|
||||||||||||||||||||||||
|
أحمد قنديل- مصر ما هي الوجودية؟ وما موقف الإسلام منها؟ الإجابة لفضيلة الشيخ عطية صقر -رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا- الوجودية مذهب أو اتجاه فكري يعنى بالبحث في الوجود الإنساني، ويصورها "ريجيس جوليفييه" في كتابه "مذاهب الوجودية" بأنها اعتقاد أن أساس وجود الإنسان هو ما يفعله، بمعنى أن أفعاله هي التي تحدد وجوده، كما قال سارتر: أنا موجود فأنا أفكر، على عكس ما قال ديكارت: أنا أفكر فأنا موجود. إن هذا المذهب ليس جديدًا، فقد اهتم به كثيرون من الفلاسفة والأدباء والمتصوفين وغيرهم من قديم الزمان، وإن كان أبرزهم حديثًا هو "كير كجارد" الدانمركي (ت: 1855م) وآخرهم "جان بول ساتر" الفرنسي (1905م- 1980م). وبعض المعتنقين لهذا المذهب يؤمنون بوجود الله الذي خلق الإنسان، لكن يرون أنه رمى به في تيه يعيش فيه بين الألم والخوف والقلق، ومن هؤلاء: كير كجارد، جبرييل مارسيل، وبعضهم لا يؤمنون بأن الله خلق الإنسان، بل هو الذي خلق نفسه بنفسه، وذلك لعدم اليقين بمصدر وجوده الحقيقي، ومنهم: هيدجر، وسارتر. والذي يدرس تاريخ هؤلاء يتبين له أن ظروف حياتهم هي التي أملت عليهم هذا الاتجاه في التفكير، فقد كان "كير كجارد" منطويًا على نفسه منعزلاً، ولذلك حلل الوجود البشري تحليلاً يعيش في جو الحصر النفسي والتمزق الداخلي والشعور بالخطيئة، وكذلك "سارتر" حيث اهتم اهتمامًا كبيرًا بفكرة العدم باعتباره داخلاً في نسيج الوجود، فالفرد عنده يعيش في مواقف تتصف بالتميع، ويحاول أن يتخطى حدود نفسه ويخدعها، ومن أجل أن وجوده مرتبط بوجود الآخرين يرى تصارع إرادتهم مع إرادته في جو كله غثيان، والفرد يسعى جاهدًا إلى تحقيق رغباته، لكن ذلك غير ممكن، لأن إمكاناته لا تسعفه.
ويمكن أن نحدد أهم الصفات المميزة للوجوديين فيما يلي:1 - الإيمان بأن التجربة الفردية هي أساس المعرفة، وليس العقل أو غيره موصلاً إلى معرفة الحقيقة. 2 - الإغراق في تقديس الحرية الشخصية فكرًا وسلوكًا، وعدم الاهتمام بالآخرين بقدر الاهتمام بالنفس، ولذلك كثر فيهم الشذوذ والتطرف والآراء الغريبة، والإنسان هو صانع وجوده بنفسه، لأنه رب أفعاله. 3 - التشاؤم والقلق والتمزق، فالوجودي يحاول أن يخلع نفسه من نفسه ليعيش نفسًا أخرى، لأنه إما أن يكون قد قذف به في الكون وترك مع الطوفان بلا مدد أو وقاية، كما يقول الملحدون، وإما أن يكون الله قد ترك له حرية الاختيار، وإن كان الاختيار نفسه محدودًا بحواجز خارجة عن إرادته، وهو يشعر بها عند الفشل والمقاومة، فالوجود عندهم يتأرجح دائمًا بين الوجود والعدم أو بين الاختيار والجبر. وهي تجرِّد الإنسان من كل ثقة في الحياة، وتهدم كل أساس ينطلق منه العمل، يقول "هيدحر": إننا قد ألقي بنا إلى هذا العالم ولست أعرف لماذا ولا كيف، والشيء الوحيد الذي أعرفه حق المعرفة هو أنني سأموت يومًا من الأيام، فالإنسان مستقبله محدود ومتناه، وأنا أعرف ذلك. إن لهم تعبيرات غريبة عن التجربة الفردية التي يعيشونها، يقول عنها "كارل ياسبرز": إنها الإحساس بمدى هشاشة الوجود الإنساني، ويقول عنها "هيدجر": هي المضي نحو الموت، ويقول عنها "سارتر": الإحساس بالغثيان والتقزز، بل إن كثيرًا منهم لا يرضى أن يقال عنه: إنه فيلسوف، وإنما يقال: كاتب أو أديب، لأن الفيلسوف الوجودي يقصر بحثه على الوجود الخاص به، وهو يرى أن فلسفة البحث عن الوجود هي العدم، وذلك ما قاله هيدجر. ومن هنا اعتبر كبار النقاد أن سارتر أديب أولاً، ثم فيلسوف ثانيًا. 4 - تقوم الوجودية على إنكار وجود الله، وبالتالي إنكار الحياة بعد الموت، أو على عدم الرضا بقضاء الله وحكمته في هذا الوجود، وأنه بقدرته يمكن أن يغير أي حال إلى حال أخرى، الأمر الذي جعلهم يعيشون حياة القلق والتشاؤم والاهتمام بالذات وانتهاز الفرص التي ربما لا تتاح بعد. إن الناظر إلى هذا الفكر يراه مخالفًا للإسلام، وذلك لما يأتي:
أن الإسلام يقوم على الإيمان بوجود الله وبالحياة الآخرة، فالوجود الزمني في الدنيا معه وجود آخر دائم بعد الموت، فالعدم ليس نهاية الوجود كله، بل إن الحياة الآخرة خير لمن اتقى واستقام أمره. ليست وسائل المعرفة الصحيحة قاصرة على إحساس الفرد نفسه بما يعانيه من تجربة، فهناك العقل وميدان التفكير واسع غير محدود، وهناك الوحي المنزل من عند الله على رسله. ليست الحرية الشخصية في الإسلام أو في أي دين آخر، بل في.
أي تشريع أو عرف حرية مطلقة بغير حدود، فهناك ضوابط موضوعة لاستقامة السلوك وللمحافظة على حقوق الآخرين، ضرورة أن الإنسان مدني بطبعه، لا بد أن يعيش في مجتمع له حقوقه، ومعلوم أن الأهواء الشخصية مختلفة، وفي بعضها تضارُب كبير، والإنسان ليس كالحيوانات التي تسيرها غرائزها في أكثر أحوالها. الإسلام لا يرضى عن التشاؤم المطلق، أو اليأس المقنط، بل فتح باب الأمل ودعا إلى النشاط والعمل، ووعد بالعفو عن المسيء إذ أناب إليه، وباليسر والفرج لمن توكل عليه، وآمن برحمته وحكمته وهو يباشر نشاطه المأمور به.وكل ذلك له أدلته من الكتاب والسنة وآثار السلف وواقع التاريخ الذي أثبت أن المسلمين انطلقوا بإيمانهم العميق بالله وبالحياة الآخرة، وبالأمل الواسع في نصره وتأييده، وبالتزامهم الصادق للحدود التي وضعها الله للسلوك انطلقوا إلى الآفاق الواسعة، ينشرون كلمة الحق ويعمرون الدنيا بالخير. ولا حاجة بالمسلمين اليوم إلى استيراد أفكار وفلسفات وأنماط سلوك وضيعة هي نتاج عقول تخطئ وتصيب، وهي نضج لمعاناة شخصية في ظروف خاصة (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) يقول "بول فولكييه" في كتابه "هذه هي الوجودية": إن غموض شخصيات من اعتنقوا هذا المذهب جعل تعبيراتهم غامضة، وليس من السهل فهمها أو تحديد المعاني المرادة منها، ولذلك لما اعترض على سارتر بهذا الغموض قال: "لا عجب في عدم فهم ما أكتبه، لأن الواقع محال ولا يدركه الفهم". أمثل هؤلاء يتخذون زعماء؟
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||