|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
صفحة من تاريخ العلوم: البارود
والمدافع في الحضارة الإسلامية خالد عزب
البارود
هناك
جدل واسع حول تحديد اسم المكتشف أو
المخترع الأصلي للبارود و المدفع، حتى اتضح
أن كثيرًا من الباحثين لم يدركوا حقيقة الأمر
نتيجة لخطأ في فهم الأسلوب اللغوي الذي كتبت
به المخطوطات القديمة. وقد ذكر ابن البيطار في
كتابه "مفردات الأدوية" كلمة "بارود"(ii)
لأول مرة، وبمناقشة الآراء التي قيلت عن أي
الأمم اخترعت البارود نطمئن إلى سبق
المسلمين في هذا المجال ؛ فجوستاف لوبون
وسارتون وزيجريد هونكه وغيرهم كثيرون أجمعوا
على أن الأوروبيين قد عرفوا البارود عن طريق
العرب ونقلوه عنهم، وفي ذلك يقول جوستاف
لوبون: "وعزي الاختراع إلى روجر بيكون
زمنًا طويلاً.. مع أن روجر بيكون لم يفعل غير
ما فعله ألبرت الكبير من اقتباس المركبات
القديمة، فقد عرف العرب الأسلحة النارية قبل
النصارى بزمن طويل"(iii) ، وتقرر
المستشرقة هونكه "أن الخليط العربي العجيب
الذي يحدث رعدًا وبرقًا قد وصل إلى بعض علماء
أوروبا أمثال روجر بيكون وفون بولشتدن"،
وتضيف: "ثم حدث أن انتقلت النظرية إلى
التجارب العلمية – لدى العرب – التي هزت كيان
العالم، فالعرب في الأندلس هم أول من استخدمه
في أوروبا"(iv). ويستشهد
أصحاب الرأي السابق بما وجدوه في المخطوطات
الإسلامية التي تعود إلى القرن 4هـ/ 10م (أي قبل
بيكون بثلاثة قرون، فقد جاء في وصف صناعة
البارود: "تؤخذ عشرة دراهم من ملح البارود
ودرهمان من الفحم ودرهم ونصف من الكبريت
وتسحق حتى تصبح كالغبار، ويملأ بها ثلث
المدفع فقط خوفًا من انفجاره، ويصنع الخراط
من أجل ذلك مدفعًا من خشب تتناسب فتحته مع
جسامة فوهته، وتدك الذخيرة بشدة ويضاف إليها
البندق (كرات الحديد)، ثم يشعل ويكون قياس
المدفع مناسبًا لثقله"(v). وفي
كتاب حسن نجم الدين الرماح "الفروسية
والمناصب الحربية" والذي يرجع للقرن 7هـ/ 13م،
شرح وتفصيل لصناعة البارود في العالم
الإسلامي، عن طريق استخلاص ملح البارود من
الطبيعة وتنقيته في المختبرات الكيميائية،
فهذا الكتاب يدلنا على أن تلك الصناعة كانت قد
بلغت في العالم الإسلامي شأنًا كبيرًا من
التطور. ويشيع
البعض أن الحضارة الصينية عرفت البارود قبل
المسلمين، واستعملوه في الألعاب النارية
والأغراض الدينية. والذي استعمل في حقيقة
الأمر لدى الصينيين هو ملح البارود وتركيبه
الكيميائي (نترات البوتاسيوم)، وهو مايعرف
باسم (البارود الأسود الخام)، وسُمِّي
بالبارود؛ لأنه قابل للاشتعال عند التسخين
أوإذا لامسته النار.. فهذه المادة الخام هي
التي عرفها الصينيون واستعملوها كما هي في
الطبيعة دون تركيب أو تحضير، وكان معروفًا في
مصر وسماه أهلها "الثلج الصيني"(vi)
، فيقول نيدهام في مؤلفه "العلم والحضارة
في الصين": إن المسلمين قد عرفوا ملح
البارود "Salt peter" عن الصينيين وكانوا
يسمونه "الملح الصيني"، وكان هذا الملح
يؤخذ من الحجارة أي من الموارد الطبيعية في
أواسط وشرقي آسيا"(vii). أما
بارود المدافع Gun powder فهو تركيبة كيميائية
اخترعها المسلمون في معاملهم، وتتركب من (نترات
البوتاسيوم بنسبة 75%+ كبريت بنسبة 10% + فحم
بنسبة 15%)(viii). المدافع..
اختراع إسلامي
وقد
اختلف مؤرخو العلوم حول نسبة ابتكار أو
اختراع البارود إلى ثلاث حضارات، واختلفوا
أيضًا في نسبة اختراع المدفع إلى نفس
الحضارات الثلاث، ولردِّنا على ذلك سنذكر
استخدام المدفع في شرق وغرب ووسط العالم
الإسلامي، مقرنين هذا الاستخدام بالتواريخ
التي تدحض آراء الآخرين. المدافع
في شرق العالم الإسلامي
وأقوى
الشهادات الصينية هو ما وجدناه في كلمة (بهو)
في ديوان لغات الصين، ويقول صاحب الديوان عن
هذه الكلمة: وهي آلة نارية تستعمل في الحرب،
لقد صنعها إسماعيل وعلاء الدين من أهل الغرب(x)،
للمغول الذين استعملوها في الحملة على مدينة
"سيانغ يانغ فو" في سنة 1232م، ومن ثَمَّ
تعلم الصينيون استعمال المدفع الناري في
الحرب(xi). في
غرب العالم الإسلامي
قام
الأندلسيون خاصة في غرناطة، بتطوير الأسلحة
النارية واعتمدوا بشكل متنامٍ على البارود،
ويعتقد أنهم أبدعوا أول أنواع المدافع في
التاريخ، هذا وهناك بعض المخطوطات العربية (قسم
منها محفوظ في دير الإسكوريال، قرب مدريد)
التي تفيد بأن عرب الأندلس وعرب المغرب
استخدموا بعض الأنواع الأولى من المدافع منذ
أوائل القرن 7هـ/ 13م. وذكر
ابن خلدون في تاريخه لدى حديثه عن السلطان
المريني أبي يوسف، وحصاره لمدينة سجلماسة على
طرف الصحراء في سنة 672هـ/ 1273م، قال ابن خلدون:
"ونصب عليها آلات الحصار والعروات، وهندام
النفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من خزانة
أمام النار الموقدة في البارود، بطبيعة غريبة
ترد الأفعال إلى قدرة باريها"(xii). وعن
الأندلسيين والمغاربة أخذت أوروبا وسواها
معارف استخدام المدافع والبارود وقامت
بتطوير ذلك، ويذكر هنا أن الأسبان اعتمدوا
على المدفعية في حروب الاسترداد، وسقطت
الأندلس، وقامت دول أوروبا وعلى رأسها كل من
أسبانيا والبرتغال بنشاط بحري هدفه احتلال
وتطويق العالم الإسلامي، ووقعت معارك كثيرة
بين عرب المغرب وأساطيل هاتين الدولتين: ولعل
أهمها معركة وادي المخازن 1578م في المغرب، ثم
ما يعرف باسم حرب الثلاثمائة سنة مع الجزائر،
وفي هذه المعارك كانت المدفعية هي السلاح
الرئيسي والحاسم، ولقد أبدى عرب الشمال
الأفريقي تفوقًا واضحًا في استخدام هذا
السلاح، حتى ليخيل للمرء أن المغرب كانت بعد
معركة وادي المخازن مهيأة للدخول في مرحلة
تاريخية جديدة نظيرة لما عرف في عصر النهضة في
أوروبا، إنما تبديد طاقات هذه المملكة في
أفريقيا السوداء، وسيطرة زوايا الصوفية
وتحكمها بعقول الجماهير إلى قلة المعادن
والأخشاب، مع أسباب أخرى أدى إلى ضياع هذه
الفرصة. واصل
القراءة عن:
([i])
فرنان برودل، الحضارة المادية والاقتصادية
والرأسمالية، ص526، 527، ترجمة د. مصطفى ماهر،
نشر دار الفكر للدراسات، القاهرة، 1993م. ([ii])
د. صلاح حسين العبيدي، أنواع الأسلحة
العربية الإسلامية وأوصالها، ص152، الجيش
والسلاح، الجزء الرابع، بغداد، دار الحرية
1988م.
|
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||