|
||||||||||||||||||||||||
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
محطات بديلة لتصنيف الخطاب الإسلامي تاريخيًا
غير أن الكاتب كان واضحًا حين صرح بأن نقطة الاختلاف بين الخطاب الإسلامي القديم (قبل 1965م) والخطاب الإسلامي الجديد (بعد 1965م) هو الموقف من الحداثة الغربية.تأسيس الإخوان المسلمين وتحديد الموقف من الحداثة الغربية: وإذا سايرنا الكاتب في هذه النقطة فإننا نجد أن سنة 1928م وليس 1965م هي النقطة الفاصلة في الموقف من الحداثة الغربية؛ ففي هذه السنة بدأ "حسن البنا" دعوته التي ترفض الغرب وتندد بمن دعا إلى أخذ الحضارة الغربية بحلوها ومرها وخيرها وشرها، والتي تبشر برؤية شاملة للإسلام على أنه حضارة تنظم جميع جنبات الحياة، وأنه دعوة عالمية للناس كافة، وليس للعرب أو المسلمين فحسب، كما أنه احتوى الدعوة القومية على أساس أنها إحدى الدوائر التي ينطلق إليها العمل الإسلامي، واعتبر تجديد الدين ضرورة بكل ما تشمله كلمة التجديد من عودة إلى الأصول، واجتهاد لمقتضيات العصر، وهو في هذا كله دعوة إلى تحديد الهوية والانتماء. وإذا كانت هذه الأفكار قد سبقه إلى بعضها الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، إلا أنه هو الذي بلورها ونقلها من مجال الفكر إلى مجال الحركة، ولا يمكن-إذن- تجاوز سنة 1928م إلى سنة 1965م التي لا تمثل أية نقلة نوعية في هذا الصدد.ظهور فكرة (المشروع) وتأثيرها في تيار الفكر الإسلامي المعاصر: وإذا أردنا أن نتجاوز معيار الموقف من الحداثة لنكمل رسم الصورة التاريخية للفكر -في خطوطها العامة- فسنجد أن سنة 1947م تمثل محطة ثانية ينبغي لمؤرخ الفكر أن يقف عندها ليسجلها. كان "حسن البنا" واعيًا لأهمية الجانبين التربوي والعلمي، بل لعل الجانب التربوي كان من مميزات الحركة التي أنشأها -حركة الإخوان المسلمين- إذا قورنت بغيرها من الجمعيات كالشبان المسلمين مثلا، ولكن ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية والمناخ السياسي المطالب باستكمال استقلال مصر والبلاد العربية الأخرى -خاصة سوريا ولبنان وفلسطين- وإلغاء معاهدات الحماية وجلاء القوات الأجنبية، والدور الهام الذي قام به الإخوان المسلمون في هذه القضايا فتح الباب على مصراعيه لإقبال جماهيري واسع للانضمام إلى صفوف الإخوان، مما أثّر على مستوى البرامج التربوية داخل الحركة، لعدم توافر الكوادر الناضجة بعدد كافٍ لاستيعاب هذه الأعداد الكبيرة، فكانت الحاجة ماسة إلى برنامج طوارئ لسد هذه الفجوة، خاصة في أوساط الشباب الجامعي. هذا من الناحية التربوية. أما من الناحية العلمية فقد كان واضحًا كذلك لـ "حسن البنا" أن نشاط الإخوان التربوي والاجتماعي والرياضي والسياسي يستوعب جميع الطاقات، ولا يترك فرصة لمبدأ (فلولا نفر من كلِّ فرقةٍ منهم طائفة ليتفقهوا في الدِّين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون). وقد حاول -وإن كان متأخرًا بعض الشيء- أن يستدرك هذه الفجوة، فجاء إنشاء مجلة "الشهاب" بداية لتوجه جديد يعاد فيه النظر في توزيع اهتمامات الجماعة عامة وحسن البنا خاصة، وكان كثير التحدث إلى إخوانه عن رغبته في هذا الشأن. في هذا الجو تداعى تسعة من شباب الإخوان -وكانوا لا يزالون في مرحلة دراستهم الجامعية- للتفكير معًا في هموم الدعوة ومشاكلها. وخلال العديد من اللقاءات الطويلة التي تدارسوا فيها أوضاع العمل الإسلامي خارج ساحة الإخوان وداخلها، وفي مصر وخارجها، وتحليل العلل والأمراض، وبحث الاقتراحات والحلول: توصلوا إلى صورة للعمل تتدرج من البدء بأنفسهم إلى العناية بصفوة يختارونها لتلقي برامج مركزة، ينقلون بعدها خبرتهم وثقافتهم إلى من يليهم، وعرف هذا العمل باسم "المشروع"، وقد عرض هذا النفر من الشباب خطة هذا "المشروع" على حسن البنا فباركه ووافق عليه وأمر بتفرغهم من أي أعمال أخرى في الجماعة للقيام بهذه المهمة، وقد تم بالفعل اختيار سبعين من صفوة الشباب، وبدأ العمل معهم واستمر حتى داهمت الجماعة أحداث 1948م من حل الجماعة واستشهاد حسن البنا والاعتقالات والقضايا التي توالت وشغلت الجميع وشتت شملهم في مختلف البلدان. خلاصة القضايا التي اهتم بها المشروع كانت تدور حول التربية والعلم والتخصص والاجتهاد. وقد بدأ بعضهم مشروعًا للنشر والتوزيع باسم "مكتبة لجنة الشباب المسلم"، وهو الاسم الذي شاع إطلاقه على المجموعة بأكملها بعد ذلك. وكان من أهم ما قامت الدار بنشره رسائل أبى الأعلى المودودي، وكتاب العواصم من القواصم لابن العربي تحقيق وتعليق محب الدين الخطيب.
أما من الناحية الفكرية فقد دفعت جهود هذه المجموعة الكثير من المشروعات في اتجاه أكثر نضوجًا وتبلورًا؛ فأنشئ على مستوى المركز العام للإخوان قسم للأسر، مهمته العناية بالبرامج التربوية، وقسم للخريجين، مهمته تنظيم عمل الخريجين ومتابعة نشاطهم في مهنهم ونقاباتهم، فضلاً عن تركيز العمل مع قسم الطلاب الذي كان قائمًا منذ زمن بعيد.كان التركيز في هذه الأقسام الثلاثة على بلورة الأفكار والانتقال بها من مرحلة العموميات إلى مرحلة أكثر تحديدًا، سواء على مستوى الأهداف أو الوسائل، وكان طبيعيًا أن يستفاد
بالكفاءات ذات التوجه الإسلامي من خارج دائرة أعضاء الجماعة، فكان التردد على مجالس العلماء والإفادة منهم بدءاً بعباس محمود العقاد، ومحب الدين الخطيب، ومحمود شاكر، وعلى الطنطاوي، ومحمد الهادي أبو ريدة، وغيرهم [يهمنا الإشارة هنا إلى وجود رافد هام للفكر الإسلامي هو أبو الأعلى المودودي والحركة التي أنشأها (الجماعة الإسلامية) في الهند، وسيأتي الحديث عنها فيما بعد].لقد تابع معظم هؤلاء الشباب السبعين دراساتهم العليا وتخصصوا في مختلف الفروع، وتابع بعضهم -كل على قدر استطاعته- رحلة العلم إنتاجًا وممارسة على أساس من التربية الرصينة التي تلقوها، وكان لهم أثرهم في البيئات التي تحيط بهم، وفي الأجيال التي أثروا فيها. تأسيس مجلة المسلم المعاصر، كمدرسة فكرية ونقلة جديدة في الفكر الإسلامي: ومن بلاد المهجر واصل أصحاب هذا الاتجاه سعيهم إلى إيصال رؤيتهم إلى الآخرين، وكان الحل الذي توصلوا إليه بعد سعي عدة سنوات هو إصدار مجلة فصلية تكون منبرًا للتعبير عن رؤيتهم، وندوة مطبوعة يتبادلون على صفحاتها الرأي، فكان ميلاد "المسلم المعاصر" سنة 1974م محطة جديدة في هذه المرحلة الفكرية، وقد عبّر مقالها الافتتاحي في عددها الافتتاحي عن أهم ملامح هذه الرؤية في مجال الاجتهاد، والحركة الإسلامية، والرؤية العالمية، وإقامة جسور الحوار والتعاون، وحرية الفكر، ووحدة الأمة الإسلامية، وتخطي ردِّ الفعل الدفاعي إلى الإنتاج المبدع البنَّاء، والفهم الأصيل للإسلام مستقلاً عن التأثر بالتيارات الاشتراكية والرأسمالية … إلى آخر هذه الملامح. لقد تابعت المجلة مسيرتها منذ عددها الافتتاحي في نوفمبر 1974م لتصل إلى العدد 86 في يناير 1998م مكونة بذلك مدرسة فكرية من مدارس تيار الصحوة الإسلامية المعاصرة.
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||