|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
الدينية الراهنة
بقلم/
أ.د. نادية محمود مصطفى
أستاذ العلاقات الدولية- جامعة القاهرة في حين كانت أنظار العالم تتركز -منذ نهاية الثمانينيات- على التحولات العميقة في التوازن الإستراتيجي العالمي كانت تتشكل مقدمات انفجارات متوالية في الخليج، وفي البلقان، وفي القوقاز، وفي جنوب آسيا، وفي جنوب شرق آسيا. فقد تعاقبت خلال التسعينيات الحروب في البوسنة، الشيشان، كوسوفا، كشمير، تيمور الشرقية، الداغستان، كما تصاعدت أزمة أكراد تركيا وجنوب السودان. ولقد أثرت هذه الأحداث في عمليات إعادة تشكيل توازنات هذه المناطق من "العالم الإسلامي" وذلك في ظل التدخلات الخارجية فيها، وفي إطار التحولات العالمية الجارية حول "العالم الإسلامي". وإذا كانت التحولات العالمية الراهنة قد مارست تأثيراتها على العالم الإسلامي في المجال الاقتصادي، والعسكري، والسياسي، والثقافي، والحضاري، على نحو يفرض تحديات هامة؛ فإن مجال إدارة الصراعات الإقليمية والصراعات الأهلية قد تأثر بوضوح، وذلك نتيجة التغير في مصادر الصراعات وفي أنماط التدخل الخارجي فيها:
إن الإجابة المقارنة على هذه الأسئلة لا بد وأن تنبني على أمرين؛ أولهما: أن خبرة التاريخ تبين لنا أن مصير هذه المناطق وهذه الشعوب قد سبق وتشكل -خلال مرحلة تدهور القوى الإسلامية المعنية- تحت تأثير تدخلات القوى الكبرى وتنافساتها. فخلال تصفية الحكم العثماني من البلقان ومع تسويات الحربين العالميتين تحدد مصير البوسنة وكوسوفا في القرن العشرين. وهاهو يتشكل من جديد مع تغير التوازن العالمي. كذلك تشكل مصير القوقاز وآسيا الوسطى منذ منتصف القرن 19 بعد فشل روسيا القيصرية في سياسة التوجه غربًا للمشاركة في اقتسام الإرث العثماني الأوروبي. ومن ثم فإن ما يحدث من تغيرات -خلال نهاية القرن العشرين- إنما يرتهن ويتوقف على حالة توازن القوى العالمية الجديدة الجاري تشكيله، وعلى وضع "العالم الإسلامي" في مخططات هذه القوى وإستراتيجياتها. والأمر الثاني هو: استدعاء تفاصيل كل حالة ووقائعها الخاصة بتطورات الصراع وبأدوات إدارته من جانب القوى الخارجية ونتائجه، ثم تقييمها على ضوء معيار أساسي: هل تتحقق بالفعل حماية حقوق الشعوب أو الدول المسلمة أم أن تكييف طبيعة هذه الحماية وسبلها إنما يرتهن بقواعد لعبة المصالح الكبرى وليس القيم الكبرى، ومن هنا كان تكرار الحديث عما يسمى المعايير المزدوجة؟ أم هل هناك اختلاف في تكييف الحالات: حرب أهلية، حرب إقليمية، شأن داخلي، تهديد للأمن والسلام الدوليين، انتهاك للشرعية الدولية.. يترتب عليه اختلاف الاستجابات؛ وخاصة من حيث الأدوات المستخدمة، ومن حيث الغاية من التدخل (مراقبة، احتواء، تمكين للأمر الواقع، تغيير الأمر الواقع، …) ؟. ونكتفي في هذا الموضع بالملاحظات التالية الناتجة عن دراسات سابقة وهي كالآتي:
ومن ناحية أخرى وإذا كان التدخل العسكري الكثيف في كوسوفا (في إطار حلف الأطلنطي) لم يتأخر كما حدث في البوسنة إلا أنه جاء على النحو الذي تفاقمت معه مأساة شعب كوسوفا الذي عايش -خلال شهور الضربات العسكرية- أكبر عملية تهجير شهدها القرن العشرون.
وفي المقابل كانت هذه الضربات ضرورة لتحقيق أهداف إستراتيجية حيوية للحلف في جنوب شرق أوروبا، وذلك في نفس الوقت الذي دشنت فيه هذه الضربات الطريق أمام حل قسري جديد لمشكلة كوسوفا لا يستقيم مع أهداف شعبها في التحرير والاستقلال.
وبالرغم من أن المرحلة المعاصرة من مطالب أكراد تركيا بحقوقهم ترجع إلى عقود سابقة، إلا أن الزخم الراهن الذي أحاط بالقضية بسبب تفجر أزمة أوجلان منذ بداية الأزمة التركية السورية 1998م وحتى القبض عليه ومحاكمته قد أفصح عن أبعاد مواقف القوى الكبرى تجاه القضية الكردية في تركيا. فإن هذه المواقف -وخاصة الأوروبية الجماعية- قد وظفت القضية الكردية كذريعة لعدم قبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، ولكن لم يتم اللجوء إلى الضغط على تركيا بورقة حقوق الإنسان وتداعيات انتهاكها للوصول إلى حلول تفاوضية تحفظ لأكراد تركيا حقوقهم الذاتية، بل إن تركيا أضحت خلال العقد الحالي حصان طروادة الغربي في الشرق الأوسط وفي آسيا الوسطى والقوقاز. وفي نفس الوقت يستمر توظيف ورقة أكراد العراق، وما تحمله من تهديد لوحدة أراضي العراق في عملية المواجهة المستمرة مع النظام العراقي منذ 1991م.
وبعد أن ظلت قضية تيمور الشرقية ساكنة منذ 1975م تزامن تفجرها مع تداعيات الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا على الكيان الإندونيسي برمته: النظام الاقتصادي، والنظام السياسي ووحدة أراضيه والسلام بين طوائفه. وكان القبول بإجراء الاستفتاء على الحكم الذاتي أو الاستقلال، ثم إعلان القبول بنتائج الاستفتاء وقبول التدخل الدولي العسكري (في إطار الأمم المتحدة وبقيادة أسترالية) لوقف دائرة العنف التي تفاقمت واشتدت، بعد أن جاءت نتيجة الاستفتاء المطالبة بالاستقلال، كان ذلك كله يعطي مؤشرات واضحة عن ماهية الضغوط الاقتصادية والسياسية التي واجهتها إندونيسيا.وأخيرًا: تبقى بعض الملاحظات التراكمية التي تطرح من التساؤلات أكثر مما تقدم من إجابات: أولها : أنه في حين أعلنت جميع الدول المعنية التي تثور الأزمات العرقية الدينية على أراضيها (صربيا، روسيا، الهند، تركيا، إندونيسيا) أن هذه الأزمات أحداث داخلية ترفض التدخل الخارجي فيها، فمن الواضح أن تكييف القوى الكبرى لهذه الأزمات وتداعياتها قد اختلف من حالة إلى أخرى؛ ومن ثم اختلفت الاستجابات ما بين مراقبة، صمت، احتواء، حركة فاعلة لتغيير الأمر الواقع أو للإبقاء على ما هو عليه. فهل يرجع هذا إلى اختلاف الحالات من حيث درجة ما تمثله من انتهاك للقيم وحقوق الإنسان أم اختلافها من حيث وضعها في قائمة المصالح الكبرى؟. ثانيها: أن الحروب والأزمات المشار إليها تتصل بشعوب أو دول مسلمة، وفي حين تقود القوى الكبرى الغربية الاستجابات تجاهها فإن الدول الإسلامية في صورة فردية (وخاصة الكبرى منها) أو في صورة جماعية (منظمة المؤتمر الإسلامي) تكتفي بالأدوار الثانوية المكملة في بعض الحالات، أو تلتزم الصمت وعدم الحركة في مواجهة حالات أخرى تحيط بها التحذيرات بعدم تدخل الدول الإسلامية. ومن ثم أين آليات المساندة والنصرة ولو تلك التي تسمح بها موازين القوى الحالية. وثالث هذه الملاحظات وآخرها هي: أن قراءة كل ما سبق قد تقود البعض إلى القول: هل هذا خطاب يتغلف بدوره برداء المعايير المزدوجة؟ هل يقبل استقلال أو انفصال أقليات مسلمة عن دول غير مسلمة، ويرفض استقلال أقلية غير مسلمة عن دول مسلمة، أو أقلية مسلمة عن دولة مسلمة ذات أغلبية قومية مختلفة؟ وقد تقود هذه القراءة البعض الآخر إلى القول: هل هو خطاب يسعى للتنبيه إلى عدم إطلاق مقولة التدخلات الدولية لاعتبارات إنسانية وقيمية؟ وقد تقود فريقاً ثالثاً إلى البحث في قواعد وأسس الأصول الإسلامية، وخبرة ممارسات التاريخ الإسلامي واجتهادات فقهاء الأمة ومفكريها حول وضع الأقليات المسلمة وحول وضع غير المسلمين في الدول المسلمة؛ وذلك للوصول إلى اجتهاد معاصر إسلامي تنطلق منه وتنبني عليه عملية تقييم وفهم هذه الحالات وغيرها؛ حفاظًا على حقوق شعوب الأمة ومصالحها بل ووجودها في ظل موازين القوى القائمة. وقد يكون للحديث بقية حول هذا الاجتهاد المطلوب. |
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||