|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
القمة
العربية.. بين حياة الوجدان وصواب القرار بون/
نبيل شبيب
ندع
مشهد انعقاد القمة العربية وما تقرّره أو
لا تقرّره هذه الأيام، ونعود بالذكرى إلى
مثل هذه الأيام، في الثلث الأخير من رجب
عام 583 هـ، فآنذاك
.. قبل 828 عاًما هجريًّا، حرّر المسلمون
بقيادة صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس من
الصليبيين. ثلاثة
شهور فقط مضت على موقعة حطين يوم 25 ربيع
الثاني من العام نفسه،
ولقد حرّر صلاح الدين الأيوبي خلال
تلك الشهور الثلاثة،
عكا،
ومجدل الصادق،
ويافا،
والناصرة،
وقيسارية،
وحيفا،
وصفورية،
وسبسطية،
ونابلس،
وعسقلان،
والرملة،
واللدّ،
وغزة،
والخليل،
ويبنة،
وبيت لحم،
وبيت جبرين .. أي سائر تلك المناطق
التي يرويها الدم الفلسطيني هذه الأيام،
وتنطلق منها الاستغاثات إلى أذن
المشاركين في القمة العربية ومن تابعهم
ويتابعهم في كل مكان.. ثمّ
كان تحرير القدس،
وبعد تطهير المسجد الأقصى الذي جعل
الصليبيون منه "إسطبلا" لخيولهم،
أقيمت أوّل صلاة جمعة فيه بعد احتلال
دام 91 عاما،
وشهرًا واحدًا،
وأربعة أيام .. وفي
يوم الإسراء والمعراج،
السابع والعشرين من شهر رجب 583 هـ،
وضع صلاح الدين في المسجد
المنبرَ الذي كان قد بناه نور الدين
الزنكي،
قبل عشرين عاما كاملة من يوم
التحرير،
وقد نُقشت عليه عبارات تقول : "بسم
الله الرحمن الرحيم، أمَرَ
بعمله العبدُ الفقير إلى رحمته، الذاكر
لنعمته،
المجاهد في سبيله،
المرابط لأعداء دينه،
الملك العادل نور الدين .." ونعود
من التاريخ وذكرياته
إلى الحاضر ومشهد انعقاد القمة
العربية فيه وانفضاضها،
ولئن كانت دول القمة عاجزة عن "تحرير"
المدن والقرى في بضعة شهور،
أو حتى بضع سنوات،
فلا أقل من أن تقرّر في قمتها الشاملة
صناعةَ منبر بديل عن منبر نور الدين
الزنكي،
وقد أحرقه اليهود قبل نيف وثلاثين
سنة؛ ليوضع
في مكانه من المسجد الأقصى من جديد .. ولو
بعد عشرين عامًا .. وإلاّ فقد لا يبقى
أمامها إلاّ أن تلبّي ذلك الفلسطيني الذي
طالب على شاشة التلفاز،
يوم الجمعة 22 رجب 1421 هـ يوم
سقوط عشرة شهداء في " انتفاضة
الاستقلال "
أن ترسل قمة الدول العربية المنعقدة
في اليوم التالي " أكفانا " إلى أهل
فلسطين .. فلن تتوقف الانتفاضة .
تناقض مزعوم بين العاطفة والعقل في
السطور السابقة لهجة "حماسية " أو
"انفعالية" مقصودة،
وقد يقال بلهجة التساؤل المخلص:
إنّها تصلح لخطبة جمعة،
أو تصلح للتفاعل الإعلامي مع مشاهد
المأساة اليومية،
ولكن هل تصلح للحديث عن مطالب أو
توقعات منتظرة من قمّة عربية؟.. قد
تصلح أو لا تصلح .. ولكن ليس هذا هو
المهمّ، فالأهمية
الحقيقية كامنة في أصل الاستعداد من جانب
قادة البلدان العربية للاستماع إلى "مطالب
العامّة والخاصّة" من أهل تلك
البلدان،
والعمل على تحقيقها،
فليس من مبرّر لوجود مسئول في منصبه
في أي بلد،
إلاّ تحقيق المطالب المشروعة لأهل
ذلك البلد،
فإما أن يقتنع ويكون قادرًا فيصنع أم
لا ، فإذا تمسّك بالمنصب دون أن يقتنع بما
تريده غالبية أهل البلد، أو
دون أن ينفّذه عجزًا عن ذلك،
وإن وُصفت تلك الغالبية – استنقاصا
من شأنها- بالشارع أو الرأي العام أو
الجماهير،
أي إذا بقي رغم الإرادة الشعبية،
فإنّ بقاءه في منصبه يتحوّل إلى ضرب
من ضروب " الوصاية على الشعب "، وهذا
مرفوض بموازين المبادئ الوضعية الحديثة،
كما أنّه مرفوض بموازين الإسلام الذي
يعتبر " الوالي أو الخليفة أو الحاكم
" في موقع "الأجير " إن أدّى ما
عليه نال أجره من الله تعالى،
وإن لم يفعل نال سوى ذلك،
في الآخرة،
وربّما في الدنيا والآخرة . أمّا
التعامل مع انبعاث الحياة في الوجدان
العربي والإسلامي هذه الأيام تعاملًا
ينتهي إلى التنصّل من أداء المسئولية عبر
بوابة الزعم بوجود تناقض ما بين لغة
الوجدان ولسان العاطفة من جهة،
وصواب القرار ومنهجية الأسلوب من جهة
أخرى،
فذاك: -
تضليل عن الإرادة الشعبية بالتركيز على
" أسلوب التعبير " عنها .. -
ويستند إلى تحميل ما يقوله لسان الحماس
الصادق،
ما لا يُفهم منه ثم رفضه بدعوى
استحالته .. -
ويصدر عن تأثير حملة سابقة استهدفت "
قتل الوجدان " .. في ظلّ التيئيس من
أنفسنا وقدرات بلادنا وحكوماتنا . ولا
يقتصر الأمر على مستوى السلطات .. فكثيرا
ما بات التناقض المزعوم عنصرا مؤثرا على
ردود فعل تلقائية عند كثير من النخبة
الفكرية أو الثقافية في أمتنا،
تجاه مواقف مشحونة بالعاطفة والحماس
والتأثر الوجداني الحي،
قد تصدر عن بعضهم بأسلوب مبدع أو تصدر
عن العامّة بأساليب شعبية .. لو تأمّلنا
فيها فقد نجد فيها إبداعًا أخلص وأصدق
وأوقع في النفس وأبلغ في التعبير، كتلك
العبارة التي طالبت القمّة بإرسال
الأكفان !.. ولم
يكن سريان الاقتناع بوجود التناقض
المزعوم ناتجًا عن " نضوجنا " فكرًا
وسلوكًا،
بل هو حصيلة موجة أو حملة سابقة أثرت
في هذا الاتجاه، واستهدفت
فيما استهدفت أن نرى "فصاما" بين ما
يقول به الوجدان،
وما تقتضيه الموضوعية المنهجية،
والأصل أنّهما لا يصطدمان بل
يتكاملان،
إذا كانت الأرضية والمنطلقات في
القضية المعنية سليمة قويمة، وكانت
تحتمل -وربّما تفرض فرضاً- استخدام لغة
الوجدان،
وكانت تحتمل في الوقت نفسه أو قد تفرض
أيضا لغة الدراسة والبحث المنهجيين . التناقض
موهوم .. أو ظاهري .. وسرعان ما يتلاشى عند
طرح السؤال "المنهجي" الأصح والحاسم
للتفاعل القويم مع مواقف حماسية عاطفية
وهو : هل فيما تقول به تلك المواقف وتقصده
صواب أم لا ؟.. وتشهد
مقالات إعلامية وتصريحات سياسية ولافتات
حماسية وغير ذلك في إطار التفاعل الراهن
ما بين "الشارع العربي" وما يريد، و"القمة
العربية" وما تقرّر،
أنه من الأهمية بمكان أن نخرج من تلك
الحلقة المفرغة المصطنعة بعد أن بلغت
مستوى صراع جانبي،
فارغ المضمون،
ولكنه شديد الضرر،
عبر تحويل المواجهة بين حق وباطل،
وصواب وخطأ،
وعدوان مفروض وواجب دفاع مفروض،
إلى معركة وهمية بين جبهتين ..
إحداهما من صنع الوجدان الحي .. والأخرى
تزعم لنفسها احتكار الموقف الصائب!.. مخاطر
المواجهة مع الوجدان الحيّ وتظهر
أهمية كسر هذه الحلقة المفرغة عبر ما
نستشرفه من احتمالات أن يتفجّر هذا "الاستعداء
المصطنع" فيؤدّي إلى ما لا يرجوه أحد،
ولا يخدم قضية، ولقد تجسّد ذلك
الاستعداء المصطنع في أسلوب التعامل
السياسي هذه الأيام مع
إرادة الإنسان الفلسطيني أو العربي
الثائر،
عبر استخدام لغة رسمية رافضة لما
يريد،
أو ساخرة ممّا يريد،
مع الاستناد إلى ذريعة "الحماس في
المطالب والانفعالية في التعبير عنها"
.. فكأنّ ما يطالب به المتظاهرون تحت
تأثير انبعاث الحياة في الوجدان وعبر ما
نشهد من أحداث "تفتّت الصخر .. لا
القلوب فقط" أمر يتناقض مع العقل
والمنطق والحق،
أو يخرج عن نطاق الواجب والممكن،
ولا يوجد شيء من التناقض عند التأمل
في القضية: تأمّل الدراسة المنهجية.
وربّما
يتبيّن هنا أمر بالغ الأهمية من خلال طرح
السؤال من زاوية أخرى: هل
الساسة المسئولون الذين يرفضون مطالب
"الشارع العربي" بذريعة "انفعالاتها"
على استعداد حقيقي للنظر فيها أو
دراستها،
ناهيك عن تنفيذها،
لو كانت تُطرح بأسلوب "عقلاني
منهجي"؟ إنّ
تاريخ قضية فلسطين بالذات،
مع القادة الحاليين والسابقين،
لا يسمح للأسف بإجابة مرضية عن هذا
السؤال، كذلك فنحن خارج نطاق قضية فلسطين
أيضًا، تشهد
لنا – عبر النظرة الوجدانية والدراسة
المنهجية على السواء –
خبراتُ عشرات السنين على كيفية تعامل
معظم المسئولين الحاكمين مع الغالبية
العظمى من سكان كل بلد على حدة، على أساس
أنّ المواطن العربي إنسان لم يبلغ مستوى
النضوج والوعي، فلا تُرفع الوصاية عنه،
ولا تنتهي بصورة أو بأخرى ملاحقة
أولئك الذين يقرّر الحاكم بنفسه أو من
والاه من حاشية وأعوان، أنّهم أعداء
الشعب .. ،
وقد لا يكون من العداء سوى "التجرؤ"
على مساءلته عمّا يصنع،
ثم لا تلغى حالات الطوارئ في أكثر من
بلد، فكأنّ الاستثناء هو القاعدة،
بل قد يكون نظام الحكم نفسه أقرب إلى
صيغة من صيغ حالات الطوارئ منه إلى حكم
قائم على ما أمر به الإسلام من شورى أو
دعت إليه النظم الديمقراطية من حرية
وحقوق فردية . ومن بعد ذلك كله فباستثناء
حالات نادرة،
لا يوجد إلى جانب رئيس الدولة،
أو حتى زعيم الحزب،
أو أمير الجماعة،
أحد يمكن أن يحلّ محله،
أو يُسمح بظهور قدرته وكفاءته
وقابلية أن يحلّ محله، ما دام المسئول
حيًّا،
إلاّ إذا اغتصب آخر مكانه اغتصابًا،
وقد يكون خيرًا منه أو شرّا منه،
ولكن جوهر المشكلة كامن في أنّ
المقياس يبقى مقياس "القدرة على
التمسّك بالمنصب أو القدرة على اغتصابه"
وليس مقياس الكفاءة والقدرة على أداء
المسئولية من خلاله،
وتوظيف طاقات البلاد والعباد لتحقيق
الأهداف المشروعة الحيوية،
والمصالح المشتركة العليا،
وأداء الواجبات الكبرى،
على أفضل وجه ممكن،
في الأحوال الاعتيادية،
وفي القضايا المصيرية،
وفي مواجهة الكوارث والنكبات
الطارئة على السواء. إنّ
التناقض بين واقع الأنظمة الحاكمة
وعلاقتها مع الشعوب، وبين ما ينبغي أن
تكون عليه
هو التناقض الأهم والأكبر، وهو أصل
المشكلة على صعيد طرح المطالب أو منع
طرحها أو الخوف من طرحها،
ولن نجد بعد ذلك مشكلة كبيرة في كون
ذلك الطرح
بأسلوب عقلاني أو وجداني،
وهل يصدر عن حسّ شعبي أو تأمّل فكري
أو تحليل منهجي. وقد
يستهان بهذه المشكلة المصطنعة في الظروف
الاعتيادية .. ولكن تتبيّن خطورتها
الكبرى في مثل الظروف الراهنة، فمن
الخطورة بمكان أن هذا التناقض المزعوم
والاستعداء المصطنع
أصبحا سببين أو ذريعتين فيما
نرصده هذه الأيام، مع سخونة الأحداث
وأهمية القرار واحتمالات التطوّر
المختلفة،
من مواقف سياسية قاصرة عن رؤية مغزى
تدفق الحياة في الشارع العربي،
وانتشار ذلك التفاعل عبر مختلف
الفئات وفي مختلف الأمكنة ، وقد
أصبح يعبّر عن الرؤية الوجدانية
والبصيرة العقلانية في وقت واحد . لقد
أصبح " الشـارع " هو الذي يجرّ
القادة جرّا إلى الطريق الصحيح والقرار
الصواب،
وهم يقاومون إلى اللحظة الأخيرة،
وقد لا تكون "اللحظة الأخيرة"
مرضية لهم،
ولا تكون مطلوبة بأي مقياس عقلاني. صحيح
أنّ بعض المطالب أو بعض أساليب التفاعل
مع الأحداث، تنطلق
بلهجة "حماسية أو انفعالية "،
ولكن مهما قيل للتقليل من شأنها على
ألسنة أدعياء المنهجية والواقعية
والحكمة السياسية،
يبقى ثابتا أنّ هذا التعبير الصـادق
عن التفاعل "الوجداني" مع الدماء
الساخنة، ومع
المعنويات العالية والهامات الشامخة،
ومع الصدور الغضّة في مواجهة عنفوان
الوحشية الصهيونية الأمريكية،
خير ألف مرة من "وجدان ميّت" لا
يدفع إلى مجرّد التحرّك في مظاهرة ..
فضلاً عن الدخول في حرب أو التضحية بمظهر
من مظاهر الرفاهية في مقاطعة اقتصادية. وصحيح
أنّه قد يكون في الاستجابة للانفعالات
الوجدانية والعاطفية "المحضة" ودون
تفكير خطأ كبير .. ولكن من الخطأ قطعًا عدم
الاستجابة لها إطلاقا،
والخطأ الأعظم هو الاصطدام بها بدلا
من تفهّمها واستيعابها وتوظيفها في
تحقيق مخطط قويم نحو هدف سليم، وفي مثل
ذلك الاصطدام
أخطار ذاتية لا ينبغي أن تخفى على
عاقل. ويكفي
بالمقابل أنّ هذا التعبير الوجداني عن
المشاعر والأهداف معًا،
قد حقق خلال فترة وجيزة مظهرًا
واقعيًّا مشهودًا من مظاهر الوحدة
الشعبية التي اعتبرها بعضهم قد ماتت
وأصبحت جاهزة للدفن في مقابر "شرق
أوسطية"، فامتدت
انتفاضة الأقصى التي بدأ يشيع وصفها بحق
بانتفاضة "الاستقلال" لبيان هدفها
الموضوعي،
وانتشرت عبر الشرايين العربية
والإسلامية من قلب المسجد الأقصى حتى
الرباط وإندونيسيا،
وعبر المحيطات إلى كل مكان فيه
مسلمون أو فيه "وجدان إنساني حي". على
أنّ من أهم العناصر الحاسمة الهامّة في
مجرى الأحداث هو عدم صحة تعميم صفة "الانفعال"
وبالتالي تبرير "عدم الاستجابة" في
الحديث عمّا صدر ويصدر من مطالب تجاه
القمة العربية،
عن رجل الشارع وعن " المفكر
والمثقف "،
وقد اتخذت تلك المطالب أساليب تعبّر
عن وجدان حيّ،
وطني وقومي وإسلامي وإنساني،
جنبا إلى جنب مع اختيار أهداف بعيدة
ومرحلية،
ممكنة التحقيق،
وتصوّرات ذات أرضية مشتركة،
واضحة الرؤية والمقصد،
وتطلّعات مستقبلية منسجمة مع الحقوق
والإمكانيات ومع الاستعداد لمزيد من
التضحيات.
يجب
أن يعي أصحاب القرار على مستوى القمة
العربية وفي مختلف المواقع أنّ
هذا الذي يرصدونه اليوم هو "النضوج"
الشعبي الذي
لا يخسر أحد قدر خسارة من يعمى عن رصده أو
يتعامى ويمتنع عن التفاعل معه،
لا سيما إذا كان في موقع وفي
"الأسلوب الوجداني" في الحديث عن
ذكرى تحرير بيت المقدس في مطلع هذه
المقالة مثال مقصود
على بعض السبل المتبعة في رفض الموقف
الصائب .. بدعوى "الانفعالية في الخطاب
الحماسي"،
فعند مطالبة القمة العربية بصناعة
منبر للمسجد الأقصى، على غرار ما صنع نور
الدين قبل عشرين سنة من تحرير القدس،
يمكن أن يأتي الجواب المباشر بعبارات "منهجية
" ظاهريا،
كالقول: كلام جميل أن نطالب القمة
بصناعة "منبر للأقصى".. ولكن القمة
تريد صناعة الممكن والمفيد سياسيا،
وليس تهييج العواطف بالذكريات. والممكن
هو " إدانة .. وشجب " و "تضامن موعود
".. فهل في ذلك شيء إلا موقف عاطفي لا
يفيد !.. والمفيد
هو "مطالب موجّهة إلى المجتمع الدولي
" .. فهل كانت تلك المطالب مجهولة قبل
انعقاد القمة؟.. لا
يغيب عن أصحاب الأسلوب المذكور في الجواب
عن كلام من قبيل الحديث عن ذكرى تاريخية،
أنّ المقصود بعيد كل البعد عن مطالبة
القمة بصناعة "خشب المنبر" بل
هو ما ترمز إليه صناعة منبر نور الدين قبل
معركة التحرير بعشرين عامًا .. فقد كان
نور الدين ثم صلاح الدين يحكمان في ظروف
أشدّ وطأة بمقاييس عصرهم من ظروف الدول
المشاركة في القمة الآن في عصرنا الحاضر،
ويحكمان شعوبًا كانت تعيش بإمكانيات
أضعف بمقاييس عصرهم من إمكانيات
أعدائهم،
وذلك بدرجة أكبر من درجة تفاوت
إمكانيات شعوبنا التي تعاصر النكبة
الحالية مع إمكانيات شعوب أخرى بمقاييس
عصرنا الحاضر، ولكنّ نور الدين وصلاح
الدين لم يتحرّكا بأسلوب اليأس
والتيئيس، والتراجع والتنازلات،
إنّما انطلقا آنذاك: -
من الإحساس بالمسؤولية أوّلًا .. -
واستيعاب أرضية واقع الهزيمة والضعف
والتفرقة ثانيًا .. -
والابتعاد عن لغة "التسليم" والروح
الانهزامية ثالثًا .. -
وسلوك طريق الإعداد والتعبئة باعتماد
الإمكانيات الذاتية ثالثًا فوصلا
إلى الهدف الكبير،
بعد حين من الزمن، وذاك شأن القسم
الأعظم من "الانتصارات التاريخية"
وكذلك "تحوّلات التغيير الجذرية" في
حياة الأمم، في التاريخ القديم،
والتاريخ الحديث،
ولا يصنع تغييرا ولا يحقق هدفا
ويُحدث تحوّلا، الانطلاق من التسليم
باستحالة ذلك بلسان "واقعية" عوراء
ترى المستحيل ولا ترى الممكن. وسيّان
هل انطلقت كلمة الجهاد على ألسنة طلبة
"الجامعة الأمريكية في القاهرة " أو
الفنانين المعتصمين،
أو أصحاب الاتصالات الهاتفية عبر
ندوات الحوار،
أو اتخذت بعض البرامج في بعض القنوات
الفضائية من "أجواء الحرب" صيغة من
صيغ إخراج مواكبة الأحداث .. فجميع ذلك لا
يخرج عن قابلية صياغته في مطلب مشترك
واحد هو: -
الشروع في سلوك طريق الإعداد للحرب،
وليس المطلوب دخول "الحرب دون
إعداد". ومن
ذلك ولوج معركة البناء بتخطيط قويم،
ومكافحة الفساد،
وتحرير البلاد من التسلّط،
واستعادة الثقة حيثما أصبحت مفقودة ..
ومن الإعداد أيضًا والمألوف في العلاقات
الدولية طرد
سفير،
أو مقاطعة بضاعة،
أو ما شابه ذلك .. ومن الإعداد أيضًا
تحرير القرار السياسي .. وتحويل التضامن
الكلامي إلى مشاريع تعاون .. وتنفيذ ما
سبق الاتفاق عليه أو جرى تحويله للجان
الدراسة فأشبعته بحثا ومراجعة وبقي في
" الأدراج "
كمشاريع الاكتفاء الذاتي من غذاء
ودواء،
ومشاريع التكامل الصناعي،
ورفع المنسوب التجاري البيني .. ويمكن
المضي في هذه القائمة شوطًا بعيدًا . ولكن
هل ينتظر الحاكم المسئول
في بلد من البلد أن يتظاهر
المتظاهرون تأثّرًا بسيل الدماء،
فيطالبون بلغة علماء السياسة
والاقتصاد وخبراء الوزارات ومعاهد
الدراسات بما يريدون .. أم أن يطالبوا
بشعار يشمل المقصود بأسلوب وجداني يحرك
الطاقات،
عسى أن يتصرّف المسئول في الاتجاه
الصحيح؛ فيوظفها لتحقيق الغايات الصحيحة!.. لا
يستحق مثل هذا الطلب في الشارع العربي
والإسلامي، وعلى
مستوى النخبة في البلدان العربية
والإسلامية،
مواقف ساخرة من رجل السياسة،
ولا مواقف توجيه الاتهام بالانفعال
دون تفكير،
أو الحماس دون تقدير. إنّ
التحرّك الآن لأداء الواجبات الفورية، جنبًا
إلى جنب مع الإعداد للمستقبل بما يجب
صنعه في المستقبل
هو المطلوب شعبيًّا،
وهو المطلوب منطقيًّا،
وهو المطلوب بموازين السياسة
الواقعية والمنهجية العلمية. ودون
الإغفال عمّا يجب اتخاذه من خطوات فورية
لمواجهة العربدة الصهيونية والأمريكية
على أشلاء أطفالنا وحرمة مقدساتنا وتراب
أرضنا .. فإنّ أي لقاء من مستوى القمة أو
سوى ذلك،
لا يسفر عن العمل التطبيقي لتوظيف
مجرى الأحداث المأساوية الراهنة
ونتائجها
وتوظيف العزيمة المتفجّرة في
انتفاضة الأقصى والاستقلال المباركة،
وما شحنته من طاقات واستعدادات
جديدة؛
لإعطاء دفعة قوية للتعبئة الطويلة
الأمد، لن يصل إلى هدف كريم،
ولو بعد حين،
وإنّما سيزيد أسباب المهانة الآن،
ويضاعف أسباب التخلّف والنكبات
والهزائم كما كان على مرّ عدّة عقود
ماضية،
وذاك ما يحمل مسئوليته من ساروا على
السبل المتشعبة،
وتتضاعف المسئولية بالإصرار على تلك
السبل المتشعبة،
سواء كانت عبر واشنطن أم نيويورك أم
بروكسل أم موسكو أم سواها،
ما دامت لا تجمع بدلا من ذلك أو إلى
جانب ذلك،
ما بين بغداد والرباط،
كحدّ أدنى،
وبين نواكشوط وجاكرتا كحدّ واجب. ليست
الحرب لعبة كما قال أحد الرؤساء العرب
مؤنّبا المتحمّسين،
ومحذرا من الاستجابة لهم،
وممهّدا للقاء القمّة، وصحيح أن
الحرب ليست لعبة ،
ولكن بعيدا عن لغة الانفعالات لا
ينبغي بحال من الأحوال أن نجعل من
الانفعال الوجداني مع الدماء الساخنة
أمرا مذموما. ويمكن التأكيد بكل منهجية
باردة،
ما يقوله الشارع العربي والمثقف
العربي بكل وسيلة أخرى ممكنة : -
إنّ "اللعبة الانتحارية القاتلة" هي
إقدام صانع القرار السياسي المسئول عن
إسقاط خيار الحرب "إستراتيجيًّا" من
حساباته السياسية، دون
أن تسقط الحرب من خيارات "عدوّه".. -
وبالتالي عدم الإعداد للحرب أو لاحتمال
وقوعها،
وهي قادمة حتمًا ويستعد لها العدوّ
بأحدث الأسلحة،
ثم عدم الاكتفاء بذلك بل المضي درجة
أخطر وأبعد مدى،
وهي اتخاذ الإجراءات المضادة
لسدّ الأبواب
بما في ذلك الملاحقة "الأمنية"
المشبوهة،
لمن يستعدّ لمعركة مستقبلية،
أو حتى من يطالب بها،
وجعل "مكافحة الإرهاب" وسيلة
لملاحقة أصحاب الحق الشرعي في مقاومة
العدوّ الغاصب .. جميع
ذلك وما يشابهه من الممارسات السياسية
وغير السياسية بدعوى
"السلام" هو الأبعد ما يمكن أن يكون
عن سياسة حكيمة منهجية غير عاطفية ولا
حماسية،
وأخطر منه اتباع سياسة إخماد صوت
الشعوب،
أو حصاره،
أو تجاهله،
أو تزويره .. تلك
هي اللعبة الانتحارية القاتلة سياسيًّا،
وهي الأخطر على الحكومات والشعوب
معا،
بنتائجها "الإستراتيجية"
والفورية، حتى
من الحروب الخاسرة !..
اقرأ
أيضا: جدوى
القمة العربية ومسئولياتها ماذا
يحدث في فلسطين؟ وما دلالاته؟ رسالة
مفتوحة إلى القمة العربية انتفاضة
الأقصى.. مفصل تاريخي في مجرى الأحداث انتفاضة
الأقصى تعيد تعريف القضية حكمة
الحجر.. الانتفاضة واستعادة الذات
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||