|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
القمة العربية..لهجة خطابية شديدة وأفعال قليلة 1 نبيل
شبيب قبيل
انعقاد القمة العربية الأخيرة في
القاهرة، سمعتُ المفكر الكبير الأستاذ
أحمد صدقي الدجاني يقول ما يعني باختصار،
إن مجرّد انعقاد هذه القمة العربية
الطارئة، رغم ما سُمِّي "الفيتو"
الأمريكي على الدعوة إلى القمة في
السنوات الماضية، هو بحدّ ذاته إنجاز
كبير، ثمّ مع انتظام انعقاد القمة
العربية سنويًّا، يمكن القضاء لاحقًا
على "مشروع النظام الشرق أوسطي"
قضاء نهائيًّا، بعد أن أراده الأمريكيون
بديلاً عن النظام العربي، وسعوا لتثبيته
منذ عام 1991م. وأثناء
متابعة وقائع القمة وبيانها الختامي،
كنت حريصًا على استحضار هذه الرؤية،
والبحث بحرص كبير على ما يثير الأمل في
المستقبل، دون الالتفات كثيرًا إلى ما
اعتبره المراقبون والمراسلون تيارين أو
تيارات أربعة في القمة، وقولهم إنّ ما
سُـمِّي "التيار المعتدل" هو الذي
هيمن على صياغة النتائج، والمقصود بذلك
التيار، الفريق من "القادة العرب"
الذين يتجنّبون مختلف ألوان "المواجهة"
الممكنة وغير الممكنة مع عدوّ إسرائيلي
أو أمريكي. وفي هذا المجال فأول ما يلاحظ
على نص البيان، انخفاض "مستوى تجنّب
المواجهة" أو اضمحلاله جزئيًّا،
بالمقارنة مع بيانات سابقة، ربما منذ
قمّة فاس قبل ثمانية وعشرين عامًا، والتي
أعلنت "مشروع التسوية العربي" لقضية
فلسطين، والمقصود انخفاض مستوى "تجنّب
المواجهة الكلامية" تجاه
الإسرائيليين فقط، فمسألة المواجهة غير
الكلامية غير مطروحة ابتداء، والحديث عن
الأمريكيين ومواجهتهم أو عدم مواجهتهم
ساقط من نص البيان كلية. وأوّل
انطباع شدّ الانتباه إليه منذ الاستماع
إلى نص البيان الختامي وقبل قراءته
المتأنّية، أن بعض "القادة العرب"
كان ينتقد، وأحيانًا يحمل بشـدّة على
مواقف الحماس والانفعال في الشـارع
العربي، ولكن نص البيان لا يكاد يتجاوز
حدود كلام تطمين الشارع العربي بعبارات
حماسية، ولاهبة أحيانًا، فيما يتعلّق
بالتأييد أو التنديد، دون أن تنطوي من
الناحية الموضوعية على إجراء عملي، أو أن
تقترن بموقف حازم.. -
بدءاً على سبيل المثال بالإشادة بتجاوب
الجماهير العربية دون تجاوب القادة مع
مطالبها، ولا حتى إطلاق العنان لها في
كثير من البلدان، للتعبير عن تلك المطالب
كما تشهد بعض الإجراءات تجاه طلبة
الجامعات في مصر أو المساجد في تونس. -
انتهاء بموقف الالتزام بالتصدّي الحازم
لمحاولات التغلغل الإسرائيلي في العالم
العربي تحت أي مسمّى، دون ترجمة ذلك
الالتزام وذلك التصدّي إلى إجراء عملي
يواجه التغلغل القائم وفق معاهدتي
السلام مع مصر والأردن على وجه التخصيص.. رغم
هذا الانطباع، وتحت تأثير نظرة الأستاذ
الدجاني المشار إليها، كانت المتابعة
الأولية للقمة ونتائجها تؤكّد الاقتناع،
أو كان تسليم عنانِ العقل للأمل هو الذي
يولّد الاقتناع بأن الإرادة الشعبية
بدأت تقود فعلاً "قادة البلاد" في
الاتجاه الصحيح، وأن المرحلة الحاسمة
