|
الطيران
الشراعي يشعل فتيل الانتفاضة
ياسمين
عبد القادر
"انتهيت
من قراءة الخبر بكل تفاصيله، ومضيت أفكر بيني
وبين نفسي أما من نهاية لمسلسل الدم القاسي
الذي تدور أحداثه في فلسطين..".
لقد
كان ذلك تساؤلاً في مقالة كتبها "أحمد بهجت"
الصحفي المصري في الأهرام 28/11/1987، وكان يعني
بالخبر أول عملية فدائية من نوعها قام بها شاب
فلسطيني على متن طائرة، وذلك في يوم 25/11/87
مساءً، عندما هبط فلسطيني بطائرة خفيفة "
شراعية"
في
قاعدة عسكرية بشمال إسرائيل مقتحمًا بها
الأجواء الجوية0
دارت
تساؤلات كثيرة حينذاك عن فشل أجهزة الدفاع
الجوي الإسرائيلي في رصده، فضلاً عن عدم تمكن
طائرات الهليكوبتر التي كانت تقوم بأعمال
الدورية وقت الهجوم من كشفه وضبطه قبل تنفيذه
للهجوم0
تمكن
الفدائي من نصب كمين لسيارة إسرائيلية فقتل
ضابطًا وجنديًّا فيها، ثم تسلل إلى قاعدة
عسكرية، وألقى على خيام الجنود الإسرائيلية
عددًا من القنابل اليدوية، يتراوح عددها بين
أربع وخمس، ثم فتح نيران مدفعة الرشاش فقتل
خمسة وأصاب سبعة آخرين، ونشبت معركة ضاربة
بين المهاجم والجنود الإسرائيليين داخل
القاعدة استغرقت ساعة أو أكثر00
وانتهت
المعركة باستشهاد الفدائي الفلسطيني بعد
إصابته برصاصة في رأسه0
وبعد
تلك الواقعة ببضعة أيام بدأت الانتفاضة
الفلسطينية في ديسمبر 1987 ، مستخدمة كافة
المواد البسيطة والمتاحة في ابتكار كل
الأساليب الممكنة لمقاومة القهر والاحتلال00فكانت
هذه الطائرة من الابتكارات التي بدت أمامها
القوى الإسرائيلية متهالكة تمامًا رغم
جبروتها الظاهر00 هكذا، فإنه يمكن اختراق حتى
أعتى الترسانات المسلحة إذا جاء هذا الاختراق
بأسلوب مبتكر حتى لو كان بدائيًّا أو شبه
بدائي.
قصة
الطائرة
استخدم
الفدائي في تلك العملية نوعًا من الطائرات
الخفيفة عبارة عن جناحين على شكل مثلث تشدها
مواسير من المعدن، يمسك بها الطيار بيديه
وجسمه معلق في الهواء بلا مقعد وليس في هذا
النوع من الطائرات التي تسمى بالإنجليزيةh ide
glider محركات، وهي تستخدم عادة في المناطق
الجبلية وعند سفوح المرتفعات والتلال، يعدو
الطيار بها قليلاً هابطًا إلى منطقة منخفضة
فيدفع الهواء الجناحين وتُحلِّق الطائرة
منزلقة إلى أسفل، والطيار يوجهها بتحويل جسمه
حتى يصل إلى الأرض واقفًا على قدميه.
-
ولكي يستطيع هواة هذه الرياضة البقاء في الجو
فترة أطول والوصول إلى مسافة أبعد أضاف البعض
إلى الطائرة محركًا صغيرًا لا تزيد قوته عن 15
حصانًا.
بداية
الطيران الشراعي
وقد
بدأت قصة تلك الطائرات عندما نشبت الحرب
العالمية الثانية 1939 .. حيث طلبت السلطات
البريطانية من الحكومة المصرية في ذلك الوقت
وقف نشاط الطيران الشراعي رغم أنه كان
محدودًا جدًّا؛ فلم يكن هناك غير ثلاث طائرات
صغيرة تستخدم إحداها في التعليم للمبتدئين
والأخرييان في ممارسة الرياضة للمتقدمين.
-
واشترت القوات البريطانية الطائرات الثلاث
لتبقى في صناديقها منذ نقلها إلى إحدى
القواعد الجوية البريطانية في منطقة قناة
السويس .. ولم يُفتَح أي من هذه الصناديق إلا
بعد انتهاء الحرب ببضع سنوات، وعمل نادي
الطيران لاستردادها مرة أخرى.
-
كان الحلفاء يخشون استخدام الطائرات
الشراعية في التجسس على القوات البريطانية في
مصر؛ لأن هذه الطائرات تُحلّق في الجو دون أن
يُسمَع لها صوت، فهي ليست مزودة بمحركات،
وبالتالي لا يلتفت إلى وجودها أحد.
-
والغريب أن الألمان استخدموا الطائرات
الشراعية بعد ذلك في غزو جزيرة كريت .. إحدى
القواعد المهمة للحلفاء في شرق البحر المتوسط
.. ليلة العشرين من مايو عام 1941.
-
وقد لجأ الألمان إلى خطة فريدة في غزو كريت
لأول مرة في التاريخ، إذ صنعوا عددًا من
الطائرات الشراعية كبيرة الحجم نسبيًّا،
وربطوها بعضها ببعض بأسلاك متينة، وسحبتها من
الأرض طائرة ذات محركات ارتفعت بها إلى الجو
وأصبحت كقاطرة تجرعربات، اتجهت بها إلى منطقة
قريبة من كريت ثم تخطت الأسلاك، ونزلت
الطائرات الشراعية المحملة بالجنود إلى
الأرض في جنح الظلام دون أن يشعر بها أحد من
قوات الحلفاء الذين فوجئوا بالغزو الألماني
للجزيرة.
-
ونجحت الخطة التي لم يفكر بها أحد قبل الألمان
الذين كانوا من أشد المؤمنين بقيمة الطيران
الشراعي وأهميته في إعداد الطيارين لقواتهم
الجوية بسرعة كبيرة وبتكلفة بسيطة.
-
وأفاد الحلفاء من تجارب الطيران الشراعي،
وصنعوا طائرات شراعية كبيرة، استخدموها بعد
ذلك بثلاث سنوات ليلة 6 يوليو/44 ، عندما قاموا
بالغزو الكبير "لنورماندي" في فرنسا،
الذي قاده "إيزنهاور" وانتهى بهزيمة "هتلر"
وقوات المحور، وأسدل الستار على الحرب
العالمية الثانية.
-
وبعد 42 عامًا، أي في عام 87 ، جاءت العملية
الفدائية للشاب الفلسطيني التي زلزلت القوات
الإسرائيلية وكافة العالم.
-
وقد انتشرت رياضة هذا النوع من الطائرات في
كثير من الدول، وأصبح هناك اليوم 87 مسابقة
وبطولة عالمية ومحلية للطائرات التي ليس لها
محرك، والتي قدر عدد الموجود منها بالآلاف.
-
وفي عام 86 ، سجّل الطيار الكندي "راندي هابي"
رقمًا قياسيًّا عالميًّا؛ إذ حلًّق بجناحيه
– دون محرك – في خط مستقيم لمسافة 321.47 كم،
وبعده سجَّل الطيار الإنجليزي "جيوفري"
رقمًا آخر؛ حيث أخذ في الطيران إلى هدف محدد
يبعد عن نقطة الانطلاق مسافة 72.19كم بين
منطقتين في ولايتي كاليفورنيا ونيفادا
بالولايات المتحدة.
-
والأرقام تتطور في صحوة جديدة التي صنع أولها
"أوتو ليلينال" الألماني في أواخر القرن
الماضي بعد محاولات ناجحة بأجنحة مختلفة
صنعها بنفسه، وإن كان قد راح ضحية واحدة منها
..
-
والغريب أنه فكَّر في إضافة محرك إلى طائرته
وضعه فعلاً وزود به الطائرة، ولكنه مات في
حادثة لطائرة أخرى قبل أن يجرِّب تلك التي
أضاف إليها المحرك والموضوعة في أحد المتاحف
حتى اليوم .. "موسوعة جينيز".
-
وتشير سجلات الاتحاد الدولي للطيران إلى أن
هناك نحو مائة ألف شخص يمارسون هذه الهواية في
50 دولة.
-
أما الطائرات المسماة (الشراعية) فهي طائرات
لا محرك لها، وإن كانت أيضًا قد أضيف إلى
أنواع حديثة منها محركات صغيرة جدًّا،
تستخدمها فقط في الصعود إلى الجو بدلاً من
سحبها بطائرة أخرى أو بجذبها بونش أو
سيَّارة، تلك الطائرات تسمى Gliders
بالإنجليزية، وربما كان الأفضل أن تسمى
متزلقة ..
علوم وتكنولوجيا
عـودة
|