|
||||||||||||||||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
تميز الخطاب الإسلامي وخصوصيته وثبات موقفه من الغرب
وحدة المنظومة الإسلامية وتأثيرها في ثبات الخطاب الإسلامي إزاء الغرب:
إن المراحل التي مر بها الخطاب الإسلامي المعاصر لا تؤيد تصنيف الخطاب إلى قديم (من قبل 1965م) وجديد (بعد 1965م). إن موقف الفكر الإسلامي المعاصر من الحضارة الغربية ومن الحداثة لم يتغير بدخول الحضارة مرحلة الأزمة، أو باحتكاكه بالعلمانية الجزئية والشاملة، أو باطلاعه على نظريات الحداثة وما بعد الحداثة؛ إذ موقف الفكر الإسلامي المعاصر موقف مبدئي من هذه الوسائل، كما أنه موقف موحد، وما نلمسه من اختلافات على الصعيد الجزئي ناتج عن اختلاف الرؤية لمعايير الأخذ والرفض، والتي هي في الأصل محل اتفاق. فنقاط الثبات في الشريعة وشروط المصلحة والضرورة وغيرها ليست محل خلاف، وإنما يكون الخلاف في تنزيل هذه الشروط على الواقع، ومن هنا كانت أهمية بلورة آليات التطبيق ونظام الأولويات، وهي مسائل نابعة من داخل المنظومة الإسلامية، وليست نتيجة احتكاك بنظريات الحضارة الغربية. خصوصية الخطاب الإسلامي لارتباطه بالرسالة الإسلامية والخطاب الإلهي:
إن الخطاب الإسلامي المعاصر ليس جزءاً من التيار العالمي بل هو استمرار لرسالة الإسلام التي هي جزء من سلسلة الخطاب الإلهي إلى البشرية عبر الرسل والأنبياء، وما يمر به هذا الخطاب من مراحل له أسبابه الذاتية؛ فقد مر بمرحلة اعتذارية في بداية الهجمة الاستعمارية والاستشراقية الشرسة، ثم بدأ مرحلة التثقيف الجماهيري العام، ثم دخل أخيرًا في مرحلة البناء التخصصي لمعالم الحضارة الإسلامية في مجتمع معاصر، وما زالت أمامه مرحلة الخطاب العالمي التي لم يتناولها إلا القليلون. وهو في تجديده في مجال المنهج -وأصول الفقه أحد أجزائه- أو فروع الفقه والعلوم الاجتماعية إنما ينطلق من تسلسل ذاتي يحرص على التأصيل وتحقيق المقاصد واحترام القيم واتباع الأولويات…… كل ذلك بمنطق إسلامي وآليات إسلامية مؤصلة من الكتاب والسنة ومتميزة عن نظائرها في التيار العالمي. اختلاف الخبرة الإسلامية عن الغربية في قضية ثبات النص المقدس:
إن مشكلة استعادة الثبات للنص المقدس مشكلة غربية، حيث اهتز عندهم النص المقدس وبدأوا يحاولون تثبيته، ولكنها مشكلة غير قائمة أصلاً في الفكر الإسلامي، وما المحاولات المتأخرة من بعض الشرقيين ذوي العقول الغربية إلا محاولة خلق مشكلة حيث لا مشكلة، وهي بدايات للاستشراق الشرقي بعد أن فشل الاستشراق الغربي في دسائسه، وهي لا تمثل مشكلة في الفكر الإسلامي المعاصر على الإطلاق، وقد تكفلت علوم السنة بحفظ نصوصها، وتكفلت قواعد اللغة بتفسيرها، كما تكفلت أصول الفقه ببيان طرق الاستنباط منها، ولا توجد لدينا مشكلة اسمها "استعادة الثبات للنص المقدس".
قرر د.المسيري أن الإسلاميين "تصوروا إمكانية تبني منظومة الحداثة الغربية ومزجها بالإسلام.."، "وأن المنظومة الإسلامية تراجعت وتقلصت أبعادها وفقدت شمولها باعتبارها رؤية للكون، وبدلاً من طرح تصورات إسلامية لكل مجالات الحياة أصبحت القضية هي "أسلمة" بعض جوانب الحداثة".وكانت هذه "الأسلمة" تأخذ في معظم الوقت شكل حذف المحرمات بلا إضافة ولا إيداع، وتأكيد الجوانب الحلال في الحضارة الغربية أو البحث عن تلك الجوانب في المنظومة الإسلامية التي لها ما يقابلها في تلك الحضارة الغربية (الأمر الذي يعني ضمور الجوانب الأخرى التي تشكل صميم خصوصية المنظومة الإسلامية). والدكتور المسيري يعني هنا ما يسميه الخطاب القديم، لأنه كان قبل ذلك يتحدث عن رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده، ولأنه تحدث بعد ذلك عن أن حملة الخطاب الإسلامي الجديد لا يشعرون بالإعجاب نفسه تجاه الحداثة الغربية، وأن خطابهم ينبع من نقد جذري لها. والدكتور المسيري في هذا قد خانه التوفيق في أكثر من جانب: الخطاب الإسلامي المعاصر لم يفقد الرؤية الشاملة للإسلام
في أي من مراحله التاريخية:
فدون محاولة مناقشة كتابات الطهطاوي وعبده أو الدفاع عنهما فإنهما ببساطة لم يفقدا يومًا الرؤية الشاملة للإسلام. لقد اتهم الدكتور المسيري رفاعة الطهطاوي بالصمت عن احتلال فرنسا للجزائر، بسبب إعجابه بالحضارة الغربية، والحقيقة تقول: إن إعجاب الطهطاوي كان بالعلوم الطبيعية المحايدة التي سموها "علوم التمدن المدني"، والتي سبق للغرب أخذها من الحضارة الإسلامية، وفي ذات الوقت رفض الفلسفة الوضعية الغربية، التي تقف بالمعارف عند العقل والتجربة وحدهما، واشترط دليل الشرع مع العقل والتجربة، ووصف هذه الفلسفة الوضعية بأن "بها حشوات ضلالية مخالفة لكل الكتب السماوية".. كذلك رفض القانون الوضعي الغربي (كورد نابليون) ودعا لإحياء القانون الإسلامي بالاجتهاد والتقنين الحديث.. وهاجم استعمار فرنسا للجزائر، بل وشمِت في "شارل العاشر" ورجال الكنيسة الذين اعتبروا احتلال الجزائر فوزًا للنصرانية على الإسلام عندما أطاحت بهم ثورة 1831م.. وكتب ذلك في (تخليص الإبريز) أي وهو مقيم بباريس إبان بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر. أما محمد عبده فبريء من هذه العبارة المزعومة نسبتها إليه، التي تتحدث عن الغرب باعتباره إسلامًا بلا مسلمين، وعلى العكس من ذلك له نقد عميق لمادية الحضارة الغربية.. التي وصفها بأنها حضارة الذهب والفضة والجنيه والليرة والبهرج والفخفخة التي لا علاقة لها بالإنجيل وروحانياته، والتي تتميز عنها الحضارة الإسلامية بالوسطية الجامعة بين المادة والروح. أسلمة الحداثة قضية حداثية ارتبطت بالخطاب الجديد:
كما أنهما لم يحاولا "أسلمة" بعض جوانب الحداثة، فقضية "الأسلمة" جاءت متأخرة بواسطة الفصائل المتأخرة من تيار الصحوة الإسلامية على النحو الذي أوضحناه تفصيلاً فيما سبق. ثم إن حذف الحرام وتأكيد الحلال منهج إسلامي أصيل، فقد استبقى الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الجاهلية ما لا يخالف أحكام الإسلام وضمّنه في نسيج الشريعة كالمضاربة، واستبعد ما يخالفها كالربا، وأحل مكانه البديل الإسلامي، كما صرح القرآن (وأحلَّ الله البيع وحرَّم الربا). إن القضية التي يشير إليها د.المسيري هي قضية منهج "الأسلمة"، وهي قضية لم يتعرض لها الطهطاوي أو عبده، وإنما هي من هموم الخطاب الإسلامي الذي أسماه بالجديد والذي برأه من الإعجاب بالحداثة الغربية. أسماء أخرى لحملة الخطاب الجديد
تخلو قائمة الأسماء التي ذكرها د.المسيري على أنها أمثلة على حملة الخطاب الإسلامي الجديد من أسماء هامة، هي رموز لهذا الخطاب وشرعيته، خاصة في النواحي التي اعتبرها د.المسيري معالم هذا الخطاب، كالشيخ الغزالي رحمه الله، والدكتور القرضاوي، والدكتور عمارة، والأستاذ عبد الحليم أبو شقة رحمه الله، والدكتور حسن الترابي، والدكتور كمال أبو المجد وغيرهم. لقد أطال هذا التعقيب أكثر من المعتاد، ولكن القضايا الهامة التي أثارها د.المسيري تستحق أكثر من هذه الإشارات، وأنا أكرر شكري له وأدعوه إلى إعادة النظر في الموضوع. ولا يسعني قبل ختام هذه الورقة إلا أن أسجل نقدي لها: فهي أولاً: غير شاملة؛ إذ أنني لم أقصد إلى حصر جميع روافد الخطاب الإسلامي المعاصر، لما يتطلبه ذلك من جهد في معرفة هذه الروافد، ولكني قصدت تسجيل ما أعرفه مما قد ينساه التاريخ إذا لم يسجل، واكتفيت فيما عدا ذلك بإشارات إلى أسماء بعض المدارس الفكرية لعل غيري ممن كان له بها احتكاك يكمل الصورة. وبطبيعة الحال فإن هذا الأسلوب ينتج عنه عدم التوازن بين الروافد مما لا يعكس أهميتها فضلاً عن أنه غير مقصود. وهي ثانيًا: غير دقيقة، لأني لم أعتمد فيها على مصادر مكتوبة، وإنما على الذاكرة الكليلة التي قد تند عنها بعض التفصيلات بعد مضي عشرات السنين، وإن بقيت حافظة للخطوط العريضة، وهي بالتالي قابلة لإضافة مزيد من الضبط والتحديد فضلاً عن التصويب ![]()
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||