بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   
الفنون السمعية البصرية

إن لنا فنون حكي وسرد سمعية بصرية تختلف عن فنون الغرب، لأنها نشأت في سياق معرفي مختلف وفى إطار ديني، مرجعيته الأساسية هي الإسلام، وتظهر فيها الخصائص المميزة للفن الإسلامي من حيث الحياتية والتركيبية والعبادية. بل نجد أن نموذجها الأولي هو القصص القرآني ثم سيرة الرسول العطرة -عليه أفضل الصلاة والسلام-.
ونجد جنينياتها في القصص السامي سواء العبراني أو المصري أو الكلداني. وتنضح بأرومة التوحيد ومن ثم تفوح منها قيم المسئولية والرحمة والحب.
وسنحاول فيما يلي أن نقدم نماذج على هذه الفنون السردية السمعية والبصرية ونبحث في أصولها المعرفية ونماذجها الجنينية والأولية.
سنجد أيضًا فنونًا حركية تنتمي إلى سياق الفنون السمعية البصرية تلك مثل: فن الرقص الصوفي، والذكر، والرقص بالإبل والخيل، حيث تتطلب تلك الفنون الموسيقى والمشاركة بين البشر والحيوان في تناغم جميل وإيقاع رائع.
فنون الحكي

أ- المعرفية في القصص القرآني كنموذج أولي:
- التفرق وغياب التحديد الزمني
أول ما سيلفت انتباهنا في القصص القرآني أنها قصص متفرقة وليست قصصاً كاملة مستمرة، في توالٍ زمني، مثلما الأمر في التوراة مثلاً.
على سبيل المثال في سورة البقرة في الآيات 30-39 قصة خلق آدم -عليه السلام- ورفض إبليس السجود لآدم وهبوط آدم للأرض. ثم في الآيات 49-75 طرف من قصة موسى الكليم -عليه السلام- تضم شق البحر وإغراق آل فرعون، وقصة العجل الذي عبده بنو إسرائيل وقصة البقرة. ثم تأتي الآيات 124-135 لتعطينا طرفاً من قصة إبراهيم الخليل -عليه السلام-، وهي قصة بناء البيت العتيق.
ثم تعود الآية (258) لتحكي لنا قصة النمرود الذي قال: أنا أحيي وأميت مع إبراهيم، وقبلئذ تذكر الآيات 246-251 قصة طالوت وبني إسرائيل وحربهم مع جالوت وجنوده، وبعدئذ تذكر الآية 259 قصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها.
ثم تعود الآية 260 لتقصَّ طرفًا آخر من قصة إبراهيم الخليل وإحيائه الموتى والطير وهكذا.
القصص القرآني بهذا الشكل يمثل نماذج معرفية نتخذ منها العبرة، ونستخلص منها الرؤية الإيمانية الدائمة، وليست مجرد قصة أو واقعة حدثت، رغم أنها حدث أكيد، إنما هي حقيقة خالدة مستمرة أبد الدهر ونؤمن بحدوثها، ولكن ما يهمنا ليس تحديد زمانها الدقيق أو وقائعها التاريخية المفصلة، ولكن ما وراءها ولماذا ذكرت.
يقول الله تعالى في سورة الأعراف(176): "فاقصص القصص لعلهم يتفكرون" فهذه القصص دعوة للتفكر أي للتحليل والتفصيل والتفكيك. ومن ثَم فهي دعوة للفعل أي الالتزام بالنموذج المعرفي الكامن خلفها، أي بالبناء والتركيب. فهي نموذج للتركيبية الفنية والحياتية، وهي بالقطع عبادة. فليس أفضل من قراءة القرآن وتدبر معانيه عبادة!!
إن الآية الكريمة التي تخبرنا خبر إبراهيم والطير في سورة البقرة (260) حيث يقول تعالى: "وإذ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعيًا واعلم أن الله عزيز حكيم". إنما تقدم لنا نموذجاً معرفياً رائعاً للإيمان من خلال اليقين والبحث الذي يقود إليه، فإبراهيم خليل الله -عليه السلام- يؤمن، ولكنه يريد أن يطمئن قلبه، رأى أنه يقول لنا: إن الشك واضطراب القلب من صفات البشر، وإن رحمة الله الواسعة تسع كل شيء، فالله عزيز حكيم.
هذه التفرقة وعدم الزمنية تفيد تحديدًا عدم تاريخية هذه القصص، فالقصص القرآني حقائق حدثت، ولكنها ليست تاريخًا، ولا يعنينا أن تكون تاريخًا، فالله تعالى يقول: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا تعملون"، وهذه الآية الكريمة تتكرر مرتين، فهي الآية (134) والآية رقم (141) في سورة البقرة، وهذا توكيد لا يدع مجالاً للشك بأن القرآن ليس مجالاً للبحث التاريخي، ولا يهدف إلى إيراد التاريخ، فكل أمة مسئولة عما تعمل ولن تُسأل أمة عما فعلت أمة أخرى.
-التكرار في أكثر من موضع
الجانب الآخر الذي نلاحظه في القصص القرآني هو جانب التكرار، فثمة إعادة للقصة أكثر من مرة. فقصة خلق آدم -عليه السلام- ورفض إبليس السجود له تتكرر في سورة الأعراف الآيات 11-25، وهذه المرة ثمة تفاصيل أكبر وذكر أكثر يؤكد فكرة النموذج المعرفي ويوضح كيف أن ثمة رؤية كامنة في الآيات متكررة ودائمة لا بد أن يستشفها المسلم المؤمن ليعمل بها، أي أن التكرار في ذاته دعوة للتركيبية والحياتية والعبادة، ومن ثم الإتقان.
- الاختلاف بين النص القرآني وتفسيره (صوت الراوي)
الجانب الثالث الذي يسترعي انتباهنا في القصص القرآني هو ما يسمى في علم السرد Narratology صوت الراوي Voice of the Narrator بمعنى أن القرآن كلام الله لا بد وأن نؤمن بكل ما جاء فيه. لكن تفسير القرآن اجتهاد بشري، ومن ثم يختلف فيه البشر كلٌّ على قدر عمله، وكل على قدر معرفته، وكل على قدر اطلاعه على ما أسماه شيخنا الدكتور على جمعة "نفس الأمر" و "الواقع" أي جوهر Nomen وظواهر Phenomena الأشياء. وأحدهما قد يتغير مع الصيرورة التاريخية وازدياد المعرفة البشرية. فالقدسية للقرآن، ولكن التفسير اجتهاد من قام به؛ من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر الاجتهاد.
وعلى سبيل المثال نجد في قصة أهل الكهف اختلافاً في عددهم وأسمائهم واسم كلبهم وذكر هذا الاختلاف في القرآن في سورة الكهف، حيث قال تعالى: "سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعـدَّتهم ما يعلموهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراءً ظاهرًا ولا تستفت فيهم منهم أحدًا" (سورة الكهف: آية 22).
ويخبرنا كمال الدين الدميري في كتابه "حياة الحيوان الكبرى" كيف اختلف السلف الصالح من العلماء من الصحابة والتابعين والمفسرين في تفسير الآية، وما هي مدينتهم أهي أفسوس أم طرسوس أم غير ذلك، ومدة إقامتهم، واسم كلبهم وغير ذلك، ويبين لنا أيضًا اختلاف صوت الراوي عند كل تفسير وتحيزاته الضمنية الكامنة.
وصوت الراوي المفسر هنا هو ما يسترعي انتباهنا في القصص القرآني، حيث نجد دائما من يربط بين القرآن وبين معرفته التاريخية فيحدث الخلط الذي ذكرنا.
على سبيل المثال يخبرنا "بورخس" في إحدى قصصه عن سؤال سأله "فرح" لصديقه أبي القاسم حول: كم تبعد المدينة عن السور الذي بناه إسكندر ذو القرنين لصد يأجوج ومأجوج. وهنا يتدخل بورخس ويفسر أن ذا القرنين هو الإسكندر المقدوني. هنا قام بورخس تحديدًا باستخدام تحيزاته ومعرفته التاريخية الخاصة لتفسير حدث معيّن، يتضمن استفسارًا حول نص قرآني يقدم قصة. وأعتقد أن لا حرج على بروخس والكاثوليكي، وإنما الحرج هو على المسلم الذي يقع في نفس المأزق وينسى دائماً دور صوت الراوي المفسر، ويعامله على قدم المساواة مع النص، وثمة أمثلة كثيرة على هذا من قبل من يبحثون عن فرعون موسى أو ملك يوسف أو إبراهيم أو من يربط بين سليمان نبي الله والشخصيات التاريخية الأخرى وغير ذلك.
إن مقولة صوت الراوي هنا تضيء لنا أمورًا كثيرة على مستويين:
المستوى الأول هو ما ذكرناه آنفًا من أهمية عدم الخلط بين تحيزاتنا المسبقة وبين النص القرآني. المستوى الثاني هو المستوى المقابل أي ألا نخلط بين النص القرآني وبين المعرفة التاريخية، فعندما نتكلم مثلاً عن ملك إسرائيل سليمان كما ورد ذكره في التوراة وكما نجده في بعض النصوص التاريخية لا يجب أن نغفل دور الراوي. أي لا بد وأن نفرق بين النص القرآني المقدس وبين النصوص الأخرى النسبية القابلة للصدق والكذب والصواب والخطأ.
من كل ما سبق سنجد أن ثمة تأكيداً مستمراً على حقيقة وبنائية ونماذجية القصة القرآنية ونفي لزمنيتها ووقائعيتها القابلة للصدق والكذب.
- التاريخية متعلقة بأسباب النزول فقط
يتبقى جزء أخير؛ فأسباب النزول تاريخية، لكن هذه التاريخية لا تنفي النماذجية البنائية المعرفية الكامنة خلف الآيات في ذاتها، فعلى سبيل المثال في سورة "عبس" ذكر لحادثة ابن أم مكتوم الأعمى مع الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ولكن بعد الحادثة التاريخية ثمة المغزى البنائي الكامن خلفها حيث يقول تعالى: "كلا إنها تذكرة" (عبس:11) أي أن المهم هو التذكر والتفكير.
ب- السيرة والنماذجية عبر التاريخية:
اخترنا قصة الهجرة كنموذج من نماذج السيرة النبوية العطرة؛ مثلاً لو نظرنا في قصة الهجرة من "البداية والنهاية لابن كثير" سنرى كيف اشتملت الكتب التاريخية على السيرة العطرة، وكيف يتم تقديم السيرة في كتاب غير متخصص.
وقصة هجرة الرسول نموذج معرفي رائع؛ بل هي مليئة بالنماذج بدءاً من جرأة وتضحية الإمام على -كرم الله وجهه-، واختيار الرسول لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وأسباب الهجرة وغير ذلك.
وكذلك في الدور العظيم الذي لعبته ذات النطاقين أسماء بنت الصديق أبي بكر، وقصة سراقة البارقي والغار والحمامة والعنكبوت، وكل التفاصيل الدقيقة الموجودة في قصة الهجرة تمثل نماذج لقيم ورؤى معرفية إسلامية كثيرة.
ما نحاول هنا تقديمه هو الجانب السردي لهذه القصة النفيسة، حيث يعمد ابن كثير إلى العنعنات حتى الوصول إلى المصدر الأصلي، فمثلاً في خبر حال أبي بكر يقول: قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدّثه عن جدته أسماء. هذه العنعنات هي بمثابة التوثيق الضروري لتثبيت مصداقية السيرة النبوية، وهي هنا تاريخ ونموذج في آن، ومن ثم الجانب القصصي هنا لا يحتمل الصدق والكذب من باب مصداقية السلسلة التوثيقية الإخبارية وهو فرق كبير في علوم السرد.
من ثم الجانب النماذجي هنا يتأتى من خلال التاريخية ومن خلال تجاوزها أساسًا بحيث إن التاريخية لا تصير عقبة في سبيل نماذجية السيرة العطرة.
ومن أهم الأسباب التي دعتنا لضم السيرة النبوية لفنون الحكي السمعية والبصرية ما سماه الباحث إبراهيم البيومي غانم: ثقافة الوقف، حيث كانت ثمة أوقاف مخصصة لقراءة السيرة النبوية من ابن هشام أو غيره كجزء من استقرار التراث الديني في الثقافة الإسلامية غير الأوقاف؛ أي تظهر الحياتية هنا من خلال الممارسة اليومية المخصصة للتقرب لوجه الله.
ج- القصص الشعبي: ألف ليلة وليلة كنموذج:
أول ما يلفت الانتباه في ألف ليلة وليلة هو عدم وجود مؤلف واحد لها فهي عمل مسبوك محكم يمثل اللاشعور الجماعي للأمة أصدق تمثيل.
