بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   
مدخل عن إسلامية الفنون

تعريف الفن:
الفن لغة كما يخبرنا القاموس المحيط لـ (الفيروزآبادي) هو: "الحال والضرب من الشيء، وجمعه أفنان وفنون، والطَّرْد والمَطْل والعناء والتزيين، وافتنّ أخذ في فنون من القول..." إلخ
أي أن الفن هنا هو الصنف أو الزينة من كل شيء، بل أنت تقول: فنن الناس أي جعلهم فنونًا أي صنَّفهم.
هذا المعنى العام يجعل المعنى الذي تعارف الناس عليه معنى اصطلاحيًا استفيد من أحد معاني الكلمة، وهو التزيين، فصار الفن: هو ذلك الصنف الجميل الذي نصنفه بوصفه عملاً مميزًا مزينًا يتمتع بصفات الجمال والحسن والزخرف.
من هذا المنحى سنجد أن كلمة Art الإنجليزية والفرنسية كذلك تؤدي نفس المعنى العام والاصطلاحي كذلك؛ حيث إن Art كما في Webster Dictionary "قاموس وبستر" تعني الصنعة، ومنها اشتق اسم Artisan أي حرفي أو صانع و Artist أي فنان وصانع كذلك.
التمايز بين الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية للفن:
الأصل إذن هو أن الفن اسم عام يطلق على كل شيء في الحياة فيه صنعة وحرفة وزينة وتفنن، وتتفق معنا في هذا التعريف وهذه الرؤية الدكتورة لمياء الفاروقي، التي ترى أن إشكالية الفن المتحفي -أي ذلك الذي يعزل في المتاحف والأماكن المغلقة- هي إشكالية غربية في الأساس، وأن الثقافة الإسلامية لا تفرق بين الفنون الجميلة المتحفية والفنون الحرفية -أي تلك التي يقوم بها الحرفيون من أرباب الصنائع المختلفة-.
وفي هذه التفرقة يكمن انفصال أبستمولوجي (معروض) عميق وهوة معرفية سحيقة. لو تقصينا أصل المشتقات Artisan، Artist سنجد أن كلمة Artisan سابقة في الوجود على كلمة Artist؛ حيث إن الأصل في معنى Art هو ذلك الفن الذي يصنعه الجميع، الفن الحياتي المتاح للجميع وغير المعزول عن أي كائن.
ومن ثم فصانع الفن هذا الذي يقدمه للناس ويعمل على نفعهم وتقديم عمل مفيد لهم، أسبق من ذلك الذي يصنع فنًا خاصًا يقدم لمكان العزل أو المتحف.
الأساس في المتحفية هو العزل، والعزل أساس من الأسس المعرفية للحضارة الغربية: التصنيف ثم العزل، حيث ثمة نوعان من العزل؛ عزل المكروه الآخر عن الأنا المحبوب، هذا العزل الذي يتبدى في العيادة والسجن، ويتجلى في تصنيف البشر كأمم راقية وأخرى بربرية همجية.
وهناك النوع الآخر، وهو عزل الجميع لمحبوب الأنا عن الآخر المكروه البغيض الرذيل، وهو الذي يتموضع في المتحف وفلسفة الحدائق الخاصة بالقصور، فالمتحف هو سجن الجمال، الذي يقصد به إبعاده عن الآخر الدنس الذي لا يقدره، فالتحفة الفنية أيا كان مصدرها تعتبر شيئًا خاصًا لا يجب أن يقع داخل دائرة الآخر الدني؛ الذي لا يقدرها ولا يفهمها.
هذه النظرة التصنيفية العزلية تنعكس في مقولة "الفن الجميل" الذي يزين القصور ويُحتفظ به في المتاحف ويُصان عن الاستعمال، وهي الاستقراء المستقيم لرؤية الكون الإغريقية التي قسمت البشر إلى برابرة وآلهة، أي أنا متفوق وآخر متخلف، وهذه النظرة الفنية تجلّت في عصر النهضة وارتبطت بفكرة الفنان/ الصانع/ الخالق؛ أي المعزول عن الإنسان/ العادي/ البسيط، وهي فكرة أيضًا مستعارة من الكلاسيكية الإغريقية؛ حيث يلعب الفنان دورًا محوريًا بوصفه خالقًا ومصورًا مثله مثل الفيلسوف والمفكر.
وإذا كنا نتكلم عن الفن من رؤية إسلامية فلا بد قبل كل شيء أن ننظر في تلك الرؤية ونفحصها قبل أن نحاول البناء عليها دون فحص ولا تمحيص، فنكون كمن يبني على غير أساس ويصعد دون تدبر ويصدق فينا قول الشاعر:
    متي يبلغ البنيان يوما تمامه      إذا كنت تبنيه وآخر يهدم
كان من الطبيعي أن يبحث مفكرو عصر النهضة عن أصولهم الفكرية والمعرفية في الرؤية الإغريقية كما أسلفنا، وهكذا تمت استعادة المفاهيم الجمالية الخاصة بتلك الحقبة، وصار من الضروري الكلام عن التواصل الكلاسيكي النهضوي واستمرارية الرؤية الإغريقية الرومانية، لأنها تمثل التأسيس المعرفي الذي قامت عليه الحضارة.
وأول ما يسترعي انتباهنا في تلك العودة هي الدور الحياتي الذي كان الفن يلعبه في صدر الإسلام، بمعنى أن الفنان كان في الأساس صاحب مهنة يؤدي وظيفة اجتماعية من خلال إتقانه لحرفته وأدائه لعمله على الوجه الأكمل، فالنحَّاس والنقَّاش والبنَّاء والنجَّار كلهم أصحاب حرف، وهم فنانون يعملون من أجل الحياة لا من أجل المتحف والعزل.
الفن هنا كاللغة إبداع يومي حياتي على حد تعبير تشومسكي في كتابه "اللغة والعقل"، إبداع متاح للجميع بل مفروض على الجميع. في الإتاحة والفرض يكمن الفرق بين الفن في الرؤية الإسلامية والفن في الرؤية الغربية وتكمن القطيعة بينهما.
الإتاحة تجعل بوسع كل فرد أن يصير فنانًا في مجاله، الإتاحة هي قدرة ذاتية داخلية من خواص الجنس البشري، فالإبداع والإتقان ومن ثم الفن كجزء من الحياة متاح للجميع، أما الفرض فيتأتى من فكرة الإتقان في العمل والحض عليها والدعوة لها وفي الحديث: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، فالجمال صفة من صفات الخالق -سبحانه وتعالى-، وعن أبي أُمامة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله جميل يحب الجمال"، ويقول تعالى: "وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ" (القصص:77).
الفنان هنا هو الصانع، هو الحرفي، هو كل فرد يتقن عمله ويؤديه، في مقابل ذلك جاءت الفكرة النهضوية التي تكرست مع الرومانسية التنويرية، التي ترى الفنان مختلفًا ملهمًا مبدعًا خالقًا، فكرة حلولية تحاول جاهدة أن تجعل البشري إلهيًا من خلال حلول الإله داخل الإنسان/ الفائق.
في التعارض بين الفنان الصانع والفنان الخالق الذي ينبثق من التعارض بين الفن الحياتي المتاح والفن المتحفي المعزول: يكمن الفرق بين رؤية معرفية إمبريالية عزلية تعمل على نفي الآخر وقهره واستلابه، وأخرى اتساعية قبولية تتيح للاختلاف أن يترعرع وينمو ويتدافع الناس لكيلا تهلك الأرض.
ولكل رؤية ثمة نموذج أولي يحدد طبيعة الفن الذي تنتجه.
وعلى العكس مما يذهب إليه كثير من النقاد أن الفن محاكاة للطبيعة أعتقد أن الأمر ليس بهذه السهولة. إن من يرى أن الفن محاكاة للطبيعة ينطلق من رؤية معرفية تعتقد أن الإنسان كان صفحة بيضاء وانطلق ينبهر بما حوله، وهي رؤية تتطابق مع الرؤية الإمبريالية الغربية التي تفترض أن العقل البشري صفحة بيضاء يمكن تشكيلها كما نهوى وكما نحب.
الفنان الذي يحاكي الطبيعة هو شخص بلا ماضٍ ولا هوية ولا تاريخ ولا خبرة مركبة معقدة، باختصار بلا روح ولا نفس.
إذن ماذا يحاكي الفنان في الرؤية الغربية ذات الأصل الإغريقي؟ الفنان في تلك الرؤية يحاكي الإله، إنه يصنع الآلهة على صفة البشر ويضفي عليهم صفات بشرية، في محاولة منه للتشبه بالإله، ما يصنعه الفنان هنا هو تشبه بما صنعه الإله وأنتجه.
إن الفن في الرؤية المعرفية الغربية لم يكن محاكاة للطبيعة بل كان في الأساس محاكاة للإله في محاولة لإعادة خلق الطبيعة. كان تعبيرًا عن رؤية الإنسان كسيّد الكون بلا منازع، ومن ثَم من حقه أن يفعل ما يشاء بما وبمن يشاء.
إن التماثيل الإغريقية الرومانية لا تمثل بشرًا، وإنما ما يجب أن يكون عليه البشر، إنها معيارية Normative مثالية Ideal ، بينما البشر مختلفون متنوعون وكل فرد فذ حتى في صفاته التشريحية. الرؤية الأخرى نموذجها الأولي هو الإنسان، النسق الفني أصله الإنسان، وهدفه الإنسان، ومحوره الإنسان، النموذج الذي ينطلق منه ويعود إليه هو الكائن البشري، سيد الكائنات، خليفة الله في أرضه، ومن ثَم تحاول تلك الرؤية إسعاد الإنسان.. كل إنسان، وإمتاعه وإعطاءه قيمة عليا متجاوزة في كل عمل يستخدمه ويعايشه.
هذا الإنتاج الفني الذي يتمظهر في كل الأشياء الحياتية، ويتجلى في كل الممارسات الإنسانية، هو ما يميز الرؤية المعرفية التي نطلق عليها لفظ الإسلامية.
إشكالات حول "إسلامية" الفن:
ومن ثَم لنا أن ندخل في تحليل الجزء الأخير من السؤال البدهي، ألا وهو صفة الإسلامي فما هي الإسلامية التي يمكنها أن تحدد المنعوت -وهو الفن- وتميزه فتجعله نسقًا قائمًا بذاته منفصلاً عن غيره؟ هل الإسلامية صفة تاريخية، أي تنسحب على فترة تاريخية معينة، وإن كانت كذلك فما هي تلك الفترة؟ هل هي فترة ذروة الحضارة الإسلامية إبداعيًا؟ أو هي فترة الفتوحات الواسعة؟ أم هي بعد ذلك؟
أم هل الإسلامية صفة مكانية، من ثم ترتبط بمكان معين أو حاضرة بعينها؟
وهذا السؤال عن المكانية مثله مثل السؤال عن الزمانية يطرح إشكالية التعددية والتنوع داخل النسق كما سنرى.
أم الإسلامية صفة مرتبطة بالفعلية؛ بمعنى أن ثمة فعلاً يمكن قرنه بهذه الصفة، وفعلاً آخر لا يمكن قرنه بها ولا إضافة هذا النعت له.
أم تُرى الإسلامية صفة تنبع من الفاعلية، أي أنه كلما كان الفاعل مسلمًا كان الفعل إسلاميا والمنتوج إسلاميا كذلك، بغض النظر عن صفاته البنائية وخصائصه المميزة؟
كل هذه التساؤلات باختصار هي تساؤلات عما يجعل الإسلامي إسلاميًا، وهي قديمة قدم الصفة ذاتها وقدم خاصية التفكر والنظر، والاجتهادات في هذا الصدد كثيرة، وكل الإجابات مقبولة وصحيحة.
وهذا التنوع في الإجابة لا يدل على غموض، وإنما على ثراء وتكثيف الصفة في ذاتها بحيث إننا يمكننا أن نتكلم عن إمكانياتها المكانية والزمانية والفعلية والفاعلية والبنائية في آن.
وكمثال على الزمانية سنجد أن معظم من تكلم عن الفن الإسلامي إنما اختاروا الكلام عن حقبة الحضارة الإسلامية في ازدهارها الإبداعي، وضربوا الأمثلة من بقاع متفرقة من سمرقند في الشرق وقرطبة في الغرب، ومن أشبيلية في الشمال حتى تمبوكتو في الجنوب مرورًا بالقاهرة وتبريز وأصفهان وخراسان ورشيد وبانيالوقا وأستانبول وغيرها.
بمعنى أن النقاد الذين اختاروا الزمانية كمحدد رأوا في المكانية والتعددية صفة ثانوية تؤكد خصوصية النسق الذي بنوه.
بينما نجد أن من تعصب للمكانية فتكلم عن الأندلسي والمصري والمغربي والتركي والفارسي بل والسمرقندي والقمي وغير ذلك من صفات مكانية، قد شد عينه وجذب انتباهه التنوع والخصوصية الكامنة في كل مكان؛ فحولت انتباهه عن العناصر العمومية الممتدة عبر المكان وعبر الزمان.
ونجد أن الفعلية تتجلى بالخصوص في فن الخط العربي، حيث المنتج والفعل مرتبط بالإسلام أساسا من خلال ارتباطه باللغة وجماليات الحرف العربي كنسق وحرفة أرسيت دعائمها منذ أقدم العصور الإسلامية، وسنرى هنا أن الفعلية قد جاوزت المكان، فهناك ابن مقلة وإنتاجه من بغداد، وهناك عبد الله هاشم وإنتاجه من إستانبول. وجاوزت الزمان، فها هو هلال العراقي العباسي، وهاكم محمد إبراهيم المصري المعاصر فهي صفة نبعت من المنتج والفعل في ذاته.
أما الفاعلية فهي صفة جديدة لم تكتسب مشروعية بعد، ولا أظنها تكتسبها.
فالقول: إن الفنان المسلم ينتج فنا إسلاميًا هو قول أعرج يفترض أن الإسلام ملة توضع في خانة من خانات بطاقات الهوية، ومن ثم تنسحب منه صفات تضفي على إنتاج وفعل صاحب هذه البطاقة خصوصية ما. إنما الإسلام عقيدة حياة ورؤية معرفية متكاملة ودين بالمعنى الشمولي للكلمة، حيث يتخلل كل جزئية من جزئيات من يعيش في كنفه، ومن ثم قد تكون ملة الصانع أو الحرفي غير الإسلام، ولكن نتاجه الحضاري الجمالي من فن وصنعة هو إسلامي بلا مراء.
كذلك ثمة إشكالية أخرى تجعلنا لا نقبل الفاعلية كأساس تصنيفي، حيث إن الفن في الرؤية الإسلامية المعرفية هو نتاج حياة، من ثم الجميع متاح لهم كما أوضحنا أن يصيروا فنانين بل هو فرض على كل منتج أن يتقن عمله ومن ثم أن يخرج فنا كما أسلفنا.
ومن ثم تنتفي صفة الفنان ذلك المتفرد المبدع الذي لا يدانيه فرد ولا يماثله إنسان. وبالتالي تفقد الفاعلية قوتها، وتتحول الفردية الذاتية إلى فردية تنوعية تعددية تتيح لكل ذات فاعلة أن تبدع في كل مجال تمارسه.
نظن -بعد أن أوجزنا خصائص الصفة من حيث الزمانية والمكانية والفعلية والفاعلية وعرفنا كلا منها- أن الأساس الذي تُبنى عليه صفة الإسلامية هو تلك الرؤية المعرفية التي تشمل كل جوانب الحياة وتستوعب الآخر، بل وتحض على انتمائه داخل المنظومة الحياتية المتكاملة.

قضايا معاصرة     بداية     يتبع     عـودة     النهاية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع