بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

حكومة الصومال: الميلاد الصعب

                        محمد عاشور

معهد الدراسات الأفريقية- جامعة القاهرة


تصاعدت الآمال – بقرب الوصول إلى الفصل الختامي في مأساة الصومال المتواصلة منذ عشر سنوات – بعد نجاح المبادرة الجيبوتية في جمع معظم القوى الفاعلة في الصومال في إطار مفاوضات مضنية استمرت لأكثر من خمسة أشهر واستغرق الأعداد لها والترويج أكثر من ذلك، وأثمرت في نهاية المطاف عن تشكيل برلمان وطني وانتخاب رئيس للبلاد في نهاية شهر أغسطس 2000م. وقد حظيت تلك التطورات بتأييد ودعم القوى الدولية المختلفة على اختلاف مواقعها (إقليمية – عالمية) واختلاف مصالحها. الأمر الذي أعطى قوة دفع كبيرة للمؤسسات البازغة والرئيس الجديد خاصة مع تنامي التأييد الداخلي من أرض الصومال لأعمال مؤتمر المصالحة ومقرراته.

وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية سالفة البيان فإن تأخر إعلان اسم رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة قد أُلقي بظلال من الشك والترقب لما ستسفر عنه الأيام القادمة، لا سيما مع تزامن ذلك مع حدوث بعض المواجهات والاضطرابات الداخلية في "مقديشو" أسفرت عن مصرع العشرات. فما هي أسباب تأخير إعلان الحكومة؟ وما هي التوقعات والتحديات القائمة أمام النظام الجديد؟

حكومة الوحدة قبل وحدة الحكومة

ذلك هو أصدق توصيف لما يهدف إليه الرئيس الصومال عبد القاسم حسن صلاد. ذلك أن المعضلة الأساسية أمامه هي اختيار رئيس وزراء يحظى بقبول الجماعات القبلية الفاعلة على الساحة الصومالية وإرضاء تلك الجماعات بمنصب أو أكثر من المناصب الوزارية: وهو أمر تشير إليه الدلائل المتمثلة في طلب الرئيس صلاد من القبائل المشاركة في النظام ترشيح اثنين من أبناء كل قبيلة للحكومة الجديدة، الأمر الذي يعني انحياز النظام للأساس القبلي في تشكيل الحكومة مثله في ذلك مثل البرلمان الذي تم تشكيله بنفس الطريقة.

وهذه الطريقة معيبة لسببين على الأقل: أولهما أنه يصعب إيجاد مناصب وزارية كافية لإرضاء كافة الجماعات القبلية الصومالية، فضلاً عمَّا يمثله ذلك من إهدار للموارد - الشحيحة فعلاً – في صورة مخصصات ومرتبات لهؤلاء الوزراء وهو ما عجزت عنه دولة أكبر وأغنى – نيجيريا – حينما حاولت تطبيق هذا المعيار في اختيار الوزراء وتوليتهم. والسبب الثاني: هو أن الأخذ بهذه الطريقة سيضفي مصداقية على ادعاءات زعماء الميليشيات الذين يرفضون الاعتراف بسلطة الرئيس والنظام الجديد على كامل أرض الصومال، باعتبار سلطته قاصرة على أولئك الذين اختاروه وأيدوه وهو الأمر الذي رفضه "صلاد" وتمسك باعتباره رئيسيًّا لكل الصوماليين وكامل أرض الصومال.

وعلى الرغم من العيبين سالفي البيان باعتبار القبيلة أساس لاختيار أعضاء الحكومة الجديدة، فإنها تظل أفصل الصيغ العملية لتوحيد البلاد وإعادتها إلى الوجود ولو كصيغة مرحلية يمكن إعادة النظر فيها مستقبلاً.

حكومة الزعامات والتحديات

حكومة الصومال القادمة - حال تشكيلها - من المنتظر أن تضم بعض الزعامات أو على الأقل أنصارهم في المناصب الحكومية المختلفة وهو أمر ينبني على ما سلف بيانه من الطبيعة القبلية للاختيار، وفي ضوء ذلك يمكن تفهم أسباب تأخر إعلان الحكومة حتى حينه في ظل ما تقتضيه عملية تشكيلها من موازنات ومساومات للتغلب على التحديات المنتظر أن تواجهها تلك الحكومة الوليدة، والتي تتمثل أبرز ملامحها في:

1.   عدم اعتراف ومعارضة الزعماء الذين سوف يستبعدون من التشكيل الحكومي وبخاصة منصب رئاسة الوزارة والمناصب الوزارية السياسية (الجيش، الداخلية، الخارجية، الإعلام، الاقتصاد، المالية ……). والمفارقة أن تولية الزعماء البارزين على الساحة المناصب السيادية وإن كان يضمن تحقيق بعض الاستقرار، إلا أنه لن يضمن استمرار النظام حيث يرفض هؤلاء الزعماء -وفي مقدمتهم عديد وعبد الله يوسف- موقع الرجل الثاني في البلاد، في ذات الوقت فإن استبعاد هؤلاء الزعماء يمكن أن يطيل أمد عدم الاستقرار في البلاد، ذلك أنه على الرغم من تراجع قدرات هؤلاء القادة وتناقص شرعيتهم لصالح النظام الجديد، فإنه ما زالت لديهم من الإمكانات ما يؤهلهم لمحاولة هدم المعبد من جديد.

2.     التحديات النابعة من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية شديدة الوطأة على قطاعات كبيرة من الشعب وسهولة اللجوء إلى خيار العنف لطرح مطالب هذه الجماعة أو تلك على النظام؛ على نحو ما تكشف خبرة أحداث العنف التي شهدتها الجمعة قبل الأخيرة من شهر سبتمبر 2000م حينما قام نحو 150 شخصًا مسلحاً ومزودين بعربات مسلحة بأعمال عنف وشغب في العاصمة مقديشو راح ضحيتها نحو مائة شخص من المدنيين وأعضاء الميليشيات، حيث أشارت وسائل الإعلام الصومالية إلى أن الذين قاموا بتلك الأعمال مجموعة من الأفراد تم فصلهم ممن شركة "بنادير" المسئولة عن إدارة الميناء المحايد شمال مقديشو. وأشارت مصادر أخرى إلى أنهم كانوا يرغبون الانضمام إلى قوات الأمن التي يتم تشكيلها وتدريبها الآن لتولي مهام الأمن بالبلاد، ولعل ما سبق كله كان أحد الدوافع.

3.   التحديات الإقليمية: وتتمثل في التطورات التي تشهدها الساحة الإقليمية من تسوية للحرب الإريترية الأثيوبية، واضطراب الأوضاع السودانية، وتصاعد حدة القضية الفلسطينية وأحداثها على نحو أدى في مجمله إلى تراجع في الاهتمام نسبيًّا بالقضية الصومالية من مختلف الأطراف على اختلاف الدوافع والأسباب، فأثيوبيا لم تَعُد معنية كثيراً بوجود حكومة قوية لمنع التسلل عبر الحدود؛ وأوضاع السودان قادتها إلى الانكفاء الداخلي والبحث عن المساعدة الخارجية لحل مشاكلها جاذبة من طرف الاهتمام المصري بخاصة والعربي بعامة في محاولة لرأب التصدعات الجنوبية والشمالية بها، وتكفلت قضية الصراع العربي – الإسرائيلي التي تقلصت إلى القضية الفلسطينية، ثم إلى مجرد قضية القدس والأماكن المقدسة بجذب ما تبقى من الاهتمام العربي، فلم يتبق للصومال سوى النذر اليسير من الاهتمام السياسي – بل والاقتصادي - في ظل معاودة دول الخليج حظر استيراد الماشية من دول القرن الأفريقي.

صلاد وسباق الزمن

يعتبر الزمن واحدًا من أهم التحديات التي تواجه الرئيس الصومالي، في ظل بقائه حتى الآن مقيمًا على أرض جيبوتي دون أن تطأ قدماه أرض الصومال منذ انتخابه سوى مرة واحدة استقبل فيها استقبالاً حافلاً، إلا أن استمراره وحكومته خارج البلاد سوف يضعف عبر الزمن مصداقيته لدى الشعب، كما أن فقدان قوة الدفع المستمدة من التأييد والاعتراف الدولي بحكومة الصومال يمكن أن يؤدي عبر تفاعله مع مطامع الزعامة ومواريث الخلافات القبلية إلى العودة من جديد إلى نقطة الصفر، والدعوة من جديد إلى مؤتمر جديد تحت عناوين براقة، كالمصالحة الشاملة" أو "المصالحة الحقيقة" يكون بداية فصل جديد من المبادرات والمصالحات.

وإدراكًا لحساسية وخطورة الموقف، قام الرئيس الصومالي بعدة مبادرات هادفة إلى استكمال خطوات المصالحة وفق مقررات مؤتمر "عرته"، حيث قام بزيارة خاطفة إلى مقديشو وقام بزيارة مصر وحضور اجتماعات جامعة الدول العربية ممثلاً عن الصومال؛ ليحظى بشرعية جماعية في إطار تلك المنظمة؛ علاوة على اعتراف الدول الإقليمية الفاعلة به، وقام كذلك بزيارة المملكة العربية السعودية باعتبارها شريك وفاعل أساسي وممول منتظر لعمليات أعمار الصومال لا سيما وإنها شريك اقتصادي هام لتجارة الماشية واللحوم الصومالية التي هي أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد الصومالي. علاوة على ذلك قام صلاد بزيارة الولايات المتحدة الأمريكية والتباحث مع مسئولي الإدارة الأمريكية حول تطورات الأوضاع في بلاده والقرن الأفريقي عامة على اعتبار حيوية الموقف الأمريكي واهتمامه التاريخي بالمنطقة.

وعلى صعيد آخر، حرص "صلاد" على التأكيد على عدم وجود عداء بينه وبين أي من الفرقاء بالصومال وتأكيده على المساواة بين كافة أبناء الصومال واستعداده للتفاوض مع الجميع من أجل إعادة بناء الصومال. ومن هذا المنطلق كان لقاء صلاد مع حسين عيديد عبر وساطة ليبية وعلى أرضها، حيث تم التوقيع على اتفاق مشترك لم تعلن بنوده، وإن أشارت مصادر ليبية وصومالية قد أشارت إلى أن الاتفاق تضمن مشاركة التحالف الوطني الصومالي بزعامة عيديد في الحكومة الانتقالية وأنه سيكون عنصراً فاعلاً في إعادة بناء الصومال، وقد التقى "صلاد" أيضاً في ليبيا بكل من أحمد عمر جيس وعبد الكريم أحمد علي وهما من قادة الميليشيات المعارضة للحكومة الجديدة، حيث دارت مباحثات مشتركة حول مستقبل البلاد ومواقف الأطراف. ويمكن القول إنه في ظل اعتراف ليبيا بحكومة "صلاد"، وباعتبار ليبيا أحد أهم الممولين للميليشيات التابعة لعيديد فإنه من المتصور خروج عيديد من معسكر المعارضة لا سيما حال ترضيته بمنصب من المناصب الرئيسة في الحكومة الجديدة، وفي هذه الحالة تبقى على الساحة الجنوبية ميليشيات عثمان عاتو، وحسين بود ومحمد أفرح وهي ذات صلات بكينيا، إلا أن تلك الميليشيات بذاتها لن تستطيع – حال خروج عيديد من المعادلة – إلا أن تنضوي تحت ظل الحكومة الجديدة، لا سيما إذا تم إرضاء قادتها ببعض المناصب الحكومية والتسهيلات الاقتصادية، إلا أن التحدي هو أن أيًّا من المناصب يرضي عيديد الذي لا يقبل إلا أن يكون الرجل الأول، وما زال يرفض الاعتراف بصلاد وحكومته رغم اتفاق ليبيا.

أما الشمال فإن المعضلة الأساسية لا تتمثل في عبد الله يوسف وميليشياته فيما يعرف بـ "بونت لاند"، حيث إن تولية منصب رئيس الوزراء لأحد أبناء قبيلة الدارود كفيل بانفضاض البقية الباقية من مؤيدي عبد الله يوسف عنه لا سيما بعد انضمام الكثير من زعماء العشائر وميليشياتها إلى الحكومة الانتقالية. ولا يمنع الباقي سوى بعض الولاء التاريخي والعشائري لعبد الله يوسف كزعيم تاريخي ومناضل كافح من أجل الدارود في ظل سياد بري وبعده، إلا أن الظروف الصحية ومرض عبد الله يوسف تقلل كثيراً من احتمالات إثارته مشاكل يعتد بها – رغم صلاته الوثيقة بإثيوبيا – لا سيما في حال اختيار دارودي كرئيس للوزراء. وعليه فإن المعضلة تكمن فيما يعرف "جمهورية أرض الصومال" التي أعلن قادتها أن ما يحدث بالجنوب لا يعنيهم (على اعتبار أنهم جمهورية وكيان سياسي مستقل ذو سيادة)، حيث لهم إقليم مستقل وشعب وجيش وحكومة بإداراتها المختلفة. وعلى الرغم من الاعتراف بواقعية ذلك التحدي وخطورته، إلا أنه يستمد خطورته من طبيعة الأوضاع القائمة بالجنوب الصومالي، وهو أمر يمكن أن يتغير حال نجاح مساعي الحكومة الصومالية المؤقتة في أحداث الأمن والاستقرار في المناطق الخاضعة لها على نحو يحدُّ من مشروعية دعاوى الانفصال بحثًا عنهما. ولكل هذه العوامل ترجع صعوبة ميلاد حكومة الصومال. ذلك أنها إما أن تكون شهادة ميلاد الدولة من جديد أو صك الاعتماد والتصديق على انفراط عقد البلاد.

 

اقرأ أيضًا:

- استمرار واقع التفتت والتجزئة.. الصومال بعد عقد من الصراع

- مؤتمر "عَرْتة".. هل ينهي الأزمة الصومالية؟

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع