يشرع لهذه الدولة، ولا نجد من السلطات التي صورها الفقه للخليفة أو الإمام أو غيره من الأمراء، لا نجد لأي منهم سلطة تشريع ما، وهنا سنتلمس وجودها في أحكام القرآن والسنة النبوية، وفي اجتهادات الفقهاء والمفتين الذين كانوا -لقرون طويلة- لا يعيّنهم أحد في مراكز رسمية، وإنما يكتسبون مركزهم بتقبل جمهور الرأي العام لهم، ومنهم يتأسس هيكل تنظيم الأحكام السائد ونظام المعاملات، وهذا ما يعطي لهذه الجهة استقلالاً له اعتباره في تنظيم المجتمع .
وثاني المثالين: المؤسسة التشريعية واختلاف شكلها بين التجربتين : الغربية والإسلامية
يتعلق هذا المثال بالكثير من أدوات التنظيم ونماذج هياكله التي أمكن استيرادها من نظم الغرب وفكره، وقد أظهر التطبيق أنها في البيئة المحلية المنقول إليها إنما أتت بآثار مغايرة لما نتج عنها في بيئتها الأصلية، وأحيانًا ما أنتجت آثارًا عكسية، وذلك بسبب الإعمال في سياق مختلف.
لقد جربنا في مصر أنواعًا من ذلك؛ منها : أنه في ظل العمل بدستور سنة 1923م، في الفترة من 1924م حتى 1952م، كانت السلطة التشريعية تتكون من مجلسين؛ مجلس النواب، ومدته خمس سنوات، وينتخب كله بالانتخاب المباشر، وله سلطة سحب الثقة عن الوزارة فتسقط، ومجلس الشيوخ، وينتخب ثلاثة أخماسه ويعين الملك خمسيه، ومدته عشر سنوات بتجديد نصفي، ويساهم في إصدار التشريعات دون أن تكون له سلطة إسقاط الحكومة. وكان الجليُّ أن مجلس النواب هو الأكثر اتصالاً بتيارات الرأي العام، والأفسح لوجود المعارضة السياسية ولممارستها لنشاطها في رقابة الوزارة، والأقدر على التعبير عن التيارات الاجتماعية الجديدة، سيما أن مجلس الشيوخ لا يدخله بحكم الدستور إلا الفئات العليا من النخب الاجتماعية، من كبار ملاك الأراضي والماليين والموظفين السابقين .
ولكن الذي حدث على مدى ثلاثين سنة هو عكس ذلك. فكانت الوزارة تسقط مجلس النواب، وتتدخل في حرية الانتخاب فيه، ولا تستشعر خطورة مجلس الشيوخ بالدرجة المماثلة، فكانت النتيجة في الواقع أن مجلس النواب صار هادئًا، وتحولت المعارضة السياسية لتعبّر عن ذاتها في مجلس الشيوخ، وهذا المجلس الذي يشغله كبار ملاك الأراضي هو المجلس الذي ظهر فيه أول مشروع لتحديد ملكية الأراضي الزراعية في سنة 1950م .
قصرْت أمثلتي هنا على التكوينات الكلية التي تعبر عن الدولة في عمومها وفي مركزيتها، ولكن الملاحظة ذاتها تصدق - أيضًا - على العديد مما لا يُحصى من الهيئات والمؤسسات الأهلية والتطوعية، سواء التقليدية التي أُلغيت أو الحديثة التي نشأت، وكان لانتهاء الأولى أو لنشأة الثانية ما لم يكن متوقعًا من الآثار، وقد ترد في سياق الحديث أمثلة على ذلك فيما بعد.

البداية       يتبع       عودة       النهاية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع