بريدك الإلكتروني الصفحة الرئيسة  |  من نحن  |  معلومات إعلانية  |  اتصل بنا  |  سجل في الموقع  

بحث        بحث تفصيلي

   
أبعاد أخرى غائبة في تشكيل الخطاب الإسلامي المعاصر
تعدد التيارات والجماعات في الفكر الإسلامي المعاصر وتباينها:
لقد أطلْت بعض الشيء في ذكر حركة الإخوان والتيار الفكري بها، لأنها صفحة مجهولة لم يكتب فيها، ولا يعني ذلك إنكار وجود حركات أخرى، سواء داخل مصر أو خارجها، فهناك داخل مصر: الجمعية الشرعية، وجمعية أنصار السنة المحمدية، وجمعية الشبان المسلمين، وغيرها، وهناك خارج مصر العديد من الحركات؛ ففي سوريا وجد عدد من العلماء كان لهم أثر واضح في تخريج أجيال من الشباب المسلم الواعي المتمسك بدينه.
نجد نفس الشيء في الجزائر مع ابن باديس وجمعية العلماء الجزائريين، وفي تونس مع ابن عاشور، وفي الأردن مع تقي الدين النبهاني (1953م)، وفي العراق محمد باقر الصدر وحزب الدعوة، وفي تركيا مع النورسي وجماعة النور، وفي الهند مع ندوة العلماء وأبي الحسن الندوي، ومع جماعة التبليغ (1927م)، والجماعة الإسلامية للمودودي.
وبطبيعة الحال تتفاوت هذه الجماعات في منظورها للإسلام، فبعضها يقتصر اهتمامه على جانب العبادات والأخلاق، وبعضها الآخر له نظرته الشاملة التي تتجاوز ذلك إلى الجانب الاقتصادي والسياسي، وإذا كان هذا النوع الأخير هو موضوع هذه الدراسة المقارنة، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية النوع الأول الذي كان له فضل الحفاظ على هوية الأمة وتمسكها بدينها وأخلاقها، مما يمهد لعمل النوع الثاني سواء في مجال التوعية بالمفهوم الشامل، أو في مجال تكوين الكوادر تكوينًا متكاملاً.
الإسلاميون المستقلون ودورهم في البناء الفكري الإسلامي المعاصر:
إلى جانب الحركة الإسلامية بمفهومها العام أو التيار الفكري الذي أشرنا إليه -وكلاهما ينتمي إلى المفاهيم الإسلامية الشاملة- كان يوجد مفكرون إسلاميون غير منتمين إلى جماعة بعينها، ويصعب تصنيف هؤلاء جملة؛ إذ لا نجزم بقناعتهم بالمفاهيم الشاملة، وقد سبق أن أشرنا إلى بعض الأسماء التي كان يتردد عليها بعض الأفراد لالتماس الرأي، أو اكتساب المنهج، أو التعرف على المراجع الأصلية، ولا يستبعد حدوث تأثيرات لبعض الأفراد من كثرة ترددهم على بعض هؤلاء الأساتذة، ولكن ذلك لا يشكل القاعدة، إن الاتصال بالأساتذة غير المنتمين إلى جماعة بعينها، وكذلك قراءة الكتب الإسلامية المعاصرة كان له -بلا شك- آثار إيجابية، من حيث توسيع المدارك، وقبول التعددية الفكرية في إطار الأصول الإسلامية.
وتحضرني هنا أسماء: عبد الرحمن عزام، ومحمد أسد، ومحمد إقبال، ووحيد الدين خان، وأبي الحسن الندوي، ومحمد أبي زهرة، وغيرهم من الرعيل الأول، كما تجدر الإشارة إلى العديد من المؤتمرات الإسلامية العالمية التي عقدتها السعودية في السبعينيات ودعت إليها المئات من العلماء من جميع أنحاء العالم، مما كان له أثره في التعرف على أشخاص وأفكار العديد من المفكرين. ولا يفوتني هنا أن أتوقف عند بعض الكتاب المنتمين إلى جماعة الإخوان أو إلى التيار العام للصحوة الإسلامية من أمثال الشيخ محمد الغزالي ويوسف القرضاوي ومحمد عمارة، الذي صاغوا فكر الجماعة وفكر الفصيل المعتدل من الصحوة، والذين يعتبرون لذلك متحدثين باسم هذا التيار الآن.
الفروق الجوهرية بين فصائل الصحوة الإسلامية المعاصرة:
كما لا يفوتني أن أتوقف عند اسمين، دار كثير من اللغط حول دورهما في صياغة فكر الفصيل المتطرف من الصحوة الإسلامية، وهما أبو الأعلى المودودي وسيد قطب.
والذي يهمني في هذا السياق هو توضيح الفروق بين فصائل الصحوة الإسلامية من حيث الأهداف ومن حيث وسائل تحقيق هذه الأهداف:
فمن حيث الأهداف: هناك اتفاق كامل حول الهدف العام وهو تحقيق الحياة الإسلامية.
ثم تتنوع الرؤى بعد ذلك:
فالبعض يهتم بتطبيق أحكام الشريعة -خاصة الحدود- في صورها التقليدية التي تركها لنا فقهاء المذاهب، وهذا هو رأي التيار الغالب في الصحوة الإسلامية.
والبعض الآخر يرى التمسك بثوابت الشريعة والاجتهاد فيما استحدث من أمور الحياة، وكذلك يهتم بتخصيص القادرين على القيام بعبء الاجتهاد، وتهيئة المناخ المعين على ذلك من تفرغ، ومعاهد بحوث، وإقامة حلقات النقاش، وإصدار المجلات العلمية لمناقشة هذه الأمور، وهذا هو اتجاه جماعة "المشروع" ومن يرى رأيهم ويتعاون معهم من العلماء والمفكرين.
وتمثل مسألة شمولية الإسلام أهمية خاصة عند هذا الفريق، بحيث يفضلون استعمال مصطلح "المشروع الحضاري الإسلامي" بديلاً عن مصطلح "تطبيق الشريعة الإسلامية"، والذي يوحي بالمعنى الضيق المحدود.
وبطبيعة الحال تحتل مسألة "الفنون والآداب" مكانًا خاصَّا في منظومة الحضارة، مع ما يثيره ذلك من خلافات فقهية حول الضوابط الشرعية لهذا المجال.
هذا من حيث الأهداف
أما من حيث الوسائل الموصلة لتحقيق هذه الأهداف: فهناك اتفاق كامل حول أهمية مرحلة التربية الأساسية لكوادر العمل الإسلامي، وأهمية توسيع قاعدة هذه الكوادر، وما يتطلبه ذلك من وسائل الاتصال والدعوة والإعلام.
ثم تتنوع الرؤى بعد ذلك:
فالبعض يرى الاستمرار في عملية الدعوة والتربية، وأن هذا كفيل بإصلاح المجتمع على مستوى القاعدة بطريقة مؤسسات المجتمع المدني، بل وعلى مستوى القيادة، على أساس أنه "كما تكونوا يول عليكم". وقد يرى البعض أن مشاركة القاعدة الشعبية الواعية في التصويت لأحسن المرشحين يحقق نوعًا من الرقابة الشعبية، قد يغني عن دخول الحركة الإسلامية بمرشحيها إلى البرلمان.
ويرى البعض الآخر أن هذا الرأي مشروط نجاحه بسماح السلطة بحرية الدعوة وحرية إقامة مؤسسات المجتمع المدني، وأن طبيعة من يتولى السلطة أن يحاول المحافظة على بقائه فيها، وأن يخشى من أية قوة شعبية نامية، فلا بد من تغيير السلطة ووصول من هو مقتنع بالأهداف الإسلامية لحراسة العمل الشعبي، وأن الوصول إلى السلطة في ظل النظم الديموقراطية متاح لمن يحظى بتأييد أغلبية الناخبين، ومن هنا كان العمل السياسي وسيلة لحراسة العمل الدعوي والتربوي من ناحية، وأقصر الطرق لتنفيذ الإصلاحات الرسمية وإيقاف الفساد الحكومي من ناحية أخرى.
ويرى فريق ثالث أن ممارسة اللعبة الديموقراطية بهذه الصورة مشروطة بوجود وعي شعبي عميق بالديموقراطية رافض لأي عبث بقواعدها، خاصة مسألة تزييف إرادة الشعب الذي يهدم الديموقراطية من أساسها، ومثال الجزائر شاهد تاريخي على أن القوى المعادية للإسلام لا تسمح بوصوله إلى السلطة بالطريق الديموقراطي، وفي رأي هذا الفريق أننا نكون في هذه الحالة أمام عدوان من الأقلية الحاكمة على حق الأغلبية في الوصول إلى الحكم يبرر الدفاع الشرعي، ويكون استعمال القوة هنا -إذا توفرت- دفاعًا عن الديموقراطية وحقوق الأغلبية، بإزاحة الأقلية الطاغية المستبدة من الطريق، وليست بحال فرضًا للنظام الإسلامي بالقوة؛ فالفرض هنا هو أن الأغلبية راغبة في النظام الإسلامي، وقاعدة الديموقراطية الأساسية هي حكم الأغلبية. وفي ضوء ذلك يمكن أن نفهم رأي المودودي وسيد قطب ومدى اتفاقهما مع رأي الفصائل الأخرى ومجال الاختلاف.
الإسلاميون في الغرب كرافد مجهول من روافد الصحوة الإسلامية:
ونتوقف مرة ثالثة عند رافد آخر من روافد الصحوة الإسلامية، وهو الشباب المثقف المغترب في أوروبا وأمريكا للدراسة والعمل أو الهجرة النهائية.
تجمع هؤلاء -رغم انتماءاتهم السابقة (إخوان أو جماعة إسلامية أو غيرهما)، أو عدم وجود انتماءات سابقة لهم بالمرة- ظروفٌ مشتركة؛ أهمها: اغترابهم في مجتمع يتحدى هويتهم الوطنية والدينية واللغوية والثقافية والحضارية عمومًا، وردود الفعل بالبحث عن الهوية والاحتماء بها، خاصة حماية الجيل الثاني من أطفالهم، ووجود مراكز إسلامية هناك تقدم لهم ما يلزمهم من عناية سدًّا لهذه الحاجة، وأخيراً تقدمهم في تخصصهم العلمي والمهني بما يضعهم أمام تساؤلات كثيرة ليس هنا محل بحثها، يمثل هؤلاء القاعدة الشعبية للعمل الإسلامي في المهجر لديهم التصور الإسلامي العام الذي يقابل القاعدة الشعبية للحركات الإسلامية في الوطن الأم مع الفوارق التي أشرنا إليها، وما يترتب عليها من مشاكل، ومن بين صفوف هذه القاعدة الشعبية -والتي هي أصلاً أعلى مستوى من مثيلتها في الوطن الأم بسبب الثقافة والمهنة واللغة وغيرها- نشأت فئة تضم أفرادًا من انتماءات سابقة متعددة صهرتهم ظروف العمل الإسلامي في المهجر، وشعروا بالحاجة إلى خدمات لا تقدمها المراكز الإسلامية العادية، فأقاموا عددًا من المؤسسات، يهمنا منها هنا المؤسسات ذات التوجه العلمي والفكري، ومن أهمها جمعية علماء الاجتماع المسلمين التي أسست سنة 1972م لمساعدة الأساتذة على التعرف إلى صلة تخصصاتهم بالإسلام، من خلال حلقات النقاش والندوات والمؤتمرات السنوية والمجلة الفصلية التي تصدرها منذ سنة 1985م.
ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى إنشاء الجماعة الإسلامية (باكستان) ذراعًا علميًّا لها في بريطانيا (المؤسسة الإسلامية/ ليستر)، وإلى إنشاء ندوة العلماء (الهند) ذارعًا علميًّا لها في بريطانيا، كذلك (مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية سنة 1985م) ومجلتها: مجلة الدراسات الإسلامية التي تصدرها منذ 1990م. كما نشير إلى العديد من الجمعيات المتخصصة، كالجمعية الإسلامية للتقدم العلمي التي تصدر مجلة "العلم الإسلامي"Islamic Science (1985م)، والمجلة الفصلية للتربية الإسلامية (1984م)، وعشرات غيرها.
كما لا يفوتنا الإشارة إلى الجامعات الإسلامية الجديدة التي نشأت في كل من إسلام آباد، وماليزيا، وقسنطينة، فضلاً عن توجه بعض الجامعات الإسلامية القديمة كجامعة الإمام محمد بن سعود إلى تطوير دراساتها في مجال العلوم الاجتماعية إلى المنظور الإسلامي.
التنظيم المؤسسي والأكاديمي للعمل العلمي الإسلامي:
وعلى صعيد آخر طُرح موضوع تطوير العمل العلمي الإسلامي فقدَّمْتُ مذكرة باقتراح إنشاء أكاديمية دولية للبحوث الإسلامية إلى اللقاء الثالث للندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض، أتبعتها بمشروع للنظام الأساسي لهذه الأكاديمية عُمم على عدد من أقطاب الفكر الإسلامي لتلقي ملاحظاتهم، وكان ذلك في أواخر 1976م وأوائل 1977م.
وكان من نتيجة إثارة الاهتمام بالمشكلة في أوساط المفكرين الإسلاميين -خاصة في بلاد المهجر- أن وجد الشعور بضرورة الحوار الوثيق حول ما ينبغي عمله، فكان ترتيب اللقاء الذي عقد في لوجانو بسويسرا في يوليو 1977م، والذي ضمَّ أكثر من ثلاثين شخصاً، واستمر أسبوعًا كاملاً، خرج بعده المشاركون برؤية محددة لما ينبغي عمله.
كان من أهم خصائص هذا اللقاء أنه ضم عناصر بعضها له انتماءاته السابقة أو الحالية وبعضها ليس له انتماءات، مما جعله لقاء نخبة المفكرين الإسلاميين، والذي نتج عنه تقارب المفاهيم والاتفاق على الحل واجب الاتباع، والمتمثل في تنظيم عمل علمي إسلامي دائم على المستوى العالمي وبشكل مؤسسي يكون امتدادًا لتعاون هذه المجموعة.
لم تتحقق فكرة التنظيم المؤسسي لهذه المجموعة، وكانت العقبة الأساسية هي عدم توافر تمويل خالٍ من الشروط، فانطلق البعض في تنفيذ بعض المشروعات بتمويل ذاتي محدود ودون إطار رسمي، كمشروع فهرس أصول الفقه بالقاهرة، ومشروع موسوعة الحديث بالكويت، أو في إنشاء إطار رسمي دون تمويل (كتسجيل المعهد العالمي للفكر الإسلامي تسجيلاً رمزيًّا على عنوان سكن د.الفاروقي سنة 1981م).
لذلك كان طبيعيًّا أن ينظم لقاء جديد لتنسيق هذه الجهود المتناثرة فتم اجتماع في لوكسمبورج (9-12/7/1981م) تأكد فيه ضرورة مواصلة السعي لإنشاء العمل المشترك وهو تأسيس ندوة عالمية دائمة للأنشطة العلمية الإسلامية، ووزعت الأعمال التأسيسية على المؤسسات المشاركة في هذا اللقاء، والتي كان من بينها اختيار د. إسماعيل الفاروقي رئيسًا مؤقتًا ويعهد إليه بتكليف من يراه لإنجاز الأعمال الضرورية خلال المرحلة التحضيرية، وتكليف د.جمال عطية بمتابعة إجراءات التأسيس وتعبئة الموارد المالية، وتكليف المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالبدء بمشروع الصياغة الإسلامية للعلوم وإعداد سلسلة كتب دراسية جامعية في الحضارة والثقافة الإسلامية.
انطلق المعهد العالمي للفكر الإسلامي في مشروع الصياغة الإسلامية للعلوم فعقد بالتعاون مع الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد مؤتمرًا سنة 1982م عن إسلامية المعرفة، قدم خلالها د.الفاروقي ورقة أصبحت هي خطة عمل المعهد بعد ذلك. وقد حصل على تمويل لنشاطه من الشيخ سليمان عبد العزيز الراجحي مكنه من مواصلة العمل، فعقد مؤتمرين آخرين: أحدهما سنة 1984م بالتعاون مع وزارة الشباب والثقافة الماليزية في كوالالمبور، والآخر سنة 1987م بالتعاون مع شعبة علم النفس بجامعة الخرطوم، واستمر في فتح مكاتب له وتفريغ العاملين في عدد من البلدان لتنفيذ خطته، حتى تغلبت الخطة الأمريكية، بتجفيف منابع العمل الإسلامي في أوائل التسعينيات، فانقطع عنه التمويل وتقلص نشاطه إلى الحد الرمزي الذي يبقي على وجوده القانوني.
من ناحيته تابع د. عطية ما كُلِّف به من تأسيس الندوة الدائمة حتى تم ذلك سنة 1982م باسم المجلس العالمي للبحوث الإسلامية، واختير السيد أبو الحسن الندوي رئيسًا للجنة الإدارية، ود.محمود أبو السعود، ود.إسماعيل الفاروقي نائبين للرئيس، ووضعت اللجنة في اجتماعها الأول الذي استمر ست جلسات خطة عمل المجلس، وواصل المجلس تنفيذ خطته في حدود التمويل المحدود الذي أتيح له.
كان هذا عرضًا سريعًا لتاريخ الخطاب الإسلامي المعاصر -ولا أصنفه كما فعل د.المسيري إلى قديم وجديد- من حيث أشخاصه ومؤسساته ونشاطه.
أما من حيث مضمون الخطاب فلعله قد اتضح من هذا العرض أن هناك اتفاقًا عامًّا على الأهداف، وأن الخلافات في هذا الصدد ناتجة عن ضبابية الرؤية لدى الجماهير ووضوحها لدى المفكرين ومن يقرأ لهم من المثقفين، وأن الخلاف على الوسائل مرتبط بمدى تحقق شروط ممارسة اللعبة الديموقراطية.

البداية       يتبع       عودة       النهاية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع