يلاحظ أن الدولة العربية قد بلغ دورها التوسعي -باعتبارها أداة تحقيق وإنجاز التنمية- منتهاه في السبعينيات من هذا القرن، بعد أن كان قد بلغ ذروته في الخمسينيات والستينيات، فمنذ السبعينيات أدت مسيرة الأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية -داخلياً وخارجياً- إلى إجبار الدولة العربية على التراجع عن العديد من وظائفها الاجتماعية والاقتصادية بل حتى السياسية والثقافية التي أدتها في الخمسينيات والستينيات.
ويبدو أن هذا التراجع قد عبّد الطريق لطرح فكرة المجتمع المدني في العالم العربي، حيث نشطت بعض الفاعليات من نقابات وأحزاب لمحاولة ملء الهامش السياسي الذي أتاحته الدولة ذاتها، إلى أن الأهم أن تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي والاقتصادي الذي تحملت عبأه في الخمسينيات والستينيات حين تحولت إلي مُطعم وكاسٍ وموظف لجميع رعاياها، هذا التخلي أو التراجع عن أداء هذا الدور حفز قوى المجتمع لمحاولة تغطية احتياجاته الأساسية التي لم تعد الدولة توفرها له، وهنا برزت فعاليات الجمعيات الخيرية الإسلامية وغير الإسلامية، وخاصة في الدول غير النفطية، حيث ظلت الدول النفطية لمنتصف الثمانينيات ملتزمة بتوفير هذه الاحتياجات الأساسية لمواطنيها في ظل ارتفاع أسعار النفط في منتصف السبعينيات.
لا شك أن التطورات الدولية التي أحاطت بالمنطقة قد دفعت لانتشار مفهوم المجتمع المدني في واقعنا العربي، في هذا السياق يمكن رصد عدد من التطورات كانت بمثابة قوة دفع للمفهوم: أولها سقوط الاتحاد السوفيتي الذي تم بـ وعلى يد قوى "المجتمع المدني" وقتها، وقد أدى هذا السقوط إلى توهم كثير من المثقفين العرب على اختلاف اتجاهاتهم بقرب تكرار التجربة في واقعنا العربي، وتواكب مع سقوط الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج الثانية تدشين مفهوم "النظام الدولي الجديد"، وهذا النظام يتطلب أيدلوجية يروج بها لممارساته، فكانت منظومة حقوق الإنسان والديمقراطية والمجتمع المدني باعتبار الأخير أداة إنجاز التحول الديمقراطي.
أما ثاني التطورات الدولية الهامة فكان مؤتمرات الأمم المتحدة الكبرى التي عقدت حول القضايا المصيرية في العالم: كان أول هذه المؤتمرات هو مؤتمر ريودجانيرو المدعو بقمة الأرض سنة 1990م، وثانيها: مؤتمر فيينا المدعو قمة حقوق الإنسان سنة 1993م، وثالثها: مؤتمر السكان بالقاهرة 1994م، ورابعها: مؤتمر التنمية الاجتماعية بكوبنهاجن 1995م، وخامسها: مؤتمر المرأة في بكين 1995م، وآخرها: مؤتمر المستوطنات بإستانبول بتركيا 1996م.
هذه المؤتمرات جميعاً تأتي نتيجة الإحساس بالحاجة لعالم يشارك فيها الجميع، وكان من ضمن الجميع الذي دُعي للمشاركة هي مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، حيث كان في كل قمة من القمم الست مؤتمران في وقت واحد؛ الأول للوفود الرسمية والثاني للوفود غير الرسمية، وكان الثاني يعقد قبل الأول بأيام قليلة حتى يخلص المؤتمرون إلى رؤيتهم بشأن الوثيقة التي ستصدر عن المؤتمر الرسمي، وكانوا يسعون إلى لعب دور في صياغة الوثيقة الرسمية.
وهكذا فإن مؤتمرات الأمم المتحدة قد دشنت بحق منظمات ومؤسسات المجتمع المدني باعتبارها شريكاً في صياغة مستقبل البشرية، وتواكب مع ذلك أيضاً، وهذا هو التطور الدولي الثالث، أن العالم بات يشهد عدداً من الفواعل الدولية التي تصيغ العلاقات الدولية بخلاف الدول، في هذا الصدد يمكن أن نشير إلى الشركات متعددة الجنسيات، ومنظمات الإغاثة العالمية مثل أطباء بلا حدود، وأجهزة الإعلام، ومنظمات حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية. وقد ترتب على ذلك زيادة الحديث عن "المجتمع المدني العالمي"، و"التحالف العالمي لمشاركة المواطنين"، و"دعم المجتمع المدني في العالم". هذا التطور انتقل من التبشير بالفكرة والدعوة إليها إلى إنشاء مؤسسات وتدشين مشاريع بحثية، وتوفير تمويل ضخم أخذت به الفكرة قوة دفع جديدة.
جزء من البواعث الأكاديمية يرتبط بتطور دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأمريكية أساساً، والجزء الآخر يرتبط برؤية الأكاديميين العرب وأولوياتهم البحثية: ويلاحظ -في هذا الصدد- أن دراسات المجتمع المدني التي اهتم بها الأكاديميون الغربيون هي امتداد لتقاليد جديدة في دراسات الشرق الأوسط التي ظهرت في فترة سابقة كمعارضة للدراسات الاستشراقية التي انصبّ اهتمامها أساساً على الأبعاد الثقافية للمجتمع العربي، وأصبح الاتجاه ينحو أكثر في دراسات الشرق الأوسط نحو العناية بخصوصية الواقع العربي، فكان التأكيد على الدور الممكن للمبادرة الأهلية في العملية السياسية.
أما الأكاديميون العرب فرأوا في قضية المجتمع المدني فرصة لدراسة قضايا وموضوعات جديدة، بعد أن انصب جُل تركيزهم في حقل العلوم السياسية -سابقاً- على الدراسات التي تدور حول الدولة أساساً ونظامها السياسي. ودعم من هذا التوجه حجم التمويل الكبير نسبياً والمتاح في هذه الدراسات.
قضايا معاصرة
البداية
يتبع
عودة
النهاية
|
|
|