بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

(جولة صحية)

خريطة الجينات: بين أحلام البشرية وأوهامها

نوال السباعي-أسبانيا


فاجأ علماء الوراثة الذين كانوا قد نجحوا قبل عامين، بتوليد النعجة "دوللي" عن طريق استخدام "تقنية" الاستنساخ، فاجئوا العالم يوم 20/1/99 بإعلانهم عن التفاوض مع شركات أمريكية، سوف تقوم بتمويل برنامج مجموعتهم التي ستبدأ خلال أسابيع فقط العمل لإنتاج "نسخ" من علقات إنسانية لأهداف علاجية!

وقد أصاب هذا الخبر – الذي قد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى – الأوساط العلمية والاجتماعية والسياسية بهزة عنيفة، بسبب السرعة المذهلة التي تتلاحق بها مسيرة هذه السلسلة من الكشوفات العلمية، بسبب بدء العمل في المجال الإنساني، وبسرعة تفوق قدرة القائمين على الدول والمجتمعات على ضبط هذه المسيرات، وتقنينها، وإخضاعها لرقابة الأعراف القانونية والأخلاقية في هذا المجال.

وقبل أن نبدأ البحث في هذه الحلقة الأخيرة مما وصلت إليه هذه الأبحاث لا بد أن نفرد مساحة للحديث عما سبق ذلك – قبل ثلاثة أشهر فقط من إعلان الدكتور غرايغ فنتر أحد كبار العلماء الذين دفعوا مشروع تفكيك الصيغ الوراثية الإنسانية على هامش المشروعات العلمية الحكومية في الولايات المتحدة الأمريكية – حيث ذكر: إنه يتوقع أن يتم ضبط سلسلة الجينات أي المورثات الإنسانية وإثباتها في خريطة واضحة لجميع هذه المورثات، وذلك بسبب التوصل إلى إستراتيجيات حديثة في البحوث، إضافة إلى التوصل إلى بناء آلة جديدة أسرع عشر مرات في قدرتها العملية من الآلات التي كانت تستخدم على أساس قوى النبذ لفصل الصبغيات (الكروموسومات) الحاملة لهذه المورثات، وذلك قبل عام 2001 كما قال.

ما هي الخريطة الوراثية؟

الخريطة الوراثية هي كشف بقائمة المورِّثات الإنسانية التي تحملها الصبغيات المتواجدة في نوى الخلايا، وقد يتواجد بعضها في مادة النواة السائلة كذلك، فهذه المورثات تحمل جميع الصفات المحددة للنوع الإنساني، فالخريطة الوراثية هي كشف علمي أشبه ما يكون بورقة التعليمات التي تصاحب كل آلة من الآلات التي نشتريها؛ حيث يأتي فيها اسم أجزاء الآلة ووظيفتها، وآلية تركيبها وتفكيكها.

وهذه المورثات تتواجد على أشرطة صغيرة ملتف بعضها على بعضها الآخر، على شكل حلزونات، داخل نوى كل خلية من خلايا الجسم الإنساني.. وهذا يعني أن كل خلية من خلايا أجسامنا تحمل شريطاً مسجلاً من المورثات التي ورثنا نصفها من الأم ونصفها من الأب وبشكل متساوٍ تماماً.

هذا الشريط يحمل تلك الميزات التي تجعل كلاً منا إنساناً، كما تجعل من كل إنسان مخلوقاً متميزاً عن غيره من بني الإنسان.

وبصورة عامة فإن هذه الخارطة ليست إلا الأبجدية الإنسانية لما يوجد داخل نوى خلايانا من مادة وراثية، على شكل مورثات تحمل كل منها صفًّا وراثية على الأقل، وقد قال الدكتور "غرايغ فنتر" إنه لم يستطع التوصل بعد إلى العدد الكامل لهذه الصفات، ولكنه يتوقع أن يتوصل العالم لضبطها خلال ثلاثة أعوام، وأن عددها يمكن أن يتراوح بين 50 ألف إلى 80 ألف مورثة.

كما ذكر أن مجموعته بصدد إصدار الخارطة الوراثية لذبابة الفواكه، التي تعتبر المخلوق الذي يدين له العلم بالتقدم الهائل الذي أحرزه في مجال دراسة الصبغيات والمورثات الحيوانية، وذلك بسبب سرعة دورتها التكاثرية، وقلة عدد صبغياتها – 8 صبغيات – وستكون الخارطة الوراثية الذبابية هذه تجربة رائدة تمهد لإصدار الخارطة الوراثية الإنسانية، التي ستصبح قاعدة أساسية من القواعد الرئيسية في دراسة المورثات والتعامل مع المعلومات الوراثية الإنسانية في المستقبل، وقد علق فنتر على ذلك بالقول: "إن العلماء سيستخدمون هذه الخارطة، بعد مائة عام بنفس الاستخدام الذي سنستخدمها، فور الكشف عنها، أي أنها ستصبح قائمة ثابتة، كقوائم العناصر المعدنية، بأثقالها الذرية، وقوائم المركبات الكيميائية، إلى آخر هذه السلسلة من قوائم المعلومات الأولية للمواد الرئيسية التي تتكون منها الأحياء، والجمادات على هذه الأرض.

ولقد كان الأصل في التوصل إلى هذا الكشف أمرين أساسيين، تم أولهما يوم خرج دارون بفرضيته الشهيرة، بعد دراسات ومقارنات مضنية في القرن الثامن عشر.. التي لم يقطع العلم بها حتى الآن، بل ما زالت تلك الفرضية مثار أخذ ورد ودراسة وبحث جاد من قِبل جميع العلماء العاملين في حقول العلوم الطبيعية مجتمعة، والتي ما زالت في أمس الحاجة في بلادنا، لمن يقوم بها، ويعطيها حقها من البحث والتمحيص والنقد والغربلة والدراسة والتنظير.

وأما ثانيهما فقد جاء على يد الراهب النمساوي "جون جورج مندل" الذي وضع حجر الأساس لعلم الوراثة، والذي شكل مع الدراسات التطورية، التي يمكن الإفادة منها دون التسليم بها، ولا بالأصل العقيدي الذي بنيت عليه – القاعدة التي انطلق منها العلماء خلال مائة وخمسين عاماً في بحوثهم المعقدة، والطويلة، والصعبة.. حتى توصلوا إلى ما يسمى بعملية الاستنساخ، ثم الإعلان عن كشف الخريطة الصبغية الإنسانية.

وقد كان "الدخول إلى الخلية"، الأصل الذي فتح باب العلم على مصراعيه لتطوير المفاهيم الجديدة عن العلم وعن الحياة.. في محاولة جادة – من قبل العلماء الغربيين الذين كانوا روادًا في هذين القرنين الأخيرين في هذا المجال – للإجابة عن الأسئلة الثلاثة الرئيسية التي تؤرق العقل الغربي.. من أين جئنا؟ من نحن؟ وإلى أين نمضي؟

ولقد مضى قرنان قبل أن نشهد ثورة المعلومات الحيوية التي تعيشها الإنسانية اليوم دون أن تثير هذه الكشوفات دهشة ولا استغراب الملمين بشيء من العلوم الطبيعية، ذلك أن هذه النتائج ترتبت بالضرورة على انفراط عقد السلسلة التي كانت بدايتها فرضية التطور بما لها وما عليها.. مروراً بكشوفات مندل والفتوحات التي ترتبت عنها، وانتهاءً اليوم بالإعلان عن الوصول لخريطة الجينات البشرية .

هذا الحصن المنيع الذي يُدعى الخلية وهو أصغر وحدة في عالم الأحياء من إنسان، ونبات، وحيوان.. هو الوحدة البنيوية للأجسام، وفيه يكمن سر الحياة وسر تنوع الحياة. فمنذ اخترق العلماء هذا الحصن المنيع الذي يدعى الخلية؛ بدأت بقية الحصون بالتداعي واحدًا تلو الآخر.. فدخل العلم النواة، ثم وصل إلى الصبغيات (الكروموسومات).. حتى كشف عن المورثات المصفوفة – تجاوزًا - على الصبغيات ومرورا باستنساخ النعجة دوللي.

 وقد أدى تلاحق هذه الكشوفات بمثل هذه الكثافة إلى بلبلة كبيرة ومخاوف في جميع الأوساط الحكومية، والعلمية، والدينية، والشعبية، وفي جميع بلدان العالم.. وذلك خوف استخدامها، استخدامات غير أخلاقية خاصة في مجال إجراء التجارب على البشر، والتي أصبحت واقعاً معروفاً في العديد من الدول التي تتمتع بتقدم علمي تقني رفيع المستوى.

وكان هذا الأمر قد دفع البحاثة فنتر إلى المطالبة باستصدار ما يسمى براءة اختراع فيما يخص العمل في الخارطة الوراثية، تحدد مجال البحوث فقط في تلك المورثات التي تتمتع بخاصية علاجية، أو يمكن استخدامها في هندسة وإنتاج الأدوية.

أما الدكتور "إيان هيلموت" أبو النعجة دوللي فقد أعرب في البيان الصادر عن مؤتمر بلنشية، وفي المؤتمر الصحفي الذي عقد عقبه، والذي نشرته صحيفة الـ A.B.C الأسبانية الصادرة في نفس التاريخ عبر عن انزعاجه الشديد، وقلقه بسبب الخوف من عدم تلازم هذه الكشوفات مع استخدامات علمية ذات أرضية أخلاقية مناسبة.

وقال: إن هناك مؤسسات تستصدر رخصاً قانونية للعمل في بعض المورثات التي اكتشفت، وهي مؤسسات غير معروفة الهوية والأهداف، وأضاف: إن شركته ستعمل على مراقبة هذه الشركات وتحركاتها عن كثب، وستعمل بالتعاون مع المؤسسات الصيدلية، والتقنية البيئية الحيوية (البيوتكنيكية) لاستصدار قوانين تمنع التلاعب بالعلقات الإنسانية، وإجراء أبحاث وتجارب عليها، بل تسمح وفقط بالتعامل مع المورثات الخاصة بصورة استثنائية باستخدامات العلاج ومجالات البحث عن الدواء – صحيفة A.B.C الأسبانية الصادرة 22/10/98.

ولكن وقبل أن تمضي ثلاثة أشهر فقط على هذا الإعلان فاجأ الدكتور هيلموت نفسه، العالم يوم 20/1/99 بإعلانه شخصيًّا عن البدء الفوري بمشروع استنساخ العلقات الإنسانية – صحيفة الموندو الأسبانية 21/1/99 – وهو الذي كان قد ملأ الدنيا صراخاً – كما يقال – معارضاً أي نوع من أنواع "الاستنساخ البشري"، فإذا به يعلن تعاقده مع الشركات الأمريكية لاستنساخ علقات إنسانية – قناة  B.B.C  البريطانية مساء العشرين من يناير 1999.

وقال: إن التجارب ستجرى على تلك العلقات الإنسانية، المتبقية في المخابر، بعد إجراء تجارب معالجة العقم، واللقاح الاصطناعي، وإنها سوف تقتل فور بلوغها مرحلة الجسم التوتي، إذ إن المقصد هو انقساماتها الرئيسية حين يبلغ عدد خلايا العلقة 140، وذلك لأخذ هذه الخلايا الأم التي يمكن أن تستخدم فيما أسماه زراعة الخلايا الإنسانية الجنينية التي تشكل مصدراً لجميع أنواع الأنسجة في الجسم الإنساني، وهذا يعني – كما يقول الدكتور هيلموت – تبعاً لا حدود له في مجال الزراعة في الجسم الإنساني

إذن فقد أصبحت الإنسانية بين عشية وضحاها أمام تحدٍّ أقل ما يقال فيه: إنه مرعب وعلى الرغم من أن الدكتور محمد الهواري أحد كبار العلماء المسلمين المشتغلين والمتصدين لقضية الهندسة الوراثية ومجالات استخداماتها الحديثة، على الرغم من نصحه بعدم إغلاق الباب في وجه هذه البحوث، التي لا نعلم إلى أين سوف يصل بها درب العلم، وعدم تخلفنا عن هذا الركب الخطير علميًّا وإنسانيًّا، وعلى الرغم من توافق رأيه – حرفيًّا – مع رأي مجموعة هامة من أعضاء المجلس الأعلى للبحوث العلمية في أسبانية، الذين أعربوا عن مخاوفهم من تخلف أسبانية عن ركب سيمر رغم أنف الجميع، وسيكون المتخلفون عنه كالمتخلفين عن ركب العلوم الذرية، وأبحاث الطاقة النووية، خاصة أن أسبانيا واحدة من الدول التي وقعت على ميثاق تحريم استخدام الإنسان في هذه الأبحاث جملة وتفصيلاً -على الرغم من ذلك كله فإننا لا نستطيع إلا أن نقف متسائلين أمام هاتين المعادلتين الصعبتين المطلوب منا – كشعوب وكإنسان أن نفهمهما، وهما: هل يتماشى الحس الأخلاقي مع سرعة التقدم العلمي؟ وهل يبرر ما نحلم به من شفاء وعافية وخدمات طبية إنسانية مستقبلية، هذا الذي نعيشه اليوم من عبث وتلاعب في مادة الحياة؟