التي يرافقها الاقتناع بالوصول إلى نسبة
معقولة أو كافية من الاتجاه الصحيح، آتية
ولا ريب. ولكن
المتابعة الدقيقة المتواصلة للحدث وما
تضمّنه من مواقف وتصريحات ومقدّمات
ونتائج، كانت ترسّخ الاعتقاد الجازم،
بأن المشاركين من هؤلاء "القادة" في
القمّة العربية عام 2000م، لن يشهدوا تلك
المرحلة الحاسمة من التغيير المرتقب
والمحتّم، أو لن يشاركوا بأنفسهم فيها،
ليس لأن الموعد المحتمل لتلك المرحلة
سيكون بعيدًا بالضرورة، وأن السنّ قد
تقدّمت بمعظمهم في السلطة، فقد تأتي
التطوّرات من حيث لا يحتسب أحد، ولكن لأن
مشاركتهم في صنع تغيير جذري على أرض
الواقع، تفرض أن يبدأ التغيير في أنفسهم،
وعلى مستوى أوضاعهم وفي البنية الهيكلية
لسلطاتهم، وعلى صعيد نوعية نظرتهم إلى
الشعوب وطبيعة علاقتهم بها، ثم أن تتحقق
هذه البداية وتثبت دعائمها في إجراءات
مرئية في الوقت المناسب، أي قبل أن يفوت
عليهم الأوان.. ولم يكن يوجد فيما قاله
معظمهم، فرادى وجمعاً، ما يشير إلى شيء
من ذلك بصورة مقنعة!. فور
انتشار نص البيان الختامي عبر الشاشـة
الصغيرة، واطّلاع من اطّلع عليه، انتشرت
ردود الفعل عليه في الشارع العربي، وكان
جلّها رافضًا منزعجًا سلبيًّا، كما
عبّرت عن ذلك أقوال مَن ساءلتهم وسائل
الإعلام من عامّة الأفراد، وكذلك ما جاء
على ألسنة النسبة العظمى من أوائل
المعلّقين على النتائج من إعلاميين
ومراقبين من ذوي الاطلاع والخبرة
والاختصاص. وفي
كل تقويم موضوعي منهجي لحدث من الأحداث
درجة من النسبية تقوم على مقارنته بما
سبقه أو ما يُنتظر منه، ولا بدّ عند البحث
والنظرة المنهجية من العثور فيه على
إيجابيات وسلبيات، وكان من الإيجابيات
التي تظهر عند النظرة المتأنية الباحثة
عن تلك الإيجابيات في نتائج القمة
العربية: 1-
أصل انعقادها كموقف رمزي يشير إلى عودة
النظام العربي الشامل إلى الظهور من جديد. 2-
تثبيت
آلية الانعقاد الدوري سنويًّا بغض النظر
عن وضع العلاقات بين البلدان العربية. 3-
تأكيد
الحرص "الكلامي مبدئيًّا" على
التكامل الاقتصادي بين الدول العربية. 4-
بعض
الإجراءات العملية المحدودة الصغيرة
كالدعم المالي للفلسطينيين، وتوقف "مواصلة"
ما يسمّى المفاوضات المتعدّدة الأطراف
التي سبق انقطاعها واقعيًّا. 5-
ورفع
وتيرة الحدّة في لهجة التنديد
والاستنكار وما إلى ذلك، وهو لا يؤدّي
إلى نتيجة عملية بطبيعة الحال، ولكن يبقى
الوجه الإيجابي الحقيقي فيه متمثلاً في
"شعور القادة" بالحاجة إلى مراعاة
"الشارع العربي" بغض النظر عن عدم
تلبية ما يريده على المستوى الممكن أو
الواجب. ولكن
حصيلة الموازنة بين الإيجابيات
والسلبيات واضحة، تؤكّد غلبة السلبيات،
وتتلاقى مع الانطباع الفوري المنتشر
شعبيًّا وفي أوساط ما يوصف بالمراقبين،
كما تتلاقى مع مغزى انعكاسات النتائج لدى
الجهات الغربية التي عبّرت عن ارتياحها
وتنفّست الصعداء وفق أولى التصريحات
الصادرة تعليقًا على نتائج القمة، ووفق
ردود الفعل الإعلامية الغربية المبدئية..
هذا علاوة على مسارعة الحكومة
الإسرائيلية إلى امتداح "الحكمة
والتعقل " في النتائج، ولا يقلّل من
مغزى ذلك العودة بعد قليل إلى "رفض"
لهجة التهديد في البيان الختامي، فواضح
أن هذا الرفض يأتي في إطار التبريرات
المخادعة لحكومة باراك - ولو شكليًّا -
لمواصلة تحدّي الدول العربية ومواقفها
وردود فعلها الضعيفة، بالقصف المكثف وما
يصنعه من المآسي الإنسانية الفردية
والجماعية، فضلاً عن محاولات باراك
الشخصية لإنقاذ نفسه من السقوط السياسي
بالمزايدات الحزبية التقليدية في مواقف
العداء وسياسات التهويد إلى جانب
الإرهاب العسكري، ليس بالضرورة للشعب
الفلسطيني الذي كسر حاجز الخوف منذ
انتفاضته الأولى، وإنما تجاه الدول
العربية القادرة على مواجهة التحدّي في
الأصل، والممتنعة عن المواجهة، بما فيها
السياسية المحضة، منذ زمن. وكان
من أهمّ السلبيات الظاهرة للعيان بصورة
فورية، وتؤكّدها النظرة المتأنّية في نص
البيان الختامي: 1-
دعم الانتفاضة بالكلام الحماسي والمال –
وليس هذا ولا ذاك مرفوضًا - ولكن المرفوض
هو عدم التعبير العملي عن ذلك الدعم عن
طريق اتخاذ إجراء فوري، يبيّن أن
الممارسات الإسرائيلية تجد جوابًا
عربيًّا "عمليًّا" مشتركًا
ومؤثرًا؛ لأنّه يمس واقع الكيان
الإسرائيلي وعلاقاته بالدول العربية،
ولا يقتصر على "تقريع" سمعه !.. 2-
الإشادة
بتضامن "الجماهير العربية الغاضبة"
مع "انتفاضة الأقصى"، ولكن مع
الإبقاء على سائر الأبواب العربية مغلقة
– كالأبواب الإسرائيلية - في وجه التواصل
المباشر مع الجماهير المحاصرة في
فلسطين، وتقديم الدعم الميداني، ناهيك
عن فتح الحدود كما كانت مفتوحة أمام
العمل الفدائي، أو فتح باب التطوّع
والتدريب، وحتى في جانب التواصل بالدعم
المالي يبقى التنفيذ مقيّدًا بقنوات
السلطات الرسمية. 3-
غياب أي قرار ملزم على صعيد إجراءات
تستطيع الدول العربية الإقدام على
تنفيذها بنفسها، مثل أشكال المقاطعة
السياسية والدبلوماسية والاقتصادية
وغيرها، دون تمييز بين علاقات مقترنة
بمعاهدة أو دون معاهدة، لا سيّما وأن ما
تصنعه السلطات الإسرائيلية، يخرق سائر
المعاهدات والأعراف والمواثيق
والأخلاقيات، ويبرّر شنّ الحرب وليس
الرد السياسي بإلغاء معاهدات تفتقر من
الأصل للمشروعية القانونية الدولية
لأسباب أخرى.. 4-
وكذلك غياب أي قرار جماعي وملزم - وليس
مجرّد دعوة إلى التصرّف المنفرد في إطار
السيادة الوطنية - بصدد ما تمّ سابقًا من
مظاهر تواصل وتعاون سابقة مع الكيان
الإسرائيلي، رغم أنّه قد ثبت حجم
المعارضة الشعبية لها وعدم جدواها، بل
وفساد نتائجها في بعض الحالات، حتى وإن
اقتصر "الوجود الإسرائيلي" على
مغزاه الرمزي. 5-
كان أشدّ المطالب الواردة في البيان
الختامي صياغة ومضمونًا، هو ما لا تملك
الدول العربية تنفيذه بنفسها، مثل "محاكمة
مجرمي الحرب الإسرائيليين"، و "تشكيل
لجنة تحقيق دولية".. وهذا ما لا يخفى
على من وضعوا صياغة البيان ومن أصدروه..
بينما كانت الإجراءات المضادة التي يمكن
أن تتخذها الدول العربية بنفسها، إمّا
غائبة لم تذكر، أو عامّة لا تُلزم. 6-
ويلفت النظر بعد ذلك التجاهل التامّ
للمسؤولية الأمريكية المباشرة عن
الإجرام الإسرائيلي الراهن وسابقًا، حتى
أن اسم الولايات المتحدة الأمريكية لم
يرد في نص البيان الختامي إطلاقًا، وقد
يكون ذلك مقدّمة للتخلّي عن الإشادة
التقليدية بالدور الأمريكي في وثائق
عربية جماعية، مع عدم سقوط تلك الإشادة
وما تعنيه وينبع لها، على مستوى السياسات
الانفرادية القطرية، وقد يكون "السكوت"
أقصى درجات التعبير عن الاستياء العربي
في حدود ما يعتقد الملوك والرؤساء
والأمراء أنّهم "قادرون" عليه في
هذه المرحلة، رغم ما يعلمونه عن مستوى
الغضب الشعبي الشامل تجاه الأمريكيين
وسياساتهم ووجودهم في الأقطار العربية
المختلفة.. والأرجح أن يكون غياب ذكر
الدور الأمريكي في البيان الختامي، هو
نتيجة خلافات لم يمكن تجاوزها إلا بهذا
الأسلوب، بين المشاركين في صياغة البيان
من الدول العربية الرئيسية في لقاء القمة. قول
ما قيل بشأن بقاء نتائج القمة دون "طموحات"
الشارع العربي.. قول مبالغ فيه من زاوية
وصف توقعات الشارع العربي وما طالب به،
بتعبير "الطموحات" الذي يشير إلى
أمور بعيدة المدى لا يسهل الوصول إليها،
وهو تعبير أكبر مدلولاً بكثير ممّا غلب
الحديث عنه بشأن ما لم تحقّقه القمة، بل
كان من الملاحظ مدى التردّد المميّز
لمواقف معظم المعلّقين والمحلّلين، حتى
أن القليل منهم مَن عبَّر عن خيبة الأمل
بالانفعال المنتظر عادة عند مواجهة ما
يستدعي في الأصل أقصى درجات الانفعال
والألم.. عندما يحتفظ الإنسان بإنسانيته
جامعًا بين التأثر والتعقّل !.. ربما
كان هذا التردّد نتيجة تلقائية للأجواء
التي أشاعتها بعض التصريحات الرسمية في
القمة وعلى هامشها، حتى بات من الأمور
التي تستدعي "الاتهام والتأنيب"، أن
يتحدّث المواطن العادي أو المعلّق
والمراقب عمّا يتابعه ويعايشه بعينيه
وأذنيه، حديثًا يتضمّن التعبير عن تأثر
وجداني عميق، بمأساوية الأحداث، وكذلك
بمأساوية عدم التفاعل الواجب معها من
جانب أعلى المستويات العربية، تفاعلاً
يثبت وجود الدول العربية، ويعبّر عن
إحساس الحكومات القائمة فيها
بمسؤولياتها ومبرّر وجودها.. لم
تكن التوقعات من مستوى "طموحات عالية"..
ويظهر من التأمّل في تلك التوقعات كم
كانت بالفعل متواضعة وفي حدود المطالبة
بأمور محددة وممكنة، منها مثلاً: 1
- إعداد لحرب "إقليمية" قادمة حتمًا،
شاء أنصار "السلام" أم أبَوا.. ولم
يصل "الطموح" إلى درجة المطالبة
بإعلان الحرب، رغم أن هذا ما يوجبه في
الأصل "الجوار" مع شعب فلسطين، إن لم
تكن العقيدة أو الأخوّة القومية أو
الرابطة الإنسانية، كما توجبه دواعي
الأمن القومي والإقليمي، وما يعنيه على
هذا الصعيد اندلاع الحرب الراهنة وغير
المتكافئة سلاحًا، وإن كانت كما نقدّرها
حربًا تدور بين شعب لا يُقهر.. لأنه شعب
تعرّض للظلم، وعدو غاصب يستحيل أن ينتصر
في خاتمة المطاف، مهما اعتقد أن حصونه
المشيّدة تحميه !.. 2-
الإقدام على سحب السفراء.. وليس على قطع
العلاقات. 3-
صدور
موقف عربي مشترك "يندّد" بوضوح
بسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، مع
"التلويح" بأثر ذلك على "مستقبل"
مصالحها الكبرى عند العرب.. وجميع ذلك
أقلّ من القليل، فضلاً عن أن يكون من "التوقعات
الطموحة"، كالمطالبة بطرد فوري
للخبراء والعسكر والقطع الحربية، أو
مقاطعة شاملة للبضائع، أو التخلّي عن
اعتماد الدولار في المعاملات التجارية
والاستثمارات الكبرى في الغرب.. كأمثلة
محدودة !.. 4-
ربما
كان أعظم تلك التوقعات المتواضعة شأنًا
وأبعدها "جرأة" على واقعية "القمّة
العربية" هو فسح المجال أمام مساعدة
فعَّالة للمناضلين الفلسطينيين، ولنصرة
شبابهم وأطفالهم ونسائهم وشيوخهم
ومقدساتنا في أرضهم، وذلك عن طريق الشعوب
الراغبة أشدّ رغبة في تقديم المساعدات
الميدانية الفعّالة، أو ربما كان من "الطموح"
بمكان المطالبة بفتح باب التطوّع
والتدريب.. ولكن لم تصل هذه التوقعات "الطموحة"
من جانب "الشارع العربي" وبصورة
جادّة، إلى مستوى انتظار أن تُقدم الدول
المعنية المجاورة لفلسطين، على الفور،
ووسط حماية سياسية عربية قائمة على
الإجماع العربي المشترك في المحافل
الدولية، على فتح حدودها أمام الراغبين
في إحياء عهد العمل الفدائي، من جانب جيل
يتحرّق لذلك وشبابه يتفرّجون، أو يجبرون
على موقف "التفرّج" على مشاهد
المأساة في الأرض المباركة، عامًا بعد
عام، وشهرًا بعد شهر، ويومًا بعد يوم،
والآن ساعة بعد ساعة. لا
يصحّ على الإطلاق القول، إن التوقعات
التي عُقدت على القمة العربية ونتائجها
كانت أكبر ممّا ينبغي، بل كانت متواضعة
للغاية، ودون مستوى الحدود التي يعرفها
الشارع العربي تمامًا، وبمختلف فئاته،
عن واقع المسؤولين المشاركين في القمة
وواقعيّتهم وعن سياساتهم وارتباطاتهم
المحلية والإقليمية والدولية.. أمّا
الأهداف الكريمة العزيزة الأبعد مدى
والتي قد تتطلّب تحوّلاً حقيقيًّا في
الاتجاهات والممارسات الرسمية الراهنة
بنسبة مائة وثمانين درجة، فلم تكن ضمن
تلك التوقعات من الأصل، بل كان معروفًا
من قبل انعقاد القمة، أن مجرّد الحديث عن
ذلك، ولو من جانب رئيس دولة – وليس من
جانب منظمة ما تنادي بالجهاد وتُتّهم
بالإرهاب - أصبح مرفوضًا إلى درجة
مواجهته بالاستهزاء "الرسمي"
العلني من جانب رئيس دولة أخرى !.. رغم
أن "التوقعات متدنيّة" للغاية كان
الغالبية من المعلّقين على القمة، من غير
الرسميين، وكذلك بعض الرسميين من
المشاركين في الحكومات المسؤولة عمّا
كان في القمة، يؤكّدون أن توقّعاتهم من
قمة جمعت اثنتين وعشرين دولة عربية، يعيش
فيها 250 مليون نسمة، لم تتحقق ولو بنسبة
ضئيلة، ولم يقل إلا القليل النادر من
المعلّقين من قال باحتمال أن تكون "اللهجة
الخطابية الأشدّ" في عبارات البيان،
بداية لتحرّك عملي ما في قادم الأيام. وعندما
لا تتحقق التوقعات "المتواضعة" فذاك
أوّل مقياس يُعتمد عادة للقول: إن "قمة
الحكام" قد أخفقت بمنظور الشعوب في
تحقيق المطلوب منها والواجب عليها، ولا
قيمة هنا لمواقف تبريرية تستثني البلدان
العربية بالذات من هذه القاعدة العامة
وتورد تعليلات لا علاقة لها بأي منطلق
منهجي أو علمي أو سياسي واقعي، بل على
النقيض من ذلك، يجب رفض المبررات في حالة
البلدان العربية بالذات، حيث قامت
الأنظمة السياسية دون اعتماد وسائل
تعبّر عن إرادة الشعب بصورة مضمونة، فلا
سبيل لتبرير بقائها إلا التعبير عن تلك
الإرادة لاحقًا في مواجهة قضايا مصيرية
ومهامّ كبيرة وواجبات أساسية. لقد
قيل : إنّ خيبة الأمل كانت كبيرة.. لأن
التوقعات المسبقة كانت أكبر ممّا ينبغيّ
!.. وليس
هذا صحيحًا كما تشهد الأمثلة المذكورة
على درجة "تواضع" توقعات الشعوب، من
مختلف مستويات العامّة والخاصّة، إنّما
كانت خيبة الأمل كبيرة وشديدة ومؤلمة؛
لأنّ هذه القمة العربية التاريخية، لم
تحقق تلك التوقعات رغم كونها متواضعة إلى
أقصى درجة، وهذا بالمقارنة مع الدماء،
والمقدسات، ودرجة الإجرام الإسرائيلي،
ونوعية العدوان الأمريكي وحجمه المباشر
وغير المباشر.. وكذلك هي متواضعة للغاية
بالمقارنة مع الإمكانات الحقيقية
المتوفّرة، والتي أصبح معظمها ضائعًا
نتيجة عدم وجود السياسة الحكيمة
والإدارة الواعية لتوظيفه على النحو
الأمثل والأفضل. يضاف
إلى ذلك أن الإخفاق ظهر بصورة استعراضية
أكثر من صور للإخفاق وقعت لقمم سابقة،
فباستثناء قمتين أو ثلاث كان جميع ما
انعقد من قمم عربية منذ عام 1964م مرتبطًا
مباشرة بقضية فلسطين، ولكن انعقد معظم
تلك القمم السابقة وانفض، في غياب ظهور
دليل منهجي مقنع على حقيقة "إرادة
الشعوب"، ليس لعدم وجود "إرادة
الشعوب" نفسها، فقد كان معروفًا
عمومًا ما تريد الشعوب، ولكن لغلبة حملات
التضليل والتزييف، فلم يكن غريبًا مثلاً
أن تعلن قمة الخرطوم عام 1967م "رفض
التسوية" بكل أشكالها باسم الشعوب،
وأن تعلن قمة فاس عام 1982م "مشروع
التسوية" باسم الشعوب أيضًا، وما
تبدّلت "إرادة الشعوب" ولا سألها
سائل، ولكن تبدّلت "إرادة الحكام"..
فكان تغييب إرادة الشعوب وتجاوزها في
القضايا المصيرية، من نتاج أوضاع الدول
العربية نفسها أو أوضاع أنظمتها، ولم يكن
تعبيرًا عن أوضاع الشعوب وظروفها ودرجة
وعيها، إلى آخر ما يتردّد بهذا الصدد. وأمام
هذه الخلفية تتميّز القمة العربية عام 2000م،
بأنّها انعقدت في فترة أصبحت الشعوب فيها
أقدر ممّا مضى تعبيرًا عن إرادتها،
بمختلف الوسائل المتاحة، رغم غياب وسيلة
الانتخابات والاستفتاءات، النزيهة،
المضمونة بإعدادها ومجراها ونتائجها
وتطبيق تلك النتائج، ولهذا لا بدّ من
تفسير نتائج القمة العربية، بما أشار
إليه كثير من السياسيين والإعلاميين، من
أن "الشارع العربي" يضغط على
الأنظمة العربية.. وبالتالي فإن "شدّة
اللهجة" مع استمرار "ضعف المضمون"
في نتائج القمة وبيانها، يعني - مع مراعاة
النقاط السابقة - أن الحصيلة النهائية
للحدث تتركّز على: 1
- انعقاد القمة إنجاز في إحياء مرجوّ
للنظام العربي.. شريطة أن تتبعها خطوات
حاسمة مكملة. 2
- التعبير عن الإحساس بالغضب المتزايد في
"الشارع العربي".. دون وصول التجاوب
معه إلى حدّ أدنى ضروري. 3
- بقاء النتائج المقرّرة دون مستوى
التوقعات المتدنية، في حدود الممكن لا
المأمول والواجب فقط. 4
- محاولة "امتصاص الغضب" بتعابير "غاضبة"
في البيان، وبأساليب تقليدية لم تَعُد
مجدية. 5
- المضامين والإجراءات العملية محدودة
للغاية، لا تترك أثرها إن بقيت على حالها. وعلى
وجه الإجمال، كانت نتائج القمة العربية
إلى حدّ كبير وخطير، دون ما كان ينبغي
صنعه، لا قوله فقط، وفق المقاييس
العقلانية المعتبرة والمقاييس العاطفية
المشروعة معًا، كما كانت دون الإمكانات
المتوفرة، وهي كبيرة ومؤثرة عندما يحسن
توظيفها، وتلك هي المسؤولية الأولى على
عاتق "المسؤولين" ومبرّر وجودهم في
موقع صناعة القرار، وهذا ممّا يفسّر أن
الغليان الشعبي في متابعة الأحداث
المأساوية قد تجاوز مرحلة الترقب
والانتظار، وبات يهدّد بالانفجار.
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||