|
||||||||||||||||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
الموقف من الحداثة الغربية
وحينما احتك المصلحون الإسلاميون الأُوَلُ بهذه الحضارة فهم لم يحتكوا بحضارة علمانية بالمعنى الشامل، وإنما احتكوا بحضارة علمانية بشكل جزئي تمت علمنة بعض جوانب الحياة العامة فيه فحسب، ولم تكن الحلقات الأخيرة من متتالية العلمانية الشاملة قد تحققت بعد؛ أي أن كثيرًا من الظواهر السلبية التي نلاحظها بأنفسنا ونقرأ عنها في كتبهم وصحفهم ومجلاتهم، والتي أصبحت نمطًا ثابتًا وظاهرة محددة كانت مجرد حوادث متفرقة لا ظواهر دالة، ومن ثم كان من السهل تهميشها. علاوة على هذا لم يكن الخطاب النقدي الغربي للحداثة والاستنارة قد تبلور بعد، رغم تعالي بعض الأصوات، فالأدب الرومانتيكي الغربي على سبيل المثال هو في جوهره أدب احتجاج على كثير من جوانب الحداثة الغربية، وكتابات المفكر الإنجليزي "إدموند بيرك" وبعض المفكرين المحافظين تحتوي على إشارات لكثير من الموضوعات التي طوَّرها الخطاب النقدي الغربي فيما بعد، إلا أن مثالب الحضارة الغربية -سواء على مستوى النظرية أو على مستوى الممارسة- لم تكن مسألة واضحة بعد لدارسي ومراقبي هذه الحضارة . أما بالنسبة لحملة الخطاب الإسلامي الجديد فالوضع جدُّ مختلف؛ فمعظمهم قد تشكل فكريًا في الخمسينيات واحتك بالحضارة الغربية في الستينيات. ونحن نذهب إلى أن الحضارة الغربية دخلت مرحلة الأزمة في تلك الآونة، وأدرك كثير من مفكريها أبعاد الأزمة والطريق المسدود الذي دخلته منظومة الحداثة الغربية. (انظر: مقدمة لتفكيك الخطاب العلماني، أربعة أجزاء، القاهرة، ديسمبر 1997م). إن حملة الخطاب الجديد أدركوا من البداية الجوانب المظلمة للحضارة الغربية الحديثة التي أدخلت العالم في حربين غربيتين يقال لهما "عالميتين"، لأنهما جرّتا العالم بأسره إلى حلبة الصراع وأتون الحرب وتزايد إنتاج أسلحة الفتك والدمار حتى تبين للجميع أن هذه الحضارة قادرة على بناء قبر يكفي لدفن العالم (على حد قول رجاء جارودي). وتزايد توغل الدولة القومية المركزية وتمكنت من الوصول إلى الجميع والتحكم فيهم من خلال أجهزتها الأمنية والتربوية. وتزايد تغلغل الإعلام في الحياة الخاصة للبشر، الأمر الذي زاد من تنميطهم، وتزايدت همينة قطاع اللذة على الجماهير، وهو ما أدى إلى تزايد الإباحية، كما تزايدت معدلات الطلاق بشكل لم يسبق له مثيل؛ وظهرت أزمة المعنى والأزمة المعرفية والأزمة البيئية، ولم يعد الاقتصاد الحر ناجحًا كما كان في الماضي. وفقدت التجربة الاشتراكية مصداقيتها. وظهرت الاتجاهات الفكرية المعادية للإنسان مثل الفاشية والنازية والصهيونية والبنيوية؛ وهي اتجاهات وصلت إلى ذروتها في فكر ما بعد الحداثة . ومع منتصف الستينيات تبلور الخطاب النقدي الغربي وأصبحت أعمال مدرسة فرانكفورت متداولة بين الكثيرين، فظهرت دراسات كثيرة في نقد فكر عصر التنوير في الغرب، وكان "ماركوز" بحديثه عن تنميط الحضارة الغربية والإنسان ذي البعد الواحد يبين أن ثمة خللاً بنيويًا في صميم الحضارة الغربية يتجاوز التقسيم التقليدي المتبع الذي يقسمها إلى حضارتين: واحدة اشتراكية والأخرى رأسمالية. وأعاد كثير من المؤرخين المراجعين كتابة تاريخ الحضارة الغربية ليبينوا حجم جرائمها ضد شعوب آسيا وأفريقيا وحجم النهب الاستعماري. وظهرت كذلك كثير من الدراسات التي توجه سهام النقد الجذري إلى نظريات التنمية، وكان لحركة اليسار الجديد إسهام في هذا المضمار. ولذا فسواء على مستوى الممارسة أو على مستوى الفكر لم يكن من الصعب على حملة الخطاب الإسلامي الجديد من دارسي الحضارة الغربية في منتصف القرن العشرين أن يعرفوا مثالبها، كما لم يعد بوسعهم أن يمارسوا ذلك الإعجاب الساذج بها، الذي مارسه الكثير من أعضاء الجيل الأول، فالحضارة الغربية التي عرفوها وخبروها مختلفة في كثير من جوانبها عن تلك الحضارة الغربية التي عرفها وخبرها ودرسها جيل الرواد. وشتان ما بين الخبرتين ؟
استجابات الخطاب الإسلامي لتحدي الحداثة الغربية ![]() ويجب أن نؤكد أن كلا الجيلين -القديم والجديد- لم يؤسس منظومته الفكرية انطلاقًا من المنظومة الإسلامية فحسب، وإنما نتيجة تفاعله مع الحضارة الغربية في الوقت ذاته، وهذا أمر طبيعي للغاية؛ فهي الحضارة التي فرضت سيطرتها على العالم، واكتسبت مركزية بحكم الانتصارات العسكرية التي حققتها، وطرحت رؤيتها في كل المجتمعات، وفرضت نفسها باعتبارها مستقبل البشرية جمعاء. وألقت بالتحدي الذي كان على الجميع الاستجابة له شاءوا أم أبوا. وباختلاف نوع التحدي وحدَّته اختلفت الاستجابة، وقد وجد المصلحون الأوائل جوانب إيجابية كثيرة في هذه الحضارة الغربية، بل أكاد أقول: إنهم انبهروا بها، وهذا ما عبر عنه الشيخ محمد عبده في عبارته الشهيرة: "لقد وجدت هناك مسلمين بلا إسلام، ووجدت هنا إسلامًا بلا مسلمين". ولذا كانت استجابة الجيل الأول للتحدي الغربي هي: كيف يمكن أن نلحق بالغرب؟ وكيف يمكن أن ننقل تلك المنظومة الرائعة إلى حضارتنا مع الاحتفاظ بقيمنا وبشيء من هويتنا؟. ولكن لو كانت خبرة الشيخ محمد عبده مع الحضارة الغربية مثل خبرتنا لتردد كثيرًا قبل أن يقول قولته هذه، وقبل أن يطرح معالم مشروعه. وثمة واقعة تاريخية توضح النقطة التي أود أن أصل إليها: كان الشيخ رفاعة الطهطاوي يعيش في باريس عام 1830م -ومسألة إعجابه بالحضارة الغربية مسألة معروفة لدى الجميع-، ولكن في هذا العام نفسه كانت مدافع القوات الفرنسية تدكّ القرى الجزائرية الآمنة دكًّا، كان الشيخ رفاعة الطهطاوي لا يرى من حوله إلا النور الساطع (الذي يعشي الأبصار)، ولا يسمع سوى الإيقاع المتحضر المدوي (الذي يغطي على كل الإيقاعات الأخرى)، أما الشيوخ الجزائريون الذين كانوا يجلسون في قراهم البسيطة فكانوا لا يرون إلا ألسنة النيران المندلعة، ولا يسمعون سوى قعقعة القنابل، وتورد إحدى كتب التاريخ أنه قيل لأحد هؤلاء الشيوخ: إن القوات الفرنسية إنما جاءت لنشر الحضارة الغربية في ربوع الجزائر. وجاء رده جافًّا ومقتضبًا ودالاً؛ إذ قال: ولمَ أحضروا كل هذا البارود إذن؟ نحن -مثل هذا الشيخ الجزائري- شممنا رائحة البارود، وشاهدنا ألسنة اللهب، وسمعنا قعقعة المدافع، ورأينا سنابك خيولهم وهي تدوس كل شئ، ثم رأينا البارود وهو يزداد انتشارًا، وشاهدنا مقدرته وهي تتحسن في الأداء بشكل مذهل إلى أن أصبح قنابل وصواريخ وأسلحة جرثومية ونووية، تخصصت لإنتاجها نسب مئوية عالية في ميزانيات الحكومات الغربية (ثم الشرقية والجنوبية والشمالية)، حتى أصبحت صناعة أسلحة الفتك من أهم الصناعات في عالمنا الحديث . لو كان الشيخ رفاعة أو الشيخ عبده قد شمَّا رائحة البارود كما فعل الشيخ الجزائري وكما نفعل نحن لما تحدث أي منهما عن مسلمين بلا إسلام. ولكن لأن رائحة البارود كانت متخفية، وكان النور ساطعًا يعشي الأبصار أصبحت القضية بالنسبة لكثير من حملة الخطاب القديم (كما أسلفنا) هي كيفية التصالح مع الحداثة الغربية واللحاق بها والتكيف معها، وكيفية المزاوجة بين الإسلام والحداثة، هذا هو جوهر مشروع محمد عبده الذي ساد حتى منتصف الستينيات من هذا القرن، وهو ما نشير إليه بوصفه الخطاب الإسلامي القديم . وهكذا أصبحت المنظومة الإسلامية جزءاً من المنظومة العامة التي سادت العالم الثالث منذ بداية القرن الحالي. حين كان الجميع يبذلون قصارى جهدهم في اللحاق بالغرب والتنافس معه على أرضيته. وقد نادى الليبراليون في بلادنا بتبني المنظومة الغربية الحديثة بحلوها ومرها، وتمرد الماركسيون قليلاً وطرحوا إمكانية أن ندخل الحداثة الغربية من خلال بوابات الماركسية والدفاع عن مثل العدالة الاجتماعية. أما الإسلاميون فقد تصوروا إمكانية تبني منظومة الحداثة الغربية ومزجها بالإسلام، ولكن الجميع -رغم اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم- قد حوّل الغرب إلى المرجعية الشاملة الصامتة، (وهذه هي رؤية الكون الكامنة وراء معظم الأيديولوجيات العلمانية والدينية في العالم العربي والإسلامي)، وبطبيعة الحال تراجعت المنظومة الإسلامية وتقلصت أبعادها وفقدت شمولها باعتبارها رؤية الكون، وبدلاً من طرح تصورات إسلامية لكل مجالات الحياة أصبحت القضية هي "أسلمة" بعض جوانب الحداثة، وكانت هذه الأسلمة تأخذ في معظم الوقت شكل "حذف" المحرمات بلا إضافة ولا إبداع، وتأكيد الجوانب "الحلال" في الحضارة الغربية أو البحث عن تلك الجوانب في المنظومة الإسلامية التي لها ما يقابلها في تلك الحضارة الغربية (الأمر الذي يعني ضمور الجوانب الأخرى التي تشكل صميم خصوصية المنظومة الإسلامية) . حملة الخطاب الإسلامي الجديد لا يشعرون بالإعجاب نفسه تجاه الحداثة الغربية، ولذا نجد أن خطابهم ينبع من نقد جذري لها، وهم في هذا لا يختلفون عن كثير من المفكرين والحركات السياسية في العالم الثالث والعالم الغربي في الوقت الحاضر، فالماركسية هي شكل من أشكال نقد الحداثة، نبعت من مدرسة فرانكفورت التي عمقت هذا النقد، والأدب الرومانتيكي ( كما أسلفنا ) كان احتجاجًا على الحداثة الغربية، ولكن احتجاج الأدب الحداثي كان أكثر عمقًا وجذرية؛ فهو الذي يصور عالم الحداثة المتشييء، حيث يتحول الإنسان إلى شئ وتفقد الأشياء معناها وتنكسر حلقة السببية تمامًا، ومسرح العبث هو جزء من هذا الاحتجاج الغربي على الطريق المسدود الذي أوردتنا إياه الحضارة الغربية، وقد ظهرت أخيرًا الأصولية الدينية كامتداد جماهيري شعبي لهذا الاتجاه الفكري، وفي العالم الثالث نجد أن الفكر القومي هو في جوهره محاولة لدخول عالم الحداثة من بوابات غير غربية ودون فقدان الخصوصية، أي أنه ثمة إدراكاً ضمنياً مفاده أن الحداثة الغربية تنزع الخصوصية عن الإنسان وتفرغه من مضمونه الإنساني. والخطاب الإسلامي الجديد هو جزء من هذا التيار العالمي الأكبر، وليس مقصورًا علينا بأية حال، فثمة إحساس بأزمة الحداثة الغربية أخذ أشكالاً مختلفة في أرجاء العالم وأخذ شكلاً إسلاميًا في العالم الإسلامي . ومع هذا يمكن القول بأن النقد الإسلامي للحداثة يختلف عن أشكال نقد الحداثة في بقية العالم؛ إذ أنه يدرك مدى ارتباط منظومة الحداثة الغربية بالإمبريالية الغربية، ويدرك صعوبة فصل الواحد عن الآخر (والإمبريالية على أية حال كانت هي أول تجربة لنا مع الحداثة والاستعمار الاستيطاني الصهيوني هو آخرها). كما أن النقد الإسلامي للحداثة يتسم بأنه متفائل لأنه يطرح حلولاً على عكس النقد الغربي للحداثة فهو متشائم عدمي .
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||