هذا العمل الضخم المذهل لا مؤلف له، بل لا يمكن تحديد تاريخ تأليفه بدقة. وثمة إجماع على أنه مؤلف من عدة بلدان، أي لا يمكن تحديد مكان تأليفه كذلك.
تلك التفصيلة الهامة يقابلها تفصيلة داخلية مناظرة، هي أن العمل بأكمله يروى على لسان شخصية واحدة هي الملكة "شهرزاد" بمعنى أن الجهل بشخصية المؤلف/ الفنان القاص يقابله العلم بشخصية الراوي/ الحكواتي الداخلي. وبينما العالم الخارجي عالم ذكور بلا أدنى مجال للشك/ نجد أن العالم الداخلي ينتصر للمرأة ويجعلها تتجاوز محنة قتل النساء بذكائها ومعرفتها المذهلة.
هذه التقابلات الحلمية نتاج لعقل جمعي بلا أدنى شك، لا يعنينا أن نفصل الرموز الكثيرة التي احتواها العمل، ولا أن نفسر معانيها المتعددة القابلة للعديد من التأويلات. ما يعنينا هو الرؤية الإجمالية العامة للعمل. بلا شك: تأثرت أعمال أوروبية كثيرة بهذا العمل الفذ مثل ديكاميرون بوكاشيو وقصص كانتربري لتشوسر، ويمكننا القول: إن الشكل التعددي لقصة داخل قصة قد أثّر في العديد من الكتاب وربما كان بورخس من أكثر من اقتبسوا من ألف ليلة وليلة ونهلوا منها. وفي الأدب العربي الحديث سنجد نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين وغيرهم.
هذا العمل الفذ بدون مؤلف محدد يؤكد صفة الحياتية التي تكلمنا عنها، ويؤكد كذلك نظرة الإسلام للفن من حيث إن العمل النافع للناس أهم وأبقى من الفاعل/ الخالق كما في الفن الغربي. وتتجلى صفة التركيبية في خاصية ثانية من خواص ألف ليلة ألا وهي الدائرية، فالعمل دائري التركيب، حيث القصة تتضمن قصة، والقصة الثانية بها قصة ثالثة.. وهكذا، ثم عودة للقصة الثانية وانتهاء بالقصة الأولى في تعقيد بنائي مذهل. ومثال على هذا "قصة حاسب كريم الدين وملكة الحيات" حيث تقص عليه ملكة الحيات قصة بلوقيا، وداخل قصة بلوقيا قصة جان شاه، وبعدئذ تختم قصة بلوقيا، ثم تختم القصة الأصلية. وناهيك عن هذه التركيبية البنائية فثمة تركيبية عجائبية في التفاصيل المذهلة، حيث الجان والبشر والحيوانات وسائر المخلوقات يتدافعون ويتعايشون في نسق عجائبي مذهل في تركيبته وتعقيده.
ولم يأت اختيارنا لقصة حاسب كريم الدين اعتباطاً، وإنما للروح الإسلامية الفذة التي تشيع فيها وتشع منها، حيث ثمة دعوة دائبة للعبادة، وبشارة بالرسول الكريم محمد -عليه الصلاة والسلام-، وتنقلات مدهشة وغرائبية بقدرة القادر، وإيمان صوفي عميق يلاحظه القارئ وينتقل إليه.
والقصة إجمالاً نموذج مذهل على السمات التي فصلناها حول صفة الإسلامية من حياتية وتركيبية ودعوة للعبادة. وهي كذلك مليئة بالرمزية وبالرموز الجماعية كما أسلفنا.
الخاصية الثالثة في ألف ليلة والتي تتجلى قي قصة "حاسب كريم الدين وملكة الحيات" هي القدرة الفائقة على التواصل مع كافة المستويات، فبينما قد يجد فيها الصوفي والعالم رمزية وثقافة عالية، لن يعدم القارئ العادي المتعة القصصية والسرد اللذيذ الذي يأخذه في عوالم غريبة وينسيه حياته ومتاعبه. وهذه الخاصية التواصلية الفائقة تنبع أساسًا من القدرة الحياتية التي تمتلئ بها القصة، وكذلك من تركيبيتها المذهلة سواء البنائية أو التفصيلية التي أوضحناها فيما سلف.

قضايا معاصرة     بداية     يتبع     عـودة     النهاية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع