|
||||||||||||||||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
د.عبد الوهاب المسيري:
حاوره د. أسامة القفاش
كيف تتصور فكرة نهاية التاريخ ؟
أضع فكرة نهاية التاريخ ضمن منظومة الحلولية و العلمانية الشاملة، فالغرب منذ البداية يعاني من مشكلة الرؤية الحلولية التي ترجمت نفسها في تفكير عضوي. الغرب يستخدم الصورة المجازية العضوية لإدراك العالم.ومشكلة الصورة المجازية العضوية هي أنها دائمًا حل مغلق. فالتاريخ كنمو لا بد أن يصل لمنتهاه كما هي الحال عند هيجل. فحتى النمو نموذجه عضوي كالنبات ولا بد أن يصل لمنتهاه.
هل ستؤدي التأثيرات الجديدة لثورة الاتصالات والتغيرات الحادثة في الاقتصاد العالمي إلى إفقاد
النقود قيمتها، وبالتالي إضعاف سلطة الاقتصاد؛ ومن ثم السياسة والدولة بمفهومها القومي أو القطري. ومن ثم ظهور نمط مغاير لنموذج "فوكوياما" المقترح كنهاية للتاريخ؟ سيؤدي إضعاف الدولة إلى ظهور أطراف مختلفة متنوعة متعددة، ليست ضعيفة، مكتفية ذاتيًا إلى حد بعيد، لها مؤسساتها الخاصة التي تتحرك داخل المنحنى التاريخي الخاص بها، ويتشكل لهذه الأطراف نوع من الاقتصاد ذو طابع مختلف، فهو ليس اقتصادًا نفعيًا تعاقديًا محضًا، وإنما هو اقتصاد مفعم بالعلاقة الإنسانية، فهذه الأطراف ما هي إلا وحدات صغيرة. فلا يجب أن ننسى أن فكرة الدولة الضخمة المتغوّلة قد تطورت نتيجة لتغول وتضخم الوحدات والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية الإنسانية، ومن ثم يتغلب الكم على الكيف. لأنه مع تضخم الوحدة لا يتبقى معيار قياسي إلا الكم، وتنمحي الاختلافات الكيفية والأذواق والفروق بين البشر. على سبيل المثال في الاتحاد السوفيتي السابق، كان على الحكومة المركزية التعامل مع ملايين البشر من العاصمة موسكو، ومن ثم نتج عن هذا إنتاج نمطي وأوامر نمطية تسري على الجميع وتنطبق على الجميع، والمعيار الوحيد ماديّ كميّ نمطيّ وإلا كيف سيتم التعامل والسيطرة على هذه الملايين؟ بينما لو كانت ثمة جماعة موجودة على الأطراف في كازاخستان -على سبيل المثال- ولها مؤسساتها الخاصة، وإيمانها الخاص بها، ورؤيتها الحضارية الذاتية، هنا يلعب عنصر الكيف دوره، ويصبح لذواق هذه الجماعة وأفرادها أهمية. ومن هنا أرى دقة مفهوم إضعاف السلطة وإفقاد القيمة، لأنه لن يحدث إلغاء وإنهاء للدولة وإنما إعادة للاقتصادي والسياسي إلى حجمهما المحدد ضمن النشاطات الإنسانية المتعددة. في النمط الإسلامي -على سبيل المثال- كانت الدولة على الرغم من قوتها واتساعها لا تتحكم تحكمًا مركزيًا شموليًا في الأطراف. فقوتها كانت قوة رأسية وليست قوة أفقية ممتدة. فهي تتحكم في الجند والبريد مثلاً، ولكن التشريع لم يكن من ضمن المؤسسات التي تتحكم فيها الدولة أو مركز الدولة، فالفقهاء هم الذين كانوا يشرعون، وقد رفضوا منذ البداية التنازل عن هذا الدور للدولة. ومن ثم استمرت الدولة تلجأ للفقهاء لاكتساب الشرعية. وظل الفقهاء في كل مكان هم مصدر الفتوى في كل الميادين الحياتية بكل متنوعاتها.
ومن ثم فمن خلال تنظيم إداري لامركزي مثل هذا يمكن إعطاء دفعة لدور الفرد، وتغيير النموذج السياسي والاجتماعي والاقتصادي المتحقق حاليًا. وبالمناسبة فهذا التنظيم الإداري الرأسي الراسخ كان هو تنظيم الإمبراطوريات القديمة متعددة الجنسيات، التي كانت تتحكم في الضرائب والجيوش وكانت تترك الناس وشأنهم. فالإمبراطورية الفارسية على سبيل المثال، كانت لامركزية تمامًا في تنظيمها الإداري. وعمليًا ورثت الدولة الإسلامية هذا التنظيم الإداري الفارسي الذي كان أكثر في لامركزيته من التنظيم الإداري الروماني، الذي كان لامركزيًا أيضًا. بل يمكننا القول إن النظم الإدارية الأوروبية في العصور الوسطى كانت لامركزية أيضًا. كانت الدولة رخوة تتيح للجماعات الطرفية والمختلفة الداخلية فيها قدرًا كبيرًا من حرية اتخاذ القرار في مجالات إنسانية عديدة. وكانت السلطة المركزية الرأسية تتحكم فقط في الجندية أو جمع الضرائب. وكان التعامل يتم بين هذا المركز وبين جماعات عديدة كالحرف والطوائف والجماعات العرقية وغيرها من خلال الرؤساء والقواد. ولم يكن التعامل يتم بين الدولة كجهاز إداري بيروقراطي متغول ضخم وبين الأفراد مباشرة كما هو الحال في نموذج الدولة القطرية ذات الطابع القومي. هذا النوع من التعامل أتاح حيزًا ضخمًا للحركة والاستقلال لهذه الجماعات؛ ومن ثم أرى أنه يجب إعادة دراسة هذه الإمبراطوريات وبالذات التشكيل الحضاري الإسلامي من خلال هذه المفاهيم الجديدة حول إضعاف سلطة الدولة، وإفقاد الاقتصاد المركزي المحوري قيمته. فطريقة دراسة هذه الإمبراطوريات كانت دائمًا وأبدًا من خلال النموذج الغربي الحداثي المبني على فكرة الدولة القطرية ذات الطابع القومي. ومن ثم اعتبرت تلك الإمبراطوريات والدول متعددة الجنسيات على أنها دول شائهة أو دول في طور التكوين. مع أنه بعد حدوث الكوارث العديدة التي حاقت بالإنسانية نتيجة لتغول الدول القومية بدأنا في البحث عن نظم إدارية جديدة تسمح بظهور الأطراف القوية، والتي تتمثل فيما يطلق عليه اسم المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية، والجمعيات الأهلية، وتجمعات الحرف وهكذا..
وفقًا للنموذج الذي طرحته، يصبح من الممكن إعادة تشكيل تكوينات سياسية متسعة لا مركزية على غرار الدول الإمبراطورية القديمة مع تجاوز مشاكلها وعيوبها، باستخدام القيم الأخلاقية المستمدة من الأديان والتقنية الحديثة التي هي نتاج التقدم العلمي. ومن ثم ينقلب نموذج فوكوياما رأسًا على عقب فنحن لا نشهد نهاية التاريخ، وإنما بداية لتاريخ مستعاد.
- أعتقد أن هذا هو ما عنيته بمفهوم الحداثة غير المنفصلة عن القيم. فعندما نتكلم عن حداثة غير منفصلة عن القيمة فنحن نتكلم عن حداثة تحترم الكيف.. حداثة تحترم الخصوصية، وتحترم الحيز الإنساني المنفصل عن الحيز الطبيعي أو حيز الأشياء. يجب أن ندرك أن الحداثة الغربية قد بنيت في الأساس على مقولة وحدة العلوم حيث ثمة قانون واحد ووحيد يسري على الإنسان والأشياء على حد سواء. وهو قانون طبيعي ومادي في نهاية الأمر. وهو مستمد من الطبيعة وعالم الأشياء ويمكن تطبيقه على الإنسان كذلك. ومن ثم يصير الإنسان جزءاً من عالم الأشياء أي يتشيَّأ البشر. لقد بدأت الحداثة الغربية بسحب الأشياء من عالم الإنسان ووضعتها في عالم الأشياء، ثم انتهت إلى سحب الإنسان ذاته من عالم الإنسان وجعلته شيئًا ضمن عالم الأشياء. وحدث كل هذا تحت اسم وحدة العلم وهو ما أطلقت عليه اسم "واحدية العلوم" سواء أكانت هذه الواحدية ذات رداء علمي أو مادي أو طبيعي فلا فرق. وأعتقد -والآن ثمة العديد من المفكرين في الحضارة الغربية ممن يشاركونني هذا الرأي- أن هذا التفكير قد أودى بالخالق وبالطبيعة وبالإنسان كذلك. ومن ثم لا بد من استعادة ثنائية الإنسان/الطبيعة. التي لا يمكن وجودها إلا عبر ثنائية الخالق والمخلوق. ومن هنا نفهم كيف يفسر نموذج الحلولية كرؤية كونية فكرة نهاية التاريخ وإلغاء الفعل الإنساني. فالحلولية بالأساس تلغي ثنائية الخالق والمخلوق وتنتج وحدة الوجود والتي تتجسد في وحدة العلوم أي واحدية الوجود.. وواحدية العلوم.. وواحدية المادة، فلا وجود لسقف غير السقف المادي.
حيث وصف الكاتب التشيكي الكبير ورئيس الجمهورية في تشيكيا حاليًا "فاتسلاف هافل" المجتمع الشيوعي في بلاده قائلاً:" إنه لأول مرة في التاريخ البشري تجد حضارة سقفها هو السقف المادي، فباستمرار كان ثمة موقف متجاوز للمادية. فسواء عبدت هذه الحضارة الإله، أو عبدت الشيطان، أو عبدت الأوثان، ثمة دائمًا طبيعة وما وراء الطبيعة".ويكمل قائلاً: "إنه نتيجة لهذا فنحن نعيش في حضارة بلا مطلقات، حضارة في حالة سيولة كاملة" وهذه الحضارة تؤدي إلى ظهور الإنسان "المتشيِّئ" ذي البعد الواحد المادي المغترب إلى آخر هذه المصطلحات التي تذخر بها الماركسية والهيجلية كفلسفة. أعتقد أن ظهور الحداثة غير المنفصلة عن القيمة أمر أساسي وأؤكد على قضية القيمة. فمن خلال الإيمان بالقيمة يمكن خلق حيز إنساني؛ فالقيمة عنصر إنساني غير موجود في المادة المحضة ولا الطبيعة غير المؤنسنة. هذا الخير الإنساني يتميز بالرحابة والاتساع فيشمل كل المؤمنين بالله الخالق وبالإنسان كقيمة مطلقة. وأنا أعتقد أن الإيمان بالإنسان كقيمة مطلقة عبث غير مجدٍ. لأنه لو كان الإنسان قيمة مطلقة في ذاته فثمة نظام متجاوز للنظام الطبيعي. لكن لتأسيس عقد اجتماعي ينبغي ألا تشغلنا الإشكاليات اللاهوتية والميتافيزيقية. فلنناقش هذه المسائل في المعاهد المتخصصة، لكن دعونا نتفق على رقعة القيم المشتركة بين البشر من يهود ومسيحيين ومسلمين أو حتى الملحدين المؤمنين بالقيم المطلقة. وبناء على هذا يمكننا تأسيس عقد اجتماعي هو تعبير عن فكرة الحداثة غير المنفصلة عن القيمة وهي لن تؤدي بالتأكيد لنهاية التاريخ. فمفهوم تمام التاريخ أو نهايته هو تحييد مستمر لظاهرة الإنسان الشيء، تحييدًا يؤدي إلى اختفاء الإنسان وتشيؤه. ومن ثم ينتهي التدافع أو الجدل كما يقولون في المفهوم الماركسي. ويصير الإنسان روبوتا أو إنسانًا آليًا يمكن التحكم فيه وتحريكه عن بعد. ولعل انتشار النماذج الطوباوية التكنولوجية في بداية عصر النهضة التي كانت تبحث عن العالم المثالي من العيوب مثل أطلانطا أو مدينة الشمس أو أركاديا، إنما هو تعبير عن حلم الإنسان الحداثي بفكرة التحكم الكامل في كل شيء.
كان من المتخيل أن هذا التحكم سيؤدي إلى السعادة المطلقة لكن ما حدث في الواقع هو أن التحكم قد أدى إلى تقويض مقولة الإنسان الفرد/ الشيء، ومع زيادة التحكم ووصولنا إلى نهايته رأينا الدولة النازية التي كانت رؤية نفعية منفصلة عن القيم تحاول التحكم الكامل في كل شيء من طبيعة إلى موارد إلى بشر، بغض النظر عن كنه هذا الشيء الذي تتحكم فيه. وتحاول إدارته بكفاءة مطلقة. لقد كانت جهنم وكارثة على البشرية جمعاء. أدت إلى تدمير ملايين من البشر باسم المنفعة. إننا كمسلمين نقدس الحياة البشرية كمسألة مطلقة.داخل النظم العلمانية المادة لا توجد مطلقات، لا وجود للحق، فالأمر بعدم القتل مثلاً لن يطاع إلا لو أتى من علٍ. فلو اقتصر الأمر على حركة المادة فلا وجود لمعنى في الحياة ذاتها منفصل عن المنفعة.
في المنظومة الإيمانية ليست الحياة منفعة ولا الموت ضرورة، وإنها الحياة مسئولية مقدسة والموت حق وقدر ومن ثم فالعلاقة بينهما ليست علاقة تناقض أو تضاد وإنما تكامل وقبول.
- هذا صحيح
فلنعد لمناقشة مقولة نهاية التاريخ عند فوكوياما. أنا أرى أن هذه المقولة تلتزم الرؤية الميكانيكية للمادية التاريخية الماركسية، وتحل محل النهاية الشيوعية النهاية الديمقراطية الرأسمالية. وهي تتجاهل الجانب الديناميكي الحركي في الهجيلية والماركسية وهو جانب الجدل. فما رأيكم؟
- المنظومة المادية مغلقة وهي تؤدي دائمًا للمادة. وأعتقد كتوضيح لما أقول إن ما انتهى إليه الفن الحديث من انشغال شديد ومتزايد بالبول والبراز ونواتج الإخراج هو تعبير عن هذه العدمية المادية المطلقة. هذه المنظومة مغلقة منذ البداية. لقد أدرك سبينوزا هذا وعبر عنها بمقولته "إن حلول الله في الطبيعة هما وجهان لعملة واحدة" ومن ثم جاءت لغة سبينوزا هندسية جبرية، الرؤية السبينوزية المغلفة ببعض الألفاظ خدعت البعض فتصوروا أنها رؤية دينية غنائية، ولكنها رؤية مغلقة، وقد حاول هيجل إنقاذ هذه الرؤية المغلقة وذلك عن طريق وضع التاريخ داخلها. المشكلة أن هذا التاريخ مغلق، ولذلك نرى أن هيجل قد تصور أن الدولة الروسية نموذج مطلق ونهائي.
نفس الشيء حدث مع ماركس حيث حاول إدخال الجدل في التاريخ عبر الصراع الطبقي، لكن تأتي دائمًا لخطة إغلاق ونهاية في المجتمع الشيوعي. ويأتي ستالين ليعلن هذا، لقد وصل المسيح المخلص أو المهدي المنتظر ولا استمرار في هذا التاريخ الذي لا لزوم له. نفس الشيء مع المنظومة الصهيونية لأنها علمانية فهي تؤدي إلى نهاية التاريخ ومن ثم تقضي على نفسها.فوكوياما هو تعبير عن هذا الجانب في الرؤية المادية. والمشكلة أنه لا يدرك هذا، ويتجلى هذا في إعجابه المنبهر بالعلوم الطبيعية. إن نهاية التاريخ عنده تعني نهاية التاريخ الإنساني وبداية التاريخ الطبيعي. لو عدنا قليلاً في التاريخ سنجد أن مفهوم نهاية التاريخ قد ظهر من قبل مع مفهوم الأمبريالية الذي هو أيضًا تعبير عن الحداثة الأوروبية وفكرة المادة الاستعمالية التي هي العالم كله. الفكر الأمبريالي يرى أوروبا هي القمة وهي الذروة وهي نهاية التاريخ، ولا بد من تطبيق النموذج الأوروبي على الآخر البربري المتخلف للوصول به لهذه النهاية.
ما رأيك في فكرة التطور الذي يحدث في الهندسة الحيوية والذي سيؤدي كما يرى فوكوياما إلى إنهاء الجنس البشري في ذاته. أو هل ستنجح الهندسية الحيوية فيما فشلت فيه الهندسية الاجتماعية؟
- تلك هي رؤية العلماء المجانين الذين يعتقدون بإمكانية التحكم في الجينات وخلايا العقل للوصول للإنسان المطلق الخالي من الجدل تماماً، ومن ثم لن يختلف هذا الإنسان عن الفراشة والبرغوت والشجرة.
رغم أن العلم ذاته قد أثبت أنه لا توجد فراشة مثل أخرى ولا يمكن التنبؤ الدقيق بسلوك البرغوت ولا حتى الشجرة.
- هذا صحيح فالعلم هنا ليس علمًا وإنما هو رؤية أيديولوجية هي رؤية التحكم. لقد أثبت العلم الحديث عنف وخطر هذه الرؤية البلهاء للعلم في القرن التاسع عشر التي كانت تظن أن تزايد رقعة المعلوم سيستتبع تناقص المجهول وانكماشه، فالواقع أن تمدد رقعة المعلوم يصاحبه تزايد المجهول بمقدار أكبر وأضخم. ولعل الكوارث البيئية والتدميرية هي إشارات للإنسان لكي يتخلى عن هذه الخيلاء المصاحبة لرؤية التحكم، وأنه من الأفضل أن يدرك الإنسان أنه لا يملك الكون ولكنه مستخلف فيه
|
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||