بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

ثانيًا: الأبحاث الجينية: الرأي العام والمنافسة الاقتصادية 


       أول استفتاء في العالم عن أبحاث الجينات فيما يعرف بالهندسة الوراثية تمّ في سويسرا وهي بحق بلد الاستفتاءات؛ إذ كلما احتاروا أو اختلفوا على أمر حوّلوه إلى استفتاء. منتهى الديموقراطية! ففي شهر يونيو 1998.. طرح السويسريون استفتاء حول حرية إطلاق أبحاث الهندسة الوراثية في النبات والحيوان. والجدير بالذكر أن هؤلاء السويسريين هم من أكثر شعوب العالم حذرًا من مسائل التدخّل العلمي في الجينات التي تدخل في الأغذية بنوع خاص. وكان موضوع الاستفتاء هو: نحن نريد الحد من أبحاث الجينات في النبات والحيوان.. فما موقفكم؟ وجاء الاستفتاء بالسلب: كلا.. بل تنطلق الأبحاث بلا عوائق وتواصل اكتشافاتها.. أغلبية 2 إلى 1 فكان ذلك مؤشرًا وأي مؤشر لأوروبا كلها؛ إذ بقيت الشعوب الأوروبية الأخرى تنتظر نتيجة هذا الاستفتاء السويسري كمحك أو اختبار كأول رد فعل تجاه هذه التكنولوجيا التي سيكون لها أكبر تأثير على مقدرات العيش في القرن الجديد! فلما رفض السويسريون الحد من تلك الأبحاث وصوتوا معها كان ذلك مؤشرًا على أن السويسريين قد وجدوا المكاسب الإنسانية والمادية من وراء انطلاقة هذه التكنولوجيا تفوق كل ما تردد عن احتمالات مخاطرها!.

       وقد سبق الاستفتاء بأقل من شهر واحد قرار يخص هذا الأمر ولا يقل أهمية صدر عن البرلمان الأوروبي بعد 10 سنوات من الصراع وسباق في الشد والجذب ما بين المؤيدين والمعارضين لتلك الانطلاقة العلمية والتي قد تمسّ حياة الإنسان على نحو يفوق أي تكنولوجيا أخرى! ثم لوحظ أن المعارضين ينحصرون في أنصار حماية البيئة فحسب، وهم الذين ينسبون إلى هذه التكنولوجيا ما يصفونه أو يصمونه بالعبث الذي يمارسه الإنسان ضد الطبيعة!

       وإنما ومن بعد هاتين العلامتين البارزتين على طريق تكنولوجيا الهندسة الوراثية وهما: قرار البرلمان الأوروبي ثم الاستفتاء السويسري الذي أعقبه.. انطلق علماء أوروبا في أبحاثهم لحاقًا بمنافسيهم من العلماء الأمريكيين إلى هذا المجال الواعد، وهو واعد لكونه أكثر الصناعات المربحة قاطبة في القرن الجديد فلا يخفى أن شركات الأدوية في أوروبا تتلهّف على قطعة أكبر من الكعكة الدسمة التي تساوي في المستقبل المنظور بضع عشرات من المليارات. فكلما توصَّل العلماء إلى نباتات منيعة ضد الآفات وفواكه وخضر لا تفسد جنت الشركات تلك الأرباح. فإضفاء تغييرات على التكنولوجيا الجينية للمزروعات. وظهور اكتشافات لأدوية ذات فعالية أكبر من خلال الأبحاث الجينية التي تجرى على الحيوانات، فهذا وذاك ما سيؤدي في المستقبل القريب إلى ثورة وثروة لتلك الشركات الكبرى ودولها.      وقد شهدت صناعة الأدوية في أوروبا حديثًا انطلاقة في الهندسة الوراثية أو البيوتكنولوجية؛ إذ قفز عدد المؤسسات العاملة في هذا المجال من نحو 600 شركة ومؤسسة في عالم 1996 إلى 716 خلال عامين اثنين؛ لذا فمن أيسر الأمور الآن إيجاد التمويل المطلوب لمثل هذه الشركات من خلال بيع أسهمها في البورصات بعد أن كان تمويلها منذ سنوات قليلة من أصعب الصعوبات.إنما ومع هذا كله فلم تزل أوروبا متخلفة عن أمريكا في مسائل الهندسة الوراثية، وأعني بذلك تحديد الشق التجاري؛ إذ من الإحصائيات في هذا الشأن نجد المبيعات الأوروبية منها لا تتجاوز 2.2 مليار بينما المبيعات الأمريكية تبلغ 7.7 مليار عن ذات الفترة! 
        في عام 1998م على سبيل المثال كان نصف محصول فول الصويا في الولايات المتحدة نتاج بذور عولجت وراثيًا أي جينيًا وهو ما يعتبره الفلاح الأمريكي اليوم شيئًا عاديًا. أما في فرنسا فقد وافقت السلطات على المعالجة الوراثية لمحصول بقول في أواخر عام 1997 وفي بريطانيا قاموا بتجارب مع المتابعة الدقيقة على محاصيل معينة وفي مساحات محددة ومتفرقة ولا تزيد عن 200 موقع بين أنحاء بريطانيا! فالبريطانيون يعانون حساسية خاصة تجاه أخطار تكنولوجيا الأغذية الجديدة أو التي لم تختبر جيدًا منذ ذلك الهلع المستشري الذي أدّى إليه ما عرف بمرض "جنون البقر". فقد تردّد أنه قد حدث نتيجة إطعام الأبقار البريطانية غذاء مكونًا من مسحوق عظام ماشية مصابة بداء "بالسكرابيز" يصيب الماشية بصفة خاصة. وقد دخل الأمير تشارلز ولي عهد إنجلترا طرفًا في الجدل الدائر؛ إذ هو يعتبر من المزارعين المتحمسين للمحاصيل الطبيعية التي تجتنب المبيدات والرش والهرمونات أو أي تدخل خارجي أو تعديلات تجرى عليها.
       