إنها أسئلة صعبة تعكس خطورة المعادلات المطروحة على الساحة العالمية اليوم في حياة الإنسان وخطورة هذه القضية التي لا تنبع من هذه التجارب، بقدر ما تتعلق بعمق الجهل العام بين شرائح عريضة من كافة المجتمعات الإنسانية، وقد وجدت نفسها أمام تحديات تهدد تصوراتها عن وجودها، وعن الحياة. بل لقد استطاعت أحلام العلماء التي نظنها قد بلغت حدًّا غير مفهوم حالياً على الأقل من الشطط، أن تهز قناعات وعقائد الناس.

ومن هنا برزت ضرورة البحث الجاد عن مفتاح أمان في مواجهة هذا الوضع، يتلخص في فهم الدور المحدد والثابت للعلم وهو كونه وسيلة للمعرفة، وينحصر واجب العلماء في الكشف عن الحقيقة، لتستعمل وفقط من أجل مصلحة الإنسان، في إطار احترام الإنسان، واحترام أخلاقيات المعرفة الإنسانية، مما يجعل المشكلة تقتصر على تحديد هذه الأخلاقيات، وضبط الموازين التي يجب أن يتم التعامل فيها.

وإنه مما يؤسف له، أن هذا التأمل الذي ندعو له، وما يمكن أن يليه من اتخاذ قرارات يتقدم بخطى شديدة البطء والتخلف التام عن تلك الخطوات السريعة والهائلة التي ينهب بها العلم الأرض نبهاً.

وعلينا نحن المسلمين، وقد أصبح بإمكان أي مختبر وراثي أن يقوم بهذه التجارب وفي سهولة مطلقة، أن نرجع إلى أولي العلم منا قبل التسرع والتهور في تكوين الأفكار العامة، فإنه من السهولة بمكان أن يقع المرء في دائرة إطلاق الأحكام بالإدانة والتحريم، دون أن يفهم مجمل القضية؛ لأن هذه القضية مما تنفر من ذكره النفوس عامة، ومما يؤلم الناس العاديين  أمثالي ، الذين يرون فيها أكثر من بحث عن علاج، وأكثر من تقص لأسباب تحسين معيشة الإنسان على الأرض.. فنحن – أنا وكثير من الناس العاديين – نرى فيها بحثاً خفياً عن الوهم الإنساني القديم عن الخلود بين ضلال وضياع وشقاء؛ لأن هذه الأرض ليست مكاناً لهذا الخلود ولا محلاً له.

أما علماؤنا الأفاضل فإنهم يرون في هذه الثورة المعلوماتية الوراثية جبهة جديدة فتحت على أمم الأرض اليوم، ويرون أنه لا بد من الانطلاق، من أسس عَقَدية، وإجراء بحوث ودراسات كاملة للتمييز والتدقيق، وتحريمًا يمكن أن ينشأ عن هذه الكشوف من ضرر اجتماعي أو أخلاقي.. أو فوائد ترجى.

وبين هذا الموقف وذاك، تبقى الأسئلة هي الأسئلة، والمعادلات هي المعادلات.. التي تتحدى المجتمع الإنساني كله بحضاراته، وقيمه؛ لأنها تتعلق بقضية الكرامة الإنسانية والوجود الإنساني من جهة وبقضية تفوق وهيمنة واستعلاء فئة من هذا المجتمع البشري الكبير على فئة أخرى، عن طريق تحقيق خطوات واسعة هائلة من التقدم العلمي في هذا المجال، تضمن لها المزيد من الرفاه، والمزيد من الاستعلاء العرقي، والحضاري.. والمزيد من إحكام قبضتها على الآخرين.

أقرأ أيضًا:

- "خريطة الحياة": مخاوف من سيطرة غربية أخطر على العالم

- تساؤلات حول آثار تدشين خريطة الجينات البشرية

- الأسس العلمية لخريطة الجينات

- خريطة الجينات: هل هي بداية النهاية؟

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

علوم وتكنولوجيا      عـودة

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع