بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   
الفنون اللغوية

أ- خصوصية الفنون اللغوية العربية:
السؤال الأساسي الذي يتبادر إلى الذهن: لماذا نميز الفنون اللغوية تمييزًا خاصًا عن غيرها من الفنون الأخرى؟ ولماذا لا تدخل ضمن تصنيفنا الذي يقسم الفنون تبعًا للتأثير الذي تحدثه في الحواس؟ بمعنى آخر أو بعبارة أخرى -إن شئنا الدقة-: ما الذي يجعل الفنون اللغوية متميزة عن التأثير في الحواس فقط؟ ولماذا تختص العربية بهذه الخاصية إن كانت تختص بها؟
هل ثمة شيء متعلق بكنه العربية ذاتها؟
أتذكر حوارًا دار مع بعض الأصدقاء تركز حول بنية اللسان العربي ومدى إحكامه، وخاصة قبل ظهور الإسلام، وكان السؤال المحوري المطروح في تلك الجلسة هو: كيف تمكّن أولئك البدو المشتتون من إقامة صرح فكري متميز مثل اللغة العربية؟ اللغة التي تعتبر أقدم اللغات الحية وأكثرها إحكامًا. اللغة التي تحدَّت الدهر وبقيت بينما اندثرت ألسنة قوم آخرين سادوا العالم لفترات طويلة كاللاتينية والسنسكريتية. ولفهم هذه الخاصية أي خصوصية اللغة العربية لنتأمل معًا بعضاً من إبداع العرب قبل الإسلام والذي تجلى أساسًا في الشعر فلنتأمل معًا هذا البيت:
من يسأل الله الناس يحرموه         وسائل الله لا يخيب
إن هذا البيت الذي يحوي هذا المعنى السامي المتجاوز أو الذي يقارن فيه الشاعر بين التوجه للناس والتوجه إلى الله -سبحانه وتعالى-، من بائية الشاعر الجاهلي عبيد ابن الأبرص الأسدي، ووزنها مجزوء البسيط، ويرى النقاد أن اكثر أبياتها مضطربة الوزن.
وهذا الاضطراب البنائي يدلنا على تأخّر عصر القصيدة، ويؤكد نسبتها الجاهلية ويدحض رأي القائلين بالانتحال. فكيف ينتحل المرء ولا يدقق في الوزن والتفعيلة؟
وتدلنا كتب الأدب والقصص والتاريخ والأخبار والسير أن شعراء العصر الجاهلي كانوا أكثر من أن يحيط بهم حصر. فكل قبيلة بل وكل بطن وفخذ من قبيلة كان لها شعراؤها الذين يلعبون دورًا اجتماعيًا هائلاً ويؤدون دورًا حياتيًا عظيمًا، ألا وهو مفاخرة غيرهم من القبائل والرد عليهم وهجاؤهم والتنويه بمآثر قومه. باختصار: كانوا يلعبون الدور الذي يلعبه الجهاز الإعلامي الحالي.
ولمعرفة أين ذهب هؤلاء وكيف اندثر وانطمس أغلب شعر العرب يقول عمر بن الخطاب: "كان الشعر علم قول (أي رواية شفهية) لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد، وغزو فارس والروم، وأُلهيت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوان مدوّن ولا كتاب مكتوب، فألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم منه أكثره.
* ولنا هنا وقفه في عدة نقاط:
النقطة الأولى أن اللغة العربية إذن كما تبدو في الشعر الجاهلي أول ما وصلنا من إنتاج لها هي لغة محكمة متقدمة راقية.
النقطة الثانية هي أن الأدب الجاهلي قد جاء كله بلغة واحدة عربية. وصاغه بهذه اللغة الواحدة جميع الذين نسب إليهم أنهم قالوه من العرب شماليهم وجنوبيهم، لا فرق بين من أصله قحطاني ومن أصله عدناني. وهذا معناه أن الأدب قبل الإسلام بفترة من الزمن قد استقرّت له لغة خاصة، لغة تعبر عن بيئة خاصة وتبدو فيها ملامح تلك البيئة، ولكنها تطرح أيضا رؤية معرفية عامة موجودة ومتأصلة عند العرب أجمعين. ولفهم هذا فلنتأمل هذا البيت لأعشى قيس البكري حيث يقول:
كأن مشيتها من بيت جارتها         مر السحابة لا ريث ولا عجل


هذا البيت يصف المرأة السمينة التي تمشي الهوينى ويشبهها بالسحابة، بما يوحي به هذا التشبيه من معانٍ ضمنية ترد لذهن الأعرابي البدوي، حيث ينتظر السحاب ليأتي حاملاً معه المطر والخير. فالتشبيه متضمن لصفة البطء والهوينى. ويحمل في طياته ملامح بيئة بدوية صحراوية.
نجد تلك اللغة الأدبية المتجاوزة عند الشعراء جميعًا، ومن خلالها نرى رؤية خاصة للكون تتكرر باستمرار. يقول طرفة بن العبد:
أرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلة         وما تنقص الأيام والدهر ينفد
ويقول في موضع آخر من القصيدة ذاتها:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً         ويأتيك بالأخبار من لم تـزود
ويقول عبد يغوث الحارثي اليمني:
جزى الله قومي بالكلاب ملامة         مريحهم والآخـرين المـواليا

هذه الرؤية الكونية الخاصة التي تجدها عند العرب قبل الإسلام. والتي تعبر عن بيئتهم الصحراوية وعن تأملهم في الخلق والتي تتجلى في الشعر نسميها الرؤية الإيمانية. تلك الرؤية الإيمانية تمثل مرجعية عامة لشعراء عدة من قبائل متباعدة.
الأصل إذن واحد، ونزعم أنه أصل متجاوز للعلاقات اللغوية، وأنه ينتمي إلى مجموعة المفاهيم الحاكمة التأسيسية قبل اللغوية. ورغم أن ثمة لهجات عربية متباينة بل ولغات متعددة كانت موجودة في الجزيرة، فالواضح أن اللغة الأدبية قد سادت بالرغم من هذه اللهجات واللغات نظرًا لتميزها على كافة مستويات البنية اللغوية، سواء كان هذا التميز على المستوى المعنوي العميق الذي أسلفنا فيه القول، أو على المستوى السطحي في السياق أو التراكيب أو حتى في النطق والعبارات. وهذا التميز هو الذي كفل لها التعبير الأمثل عن هذا الأصل المتجاوز، ومن ثم سيادة اللهجات الأخرى. إن بلاغة الكلام كما عرفها العرب هي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته. ومن مظاهر البلاغة في العربية سنجد قاعدة التقديم والتأخير، أي جواز تغيير البنية السياقية للكلام دون مراعاة للقواعد النحوية، بل يتلاءم النحو مع البلاغة من خلال الحفاظ على البنية الصوتية الدالة على القاعدة النحوية، رغم تغير الترتيب السياقي. لفهم ما سبق نقول: إنه من المعلوم أنه لا يمكن النطق بالكلام دفعة واحدة، بل لا بد من تقديم بعض الأجزاء وتأخير البعض وليس شيء منها في نفسه أولى بالتقدم من الآخر، لاشتراك جميع الألفاظ (من حيث هي ألفاظ) في درجة الاعتبار فلا بد لتقديم هذا على ذاك من داع يوجبه. هذا الداعي يتراوح بين المعنى المراد إيصاله وبين البلاغة التي يراد فيها تقوية التأثير الذهني للعبارة. ففي سورة التوبة (الآية 31) يقول الله تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون" إن فتح لفظ المسيح للعطف على المفعولية بلاغة لفظية رائعة، حيث يؤخر المعطوف عن المعطوف عليه وهو المفعول به الأحبار، ويفصل بينهما بشبه الجملة "من دون الله"، فيؤدي هذا التأخير إلى فصل معنوي بين الرهبان والأحبار الذين قبلوا دور الأُلوهية والعياذ بالله وبين نبي الله عيسى الذي ألصقت به الصفة وهو منها براء. باختصار: فهذا الترتيب السياقي قد أضفى معنى جديدًا على الكلام مع الحفاظ على قواعد النحو من خلال النطق السليم للفظ المسيح بالفتح. بمعنى أن البنية السطحية قد أثرت على البنية العميقة تأثيرًا واضحًا وتلك سمة خاصة باللغة العربية أساسا لا تشترك معها فيها لغة أخرى.
النقطة الثالثة أن العربية لغة شديدة الإحكام. وهذا الإحكام يبدأ من جوانبها الصوتية وأشكالها المنفردة وتكامل أبنيتها المورفولوجية والصوتية والسياقية والدلالية.
وهكذا نجد أن ثمة دائمًا جذراً مشتركاً في الكلام العربي وكما أسلفنا فهذا الرابط أو الجذر يتخطى النسق اللغوي بل ويقوم مقام الأصل الوجودي لهذا النسق. وهو بمثابة أساس النسق ودعامته في آن.
هذا الأساس نجده في الشعر الجاهلي أو الإسلامي أو الحديث، فلنتأمل هذا البيت من قصيدة: يا ليل الصّب متى غده؟ للحصري القيرواني:
صنم للفتنة منتصب         أهـواه ولا أتـعـبده
ولنتأمل أيضا شوقيا حين يعارضه بقوله:
ويقول: تكاد تجـن به         فأقول وأوشك أعبده
ما يلفت النظر أن العبادة ممتنعة في الحالين، حيث يهوى الحصري الصنم ولا يعبده ويهم شوقي بالفعل ولكنه لا يفعل.

قضايا معاصرة     بداية     يتبع     عـودة     النهاية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع