|
||||||||||||||||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
ب- وحدة الرؤية الكونية للفنون اللغوية العربية قبل الإسلام وبعده: سؤالنا إذن ينطلق من هذه النقاط الثلاث: ما هو هذا الأصل المتعلق بكنه العربية ذاتها، وما الذي يجعله إسلاميًا ومن ثم تعتبر الفنون اللغوية المنبثقة أساسًا عن العربية فنونًا إسلامية في ذاتها، وجديرة بأن تحظى بقسم خاص لها عند التصنيف؟ يقول الأستاذ محمود شاكر في كتابه "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا": "رأس كل ثقافة هو الدين بمعناه العام، والذي هو فطرة الإنسان أي دين كان أو ما كان في معنى الدين". ويقول: "وقد منح أسلافنا نحن العرب والمسلمين هذا الأصل الأخلاقي عناية فائقة شاملة لم يكن لها شبيه عند أمة سبقتهم". ما هو هذا الأصل مرة أخرى؟ فلنسأل أبيات ابن زيدون التي كتبها يصف حاله بعيدًا عن حبيبه فقال: مع كل هذه اللوعة والأسى نرى الإيمان يدخل في الحب فيدعو المحب لحبيبه شبيه البدر بأن يحفظه الله ويحفظه الزمن الذي أنجبه.. ويعتمد الشاعر في تدعيم مركزه وبيان سبب لوعته الشديدة على تحويل حبيبه باستخدام الصور البلاغية العديدة إلى ظاهرة كونية، فهو بدر ومعه يقصر الليل فلا نحس به، وبدونه يطول الليل فنكاد نشعر أنه لا ينقضي. هذه الأبيات الأندلسية التي تصف لوعة فراق الحبيب تحتوي على نفس الجذر المشترك الذي رأيناه في الشعر الجاهلي وغيره من الشواهد التي استخدمناها، وهذا الجذر هو التوحيد. فأصل العربية هو التوحيد والإيمان بالله -سبحانه وتعالى-.
ونحن نزعم -والله أعلم- أن هذا الجذر الأساسي والأصل المشترك موجود بدرجات مختلفة في الأرومة اللغوية السامية التي تنتمي إليها اللغة العربية.فلو نظرنا في الديانات التوحيدية التي عرفها العالم بدءاً من ثورة إخناتون -أول من نادى بعالمية الإله ووحدانيته- لوجدنا أن الوعاء الذي عبر عن هذه الثورة كان الهيروغليفية الحديثة التي صارت لغة بذاتها لا مجرد كتابة أيقونية، والهيروغليفية تنتمي لنفس أرومة اللغات السامية. كذلك فاليهودية والمسيحية عبرتا عن نفسيهما من خلال العبرية والآرامية وهما لغتان ساميتان. بل إن قبول المصريين وغيرهم من العرب العربية كلغة أصلية وتخليهم عن لغتهم الأصلية هو دليل واضح على أن العربية واللغات السامية الأخرى تنتمي لنفس الأرومة. وبها نفس الأصل، ومن ثم فالشعوب قبلت العربية، حيث يظهر فيها هذا الأصل بجلاء ويتضح تطوره وإحكامه، بالمقارنة بغيره من اللغات الأخرى داخل نفس الأرومة اللغوية. بيد أن أبلغ الأدلة في رأينا على تطور العربية وكمالها وإحكامها في أرومتها، وعلى أن الجذر الأساسي لتلك الأرومة هو التوحيد إنما يتجلى بوضوح في القرآن الكريم، فالقرآن كتاب عربي، وهذا يعني أن ضوابط فهم القرآن مرتبطة بفهم اللغة العربية وألفاظها وتراكيبها، فلا يمكن أن يسمح بفهم بعيد عن مدلول الكلمة لغويا وبلاغيا، ولذلك نحن ندرس الأدب الجاهلي لنضبط فهمنا للقرآن وكل ما يصطدم باللغة من إفهام مرفوض ومستبعد، على حد تعبير أستاذنا المرحوم فضيلة الشيخ محمد الغزالي. والأكيد أن القرآن كلام الله المنزل أتى بالجذر الأصلي
التوحيدي في اللغة في أجلى مقال وأبلغه وهذا هو الإعجاز بعينه. من ثم فالقرآن هو النموذج الأولي لكل الفنون العربية كما أسلفنا. وبالأحرى هو المثال والنموذج الذي يحتذي في صياغة ما أسميناه الفنون اللغوية. أي تلك الفنون المعتمدة على اللغة العربية والتي لا تظهر إلا من خلالها. وتستمد قوتها أساسًا وتأثيرها الفاعل على أفئدة البشر من خلال اللغة، من ثم كانت اللغة أو الوعاء الذي يحتوي على هذه النوعية من الفنون هي المحدد لها، وبذا تستحق فئة تصنيفية بذاتها، تلك الفئة التي أسميناها الفنون اللغوية.ج- تقسيم الفنون اللغوية: تنقسم الفنون اللغوية إلى فئتين في منظورنا: فنون قول كالشعر والتراجم وهي فنون مقروءة ومسموعة أحيانًا، وفنون قلم حيث ثمة دور أساسي للأداة المستخدمة في صناعة هذه الفنون وهي القلم، يقول الله تعالى في سورة القلم: "ن والقلم وما يسطرون" (آية:1) هذه الأداة التي أقسم بها الخالق وذكرت في القرآن مرتين وسميت سورة باسمها استخدمها العرب لإبداع فن خاص له سماته المميزة ألا وهو الخط العربي، الذي يجمع بين الصرامة والتناغم وهو المحور الرئيسي للفنون الإسلامية. ومن أهم من برع فيه ابن مقلة الذي قيل عنه: لقد ألهم الله ابن مقلة تسديس الخط كما ألهم النحل تسديس بيوتها، ومن المحدثين سنجد الفنان محمد إبراهيم وغيره. ومن فنون القول: الشعر ولنتأمل موشحاً أندلسياً شهيراً ربما هو أشهر الموشحات الأندلسية للوزير الشاعر "لسان الدين أبي عبد الله بن الخطيب" وهو موشح "جادك الغيث" الذي ينضح برائحة الأندلس وعبق زهورها وأريج حضارتها الفيحاء، ويوضح كيف أن الشاعر ومن كان مثله يعيشون حضارة مترفة منعمة، انظر إليه يصف مجلسه مع حبيبه فيقول: وفن الترجمة فن لغوي عربي أصيل، حيث لا نجد نظيراً له في اللغات الأخرى من حيث الإيجاز والنموذج البنائي المكرر ولا الإحاطة. وقد تأثرت التراجم بسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبالقصص القرآني كنموذج أولي، ونجدها ترصع دائمًا بأحاديث نبوية أو آيات قرآنية تؤكد على مناقب صاحب الترجمة.
|
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||