خامساً: العلاقة بين العمل الأهلي والدولة في الخبرة الحضارية لأمتنا
الخطاب الغربي لمفهوم "المجتمع المدني" (ولا أقول الخطاب العالمي لأن الغربي لا تضم العالم كله) يتضمن فيما يتضمن مقابلة وصراعاً -كما قدمت- بين الدولة والمجتمع، وهذا في جزء كبير منه نتاج الخبرة الحضارية الغربية في بناء الدولة القومية؛ التي قامت على نظرية العقد الاجتماعي التي هي في جوهرها تعتمد على فكرة افتراضية تقوم على تنازل الأفراد عن جزء من سلطانهم لصالح الدولة من أجل صالح الجميع.
وهذه النظرية تختلف كلياً عن نظرية نشأة الدولة في التصور الإسلامي؛ فالأمة هي التي أنشأت مؤسسة الدولة، كما أنشأت بجوارها العديد من المؤسسات التي تستهدف منها تحقيق ذاتيتها ومثاليتها. ففي البدء كانت الأمة.
الأمة استطاعت أن تقدم مفهوماً للعمل الأهلي يختلف بالكلية عن الخبرة الغربية في مجال المجتمع المدني، هذه الخبرة جوهرها قدرة كل من الدولة (السلطة) والأمة أن تصنع مجالاً مشتركاً بينهما مع وجود مجالات منفصلة لكل منهما عن الآخر، فالأمة التي تنهض بنفسها وتؤسس فاعليتها وحركتها ومشاركتها، ليست بديلاً عن الدولة ولا مزاحمة لها، وإنما موازية ومتكاملة معها. العمل الأهلي الفاعل -إذن- هو مصدر من مصادر قوة الدولة والأمة معاً، أما كونه مصدراً من مصادر قوة الأمة فبما يمكن أن يوفره من مؤسسات تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وبما يمكن أن تقدمه تلك المؤسسات من خدمات في مجالات الحياة المختلفة.
أما كونه مصدراً من مصادر القوة للدولة، فبما يمكن أن يخفف عنها من أعباء القيام بتلك الخدمات، وإدارة تلك المؤسسات ومراقبتها، فالرؤية الإسلامية في هذا الشأن هي أنه يجب ألا تمتد يد الدولة إلى عمل أو مهنة يمكن أن يقوم به أو بها المسلمون أفراداً أو جماعات.
وبهذا المعنى يمكن أن يكون العمل الأهلي أحد أهم آليات ضبط العلاقة بين الأمة والدولة ضمن إطار تعاوني غير صراعي، لا يُسمح فيه للدولة بالتضخم على حساب الأمة أو السيطرة عليها بحجة توفير الخدمات العامة، بينما هي تحتكر المبادرات الاجتماعية وتصادر الجهود التطوعية، كما لا تتلاشى فيه سلطة الدولة أو تصبح ضعيفة، وإنما تظل حاضرة وقوية في حدود وظائفها الأساسية التي لا تتخطاها بالتدخل في الشئون الأهلية.
بعبارة أخري: العمل الأهلي يمكن أن يكون مجالاً مشتركاً بين السلطة والأمة، وليس مجالاً للصراع بين الطرفين كما هو مطروح في مفهوم "المجتمع المدني"، فهذا الصراع المفترض بين المجتمع والدولة في مفهوم المجتمع المدني من شأنه أن يضعف كلاً منهما في واقعنا العربي والإسلامي، وهذا هو خطورة نقل خبرة حضارية من واقع لآخر دون إدراك خصوصياته وتوظيفاته في الواقع الجديد.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه إذا كانت نشأة المجتمع المدني في الخبرة الغربية قد أحاطت به ظروف الصراع بينه وبين الدولة، إلا أن الاثنين معاً قد استطاعا تطوير علاقة "شراكة" أو اعتماد متبادل بينهما بهدف تحقيق مقاصد وجوهر الحضارة الغربية. فالتصور السائد الآن في الدراسات المتعلقة بموضوع المجتمع المدني ترى أن المجتمع المدني القوي أو العمل الأهلي القوي يكون موجوداً في دولة قوية؛ أي أن هناك علاقة طردية بين قوة المجتمع المدني وفاعليته وبين فاعلية الدولة، وغير صحيح أن هناك علاقة عكسية بين القطاع الأهلي وفاعليته وبين فاعلية الدولة، لأن الدولة حين تكون قوية، فإنها تثق في القطاعات الأخرى، والثقة دائماً لا تكون إلا من الدولة القوية التي وصلت إلى مستوى مستقر من القوانين والمؤسسات.
وهذا التفاعل الصحي أو الثقة المتبادلة بين القطاعات الثلاثة (القطاع الحكومي، والقطاع الخاص، والقطاع الأهلي) في داخل الوطن الواحد تُوجد مؤسسات مشتركة تتكون على الحواف بين القطاعات الثلاثة، وهذا يُوجد قدراً من التشبيك بين الثلاثة بغرض خدمة الأهداف والمصالح المشتركة.
قضايا معاصرة
البداية
عودة
|
|
|