|
||||||||||||||||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
جـ - الحكم الشرعي
الأمر أبسط من ذلك كثيرًا، فالحلال بيّن والحرام بيّن، والإسلام لا يحتاج للدفاع عنه، ولا لتبيان أنه حضاري. إن الأصل في الأشياء الإباحة، وكل من قال بالتحريم عليه أن يثبت قوله. الغائيات البسيطة هي المنطق السائد في قضايا الدفاع عن إباحة الفن البصري من قبيل أن تحريم التصوير قد جاء خوفا من عودة الناس لعبادة الأصنام، وهو قول سهل يستخف بعقول الناس ويفترض فيهم السذاجة والبلاهة ولا يحتاج لرد. المحرّم في الإسلام هو التشبيه أي محاولة التشبه بالخالق والاعتقاد في ألوهية أي شيء غيره تعالى. وهى كما أسلفنا الرؤية المعرفية الكامنة خلف الفن الإغريقي حيث يحاول الفنان محاكاة الإله أساسًا كما أوضحنا. وتذخر السيرة النبوية بالأحاديث والمواقف التي تدلل على ما قلناه.
الخط يوضح التماثل الهندسي والعلية المنطقية البسيطة، وهو الأساس المعرفي للرؤية الإغريقية ويؤدي لأن يعتقد الإنسان في قدراته الخارقة ويظن -والعياذ بالله- في نفسه الألوهية. بينما الطبيعة توضح خاصية التناسق والتجانس وتسمح للإنسان بالتأمل فيما حوله، وهذا الأصل يحض على التواضع، ويحفز على الروح الجمعية، حيث الكل دائمًا أهم من الفرد. إنما الروح أمر آخر، هنا ينطلق المرء خارج الطبيعة وخارج المنطق، ويتجاوز الواقع إلى ما وراءه طلبًا لحقيقة خالدة سرمدية. الفرد حين ينظر بعين جسده لا يرى إلا نفسه وما حوله، ولكن عندما تنظر الروح ترى أشياء أخرى، وهنا تتحقق المسئولية الفردية تجاه العالم اجتماعيًا وكونيًا، ويحس الإنسان بالحب كصفة ربانية تمنحه القدرة على رؤية الجمال وتذوقه، ومن ثَم معرفة الخالق -سبحانه وتعالى-. الإشكال الآن هو أن الأصول المعرفية للفن المعاصر في البلدان الإسلامية هي أصول غربية إمبريالية تتناقض مع الرؤية المعرفية الإسلامية. فالفنون المدعوة بالجميلة تنفصل عن التصميم، ومن ثم تبتعد عن المجتمع وتبتعد عن الحياتية، وتلعب دورًا أساسيًا في توكيد فكرة الفنان الأناني الخلاق، وهذه الفكرة ليست من الإسلام في شيء، إن الإسلام لا يقيد الفنون ولا الفنان، فكل فرد حر فيما يفعله، ومسئولية الفرد أمام دينه وأمته والله -سبحانه وتعالى-. والفن في الإسلام عبادي حياتي قبل كل شيء.
كل المحاولات التي تبغي تحديد خواصّ معينة للتشبيه تسقط حتمًا في فخ المحدودية، بمعنى أن ثمة -دائمًا- اعتراضًا على القانون الوضعي الناتج عن اجتهاد البشر، وهذا الاعتراض ناجم عن محدوديته. أما القانون السماوي فأبدي ومطلق نظرًا لحدوديته بمعنى أن ما يفرضه حدود قابلة للتفسير واجتهاد البشر وأحكام غير قابلة للتأويل وإنما هي قاطعة. والعلاقة الجدلية بين فهمنا للنص المقدس المطلق فيما يتعلق بالحدود وبين معرفتنا التاريخية هي التي تشكل دائمًا ما هو حلال وما هو حرام بالنسبة لنا، بخاصة فيما لم يرد فيه نص قاطع، مع الأخذ في الاعتبار بأن الأصل الإباحة وعلينا أن ندرأ الحدود بالشبهات، مصداقًا لقول الرسول -عليه الصلاة والسلام-. ولنا هنا وقفة هامة، فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما مشبهات، لا يعملها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وأن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". هذا الحديث الشريف يتضمن تقسيمًا معرفيًا هامًا للحلال والحرام، فالحكم قاطع كما نرى: "الحلال بيّن والحرام بيّن". ولكنه ينطلق ليوضح أن ثمة "أموراً مشبهات" أي غوامض لا يعرفها الكثير قائلاً: "لا يعلمها كثير من الناس". من ثم فثمة مجال للاجتهاد البشري. ويوصينا الرسول -صلى الله عليه وسلم- "باتقاء المشبهات"، بيد أنه يحذرنا -وهناك فرق كبير بين التحذير والتحريم- من الوقوع فيها. والمثال الذي يضربه هام جدًا، فهو -عليه الصلاة والسلام- يقول: "كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه" يوشك أي يكاد، أي أن الفعل لم يحدث. والحمى يفسرها الرسول -صلى الله عليه وسلم- بوضوح أنها المحارم. أي أن الشبهات قد تؤدي للوقوع في المحارم. ومن ثم يدعونا الرسول -عليه الصلاة السلام- للابتعاد عنها، وهذا الباب يتخذه الكثير من البشر، فهو أدعى للاستبراء. والجزء الأخير من الحديث يمثل التفسير المعرفي للاجتهاد البشري، حيث يربطه بالقلب كمضغة لو صلحت لصلح الجسد كله. ومن ثم فالاجتهاد بالإباحة يتطلب صلاح القلب وخلوص النية والاعتماد على الله.
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||