آثار الانفصال و" المفارقة " بين الدولة والأمة:
من هنا ظهرت الدولة الحديثة المركزية منعزلة عن الجماعة مفروضة عليها من عل وخارجية عنها؛ أي أنها دولة "مفارقة" بالمعنى الفلسفي للفظ "مفارق"، وهي منفصلة عن الأطر المرجعية السائدة في المجتمع والمكونة للجماعات البشرية والحاكمة للعلاقات والمعاملات، وصارت مهمتها التبشير بمرجعية جديدة، والأهم من ذلك أن الدولة لم تعد هي من الشرعية في المجتمع، ولكنها صارت هي ذاتها مصدر الشرعية، ولم تعد محكومة بشرعية وأطر شرعية مستمدة من نسق فلسفي أو فكر عقيدي، وإنما صارت هي الحاكمة للشرعية، وصار القانون من حيث هو إجراءات تصدر بها الأحكام والنظم هو المعبر عن الشرعية التي هي إرادة الدولة، ومن ثم فهي علمانية بالضرورة بالمعنى "الشرقي للكلمة" أو بالأداء الوظيفي لهذا المفهوم في دولتنا، وما تقوله الدولة هو الإطار المرجعي ذاته الذي يخلق القيم وينشئ نموذج العلاقات، وسيطرت بذلك على الفكر والثقافة وصناعة العقول بدلاً من أن تكون نتاج ذلك.
صار من الأهداف الأساسية المتضمنة في أدائها الوظيفي أن تؤكد النزعة القطرية الإقليمية، وأن تؤكد الوجه العلماني الوضعي للمشرب الفكري، لا ثقة بالمنهج العلماني الذي أسفر عنه التطور الفكري الأوروبي في ظروفه التاريخية، ولكن لأنه الوجه الذي يمكنها من امتلاك ناصية الشرعية واستيعاب المرجعية ذاتها، بحيث تكون هي المشروع والمرجع.
تصفية مؤسسات الأمة ووأد إمكانية تطورها ديمقراطيًا وطبيعيًا:
وبهذا عملت الدولة المركزية الحديثة على تصفية المؤسسات الاجتماعية التقليدية التي كانت تشكلها الجماعات الأهلية، وعملت على إنشاء مؤسسات اجتماعية حديثة لا تستمد شرعية وجودها من " الفكرة المجردة " السائدة بين الجماعات الأهلية، ولكنها تستمد هذه الشرعية من اعتراف الدولة بها وإفساحها لها ورقابتها لنشاطها وهيمنتها عليها، وكان هذا وضع نظم الجمعيات والنقابات الحديثة وغيرها.
ومن هنا تفككت الجماعات الأهلية من حيث الانتماء ومن حيث كونها قوى متماسكة تفككت إلى أفراد، وهذا في ظني من أخطر ما هدد إمكانات التطور الديمقراطي وظهور التعددية الحقيقية والفعلية على المستويات الوسيطة، التي تكون أساس التعددية الحزبية من بعد، وأساس تعدد سلطات الدولة من فوق.
قديمًا كانت الجماعة هي ما يكسب أية مؤسسة شرعية وجودها ونشاطها، وذلك باعتراف الجماعة بها، والآن صار الاعتراف يأتي من الدولة كمؤسسة مادة التماسك والتناسق الاجتماعي بين الهيئات والمؤسسات العديدة والمتنوعة التي تؤسس بنية المجتمع، بدلا من ذلك صارت الشرعية الإجرائية التي تستبد الدولة بإيجادها أو محوها ما يشكل هذا الترابط الشكلي الذي يقيم الدولة كمؤسسة حكمًا وحيدًا على كل ما عداها.
رفض الشرعية الإسلامية كشرعية حاكمة:
وهي عندما ترفض " الشرعية الإسلامية " الناتجة من الفكرة المجردة، لا ترفضها لكونها إسلامية، فالدولة تتشكل من مسلمين يراعون ضوابط هذا الدين، ولكنها ترفضها من حيث إنها تفرض عليها شرعية حاكمة لها من خارجها، وهي في الوقت ذاته شرعية تمكن الناس المحكومين أن يقيسوا شرعية سلوك الدولة بمقاييس يملكون زمامها، وتدخل في إطار تكوينهم العقلي الثقافي العام، والدولة ترفض شرعية ليست من إنشائها، وليست قادرة على التحكم فيها، ترفض مرجعية لا يملك أحد على أحد بها سلطة إنفاذ إلا بالإقناع وبترجيح الجماعة.
وعندما تنهدر الشرعية الآتية عن الفكرة المجردة تنهدر القدرة على الإدارة الذاتية التي تستند في الأساس إلى التقبل العام للتحاكم على شرعية تتصل بوجدان الجماعة وبالاحترام المتبادل بين الناس بعضهم ببعض أو لا يتوقف ذلك على " إصدار " من الدولة أو من مؤسسة بعينها.
أضع هذه الملاحظات راجيًا أن يكون فيها ما يثير النقاش النافع، وراجيًا أن يكون فيها ما يظهر أن المؤسسات التقليدية ليست قرينة الاستبداد، وأن مؤسسات المجتمع الحديثة وعلى رأسها الدولة الحديثة، إنما تقوم بأداء وظيفي لا يسير في طريق تكوين البنية الأساسية التحتية لتشييد الهيكل الديمقراطي، وأن الشرعية الإسلامية هي في ظني من الشروط السابقة لإقامة هذا الهيكل
قضايا معاصرة
البداية
عودة
|
|
|
|