ولا بد من إدراج مخاوف المعارضين إذا أردنا أن نكون موضوعيين، فمثلاً الشركة السويسرية التي تصنع شيكولاته "توبليرون" سحبت من الأسواق في عام 1998م ما يزن 500 طن من تلك الشيكولاته الشهيرة عندما تكشف للمستهلك الأوروبي أن من ضمن الموادّ التي أدخلت في إنتاجها فول الصويا المعالج جينيًا! واعتذر المتحدث باسم شركة الشيكولاته مبررًا الأسباب بأنهم حاولوا أن يجربوا طريقة تحدّ من قابلية الشيكولاته أن تسيح بين الأصابع إذا تعرّضت للحرارة! أما السبب الحقيقي الذي أدّى إلى سحب الشيكولاته فكان لعدم إخطار المستهلك باستخدام فول الصويا المعالج جينيًا وتجاهل ذلك؛ لذا فما حرصت عليه السلطات السويسرية من خلال حملة الاستفتاء هو إطلاع الشعب على جميع الحجج والأسانيد التي يقدمها الطرفان المتعارضان في ذلك الجدال العنيف تدعيمًا لآرائه. فالمؤيدون ركزوا على الفائدة والمزايا الطبية التي قد تؤدّي إلى الشفاء التام من بعض الأمراض شبه المستعصية. وأما المعارضون فقد لعبوا على أوتار الاستعداد الطبيعي للشك في كل ما هو جديد أو مستحدث.
        أما في النهاية فيبدو أن الشق الاقتصادي هو الذي أدّى إلى ترجيح كفة التأييد عند السويسريين؛ إذ وسط المخاوف بأن التصويت "بنعم" أي الحد من تلك الأبحاث سيكون إيذانًا بتوقّف بعض أكثر مجالات الأبحاث الواعدة اقتصاديًا؛ لأن صناعة الأدوية هي على رأس قائمة منتجات التصدير السويسرية، والتي أدت إلى دخل بلغ 11 مليار دولار عام 1997، ولذا بادرت شركات الأدوية بتحذير السويسريين بأنه لو لم يطلقوا المجال أمام الأبحاث فسوف يعود ذلك على البلاد بخسارة مادية فادحة قد لا يكون أقلها فقدان 42 ألف وظيفة على مدى 7 سنوات فقط! ومثل هذه الأسباب والحجج التي يسوقها أنصار المضيّ في أبحاث الهندسة الوراثية بأوروبا قد نجحت في أن تكسبهم أرضًا في مواجهة خصوم يتلاعبون على أوتار المخاوف والاستعداد الطبيعي للشكوك لدى الإنسان تجاه الجديد الذي لا يعرفه.

واصل القراءة في نفس الموضوع:
أولاً: الأغذية المعالجة وراثيًا: مناورات علمية وسياسية واقتصادية
ثالثًا: الأغذية الجينية بيـن مؤيد ومعارض


علوم وتكنولوجيا      عـودة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع