|
||||||||||||||||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
فالإرادة الفردية تتأكد حين يتحول الفرد إلى "شارع"، ليس عبر حركة الاجتهاد التي قررها الإسلام لكل مسلم اجتمعت فيه شروط الاجتهاد، ولكن من خلال ممارساته الأهلية والاجتماعية أيضاً، كما ظهر ذلك في مسألة الوقف. وإن تأكيد دور الفرد يسمح له بالوقوف أمام تغول كل من السلطة أو الدولة والمؤسسة، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى استعادة دور الفرد الذي لا يمكن تصوّره موجوداً أو فاعلاً في واقعنا القائم إلا في إطار مؤسسة، على الرغم من أنه هو الذي ينشئ المؤسسة ويعطى لها فاعليتها. ومن المفاهيم الجوهرية لمسألة العمل الأهلي مفهوم "الأمة" التي هي أيضاً في الرؤية الإسلامية "أمة شارعه"، أي لها دور تشريعي، ويجد هذا الدور التشريعي سنده في أحاديث الرسول(ص) التي جعلت للأمة دوراً تشريعياً تقوم به بجوار العلماء والمجتهدين؛ فما "يراه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" . و "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، وقد تمثّل هذا الدور التشريعي للأمة في شكلين: الأول : الرضاء والقبول الاجتماعي لاجتهادات الفقهاء والمفتين، الذي جعلها تتحول من مجرد آراء واجتهادات إلى نوع من الإلزام القانوني. الثاني: اعتماد الفقهاء والأصوليين للعرف كأحد الأدلة الشرعية، فالعرف ما اعتاده الناس وساروا عليه في أمور حياتهم ومعاملاتهم من قول أو فعل أو ترك، ولا يخالف دليلاً شرعياً ولا يحل محرماً ولا يبطل واجباً، "فالعادة شريعة محكمة"، كما قال الأصوليون. إن إعادة الاعتبار لمفهوم الأمة يحمل في طياته "رادعاً اجتماعياً" يجعل محاولة الخروج على أحكام الإسلام وشرائعه أمراً بالغ الصعوبة، ذلك إن من أهم الآثار التي تنتجها الرؤية الإسلامية أنها تعطي للأمة وحدة فكرية وتشريعية وإدراكاً واحداً لكل ما له صلة بالإسلام، مما يدعم كيانها ويقوى بنيانها ويربط شعوبها برباط التضامن والتكافل، ويحميها من مخاطر التجزئة الفكرية والسياسية، ويجعل أية محاولة للخروج على هذه الشرعية تحمل عقاباً اجتماعياً تفرضه الجماعة المسلمة على المنتهكين لحرمة شرعيتها وشريعتها، خاصة إذا تضافر مع ذلك وتساند معه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ذلك الفرض الكفائي الذي يجب على العالِم كما يجب على السلطان، وهو كذلك واجب على الأمة في مجموعها حسب الوسع، يؤديه المسلم حسب طاقته. فالمعروف هو كل ما ينبغي فعله أو قوله طبقاً لنصوص الشريعة، والمنكر هو كل قول أو فعل لا ينبغي فعله طبقاً لنصوص الشريعة.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يخلق حالة من الوعي الجماعي بالمثالية الإسلامية التي تؤكد المسئولية الجماعية والتضامنية، ويجعل من الجماعة المسلمة كلاً مترابطاً وجسماً واحداً، مما يتعين معه أن يحفظ الجسم بعضه بعضاً ويتداوى بذاته من داخله، وهو ما يضمن للجماعة الإسلامية أن تكون قادرة على أن تفرز من داخلها وسائل حمايتها الذاتية ووسائل تجددها. وكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً شرعياً يعني أن من أوجب واجبات المسلم أن يحفظ كيانه، فالواجب الديني في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرتبط بالواجب الاجتماعي ويتصل به على وجه الاختصاص، لأن السكوت على ترك المعروف وعلى فعل المنكر يعني نشوء انتهاك الشرعية في السلوك الاجتماعي وبما يؤدي إلى استفحال الأدواء وتمكنها من المجتمع بحيث تنفك عروة الجماعة، ويفسد قوامها، وتضيع مسئولية الفرد، وتتحلل قوى التماسك في المجتمع. ويحول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مساهمة ومشاركة المواطن في العمل العام إلى واجب ديني وحق يأثم إن تقاعس فيه مع القدرة عليه، ويثاب إن أداه على وجهه. ولقد مثلت مؤسسة الحسبة في الخبرة الحضارية لأمتنا تجسيداً لواجب وحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتبارها ولاية مقصدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله. وهي تمثل واجباً عاماً على جميع المسلمين ولا تخص قوماً دون قوم، ولا يشترط لوجوبها تكليف يصدر عن الإمام أو ولي الأمر، فحيث وجد معروف ظاهر تَرْكُه، أو منكر ظاهر فعله فقد علق في ذمة المسلمين واجب الأمر أو النهي عنه، وهو واجب لا يسقط عنهم إلا بالأداء، ولا يسقط إثمه عن الأمة جميعاً إلا أن يؤديها عنها البعض منها. |
|
||||||
|
||||||
|
||||||