English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

ماذا يحدث في فلسطين؟ وما دلالاته؟

جلال الدين عز الدين علي

باحث في الشئون الإسرائيلية - القاهرة 


يمكن تحليل الملحمة الفلسطينية الجارية الآن على ثلاثة مستويات، أولها يتعلق بالنظام الدولي الجديد، والثاني يتعلق بالنظام الإقليمي العربي، ويلحق به الدول العربية، والشعوب العربية، والثالث يتعلق بإسرائيل.

تابع في هذا المقال:

- النظام الدولي الجديد والصراع العربي الإسرائيلي.

- النظام الإقليمي العربي يتوارى.

- الشعوب العربية تتحمل وتتحدى.

- إسرائيل ضد نفسها.

- النتائج وتساؤلات للمستقبل.

 

النظام الدولي الجديد والصراع العربي - الإسرائيلي

انتصرت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الحرب الباردة، وبدأت تعمل على تشكيل النظام الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في أوائل التسعينيات، وكان ذلك يعني تحول هيكل النظام الدولي من الاستقطاب (الأمريكي - الأوروبي الغربي) - (السوفييتي - الأوروبي الشرقي)، إلى هيكل آخر، اختلف الدارسون في تصنيفه: هل هو أحادي القطب تنفرد فيه الولايات المتحدة بالقيادة، أم أنه هيكل تعددي الأقطاب تبرز فيه الولايات المتحدة والدول الرأسمالية المنتصرة في الحرب الباردة، خصوصًا وأن معايير التصنيف لم تَعُد تقتصر على القوة العسكرية، ولكنها أضحت أكثر تركيزًا على القوة الاقتصادية  والتكنولوجية.

كما كان ذلك يعني فرض قائمة أولويات جديدة للعالم، يتم تعميمها على النظم الإقليمية الفرعية، كالنظام الإقليمي العربي من خلال شغل الفواعل الأساسيين في هذه النظم بها، وحاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها إضفاء العالمية على هذه الصيغة فيما يعرف بالعولمة،  بصرف النظر عن مدى ملاءمتها لشعوب العالم المختلفة، ولأولويات الدول والنظم الإقليمية القائمة، ومن بينها الشعوب العربية والنظام الإقليمي العربي. وهكذا وجدنا الدول الفقيرة تنخرط في الخصخصة، وتركز الثروة في أيدي الأغنياء، وتنشر الفقر بدلاً من أن تنشر الثروة وتقلص مساحة الفقر، ووجدنا أن هذه الدول تتحول إلى الأولويات الاقتصادية والتنمية ومنح بعض مظاهر الحرية، في الوقت الذي تعاني أراضيها الاحتلال، ويخترق التهديد متعدد الأشكال مختلف جوانب أمنها.

كما كان التحول الدولي يعني أيضًا تغير أدوات التعامل الدولي، بحيث تتركز في الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية، كما يحدث على قمة النظام الدولي بين الدول الكبرى، بصرف النظر أيضًا عن مدى ملاءمة ذلك لمصالح الشعوب العربية وحاجاتها. وفي هذا السياق تحولت إدارة العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل إلى التركيز على الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية، وصار الاسم المعتمد للصراع العربي - الإسرائيلي هو مجرد "النزاع العربي - الإسرائيلي"، كما لو أن ما بين العرب وإسرائيل هو نزاع حول نسبة أو أخرى من الأرض والموارد، أو مشكلة أخرى مما يحدث داخل الأسرة الواحدة! وسميت المقاومة إرهابًا، والعمليات الاستشهادية عمليات انتحارية لمن لا يقبل أن يضحي الإنسان بحياته من أجل مطلق أو مبدأ طمعًا في آخرة،  في زمن تسوده الإغراءات المادية ويعتبر الآخرة ضلالات غيبية وإغراقًا في السلبية والهروب، أو تسميتها عمليات إرهابية لمن يجرم المس بأمن إسرائيل والنظام الدولي الذي يساندها. وتمت المساواة بين عنف الجاني وعنف الضحية، إن لم يكن التجاوز عن عنف الجاني، وضرب الذكر عنه صفحًا مهما بلغت الدماء المراقة والأرواح المزهقة والمقدسات المدنسة، مقابل عقد المؤتمرات الدولية والإقليمية لإدانة عنف الضحية وعقابها على الذود عن روحها وكرامتها ولقمتها بأقل ما تملك من الوسائل.

وفي حين حرَّم النظام الدولي على هذه الدول المغلوبة - المحتلة أراضيها - المستنزفة مواردها الحديث - ولو لفظيًّا - عن الحرب والعنف إلا بالإدانة، وفرض على تطوير قواتها أقسى الشروط، بحيث تتجه إلى محاربة بعضها بعضًا أو قمع شعوبها، فإنه احتكر لنفسه حق امتلاك القوة والتوسع في تنظيمها واستخدامها الفعلي، وتجريبها في شعوب هذه الدول، كما حدث في العراق والسودان. وبدلاً من أن يختفي حلف الأطلنطي باختفاء السبب الداعي لقيامه وهو الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي وتحالف وارسو الذي ضم دول الكتلة الشرقية؛ إذ بهذا الحلف الأطلنطي يتوسع ويضم الدول الشرقية والغربية في مواجهة أي شذوذ أو معارضة ولو ضعيفة ولفظية للنظام الدولي الجديد: أجندته، وفاعليه، وسياساته، وإذ به يفرض السياسات الثقافية والاقتصادية والسياسية للدول الكبرى بالقوة العسكرية المجردة، في الوقت الذي يأمر فيه الدول العربية بتحقيق مصالحها الأمنية والعسكرية المتمثلة في استعادة أرضها بالوسائل الدبلوماسية والاقتصادية! أي أنه يفرض عليها الاستسلام في حقيقة الأمر، وبتبجح غير مسبوق في التاريخ؛ إذ يدعوها إلى تصور ذلك وتسويغه لشعوبها على أنه هو ذاته مصلحتها ورفاهيتها! ولم تستنكف بعض الدول العربية عن التعاون مع إسرائيل، وتبرير ذلك بتشجيع المحتل على السلام، كما لو أننا يجب أن ندلل اللص ليترك لنا جزءاً مما اغتصب منا! فكيف كانت ردود الفعل الإقليمية العربية؟

النظام الإقليمي العربي يتوارى

النظام الإقليمي العربي بعد حرب الخليج كان في حالة تمزق وشلل وفقدان للثقة والتكامل بين مكوناته. وعبثًا ذهبت شعارات المصالحة والتوحد لمواجهة التحديات الجسيمة المحيقة فعلاً بالدول والشعوب العربية، وكانت عملية التسوية التي انطلقت من مدريد في أعقاب حرب الخليج في 1991م أساسًا لانقسام أعمق. وهكذا، وجد النظام الإقليمي العربي نفسه يُعاد تشكيله في ظل النظام الدولي الجديد وهو في حالة انهيار تام، وممزق بين منساق ورافض للانصياع للتكيف وإعادة التشكيل وفق إرادة النظام الدولي، وإن كان هذا الرفض لا يعني بالضرورة المقاومة، أو حتى الممانعة.

وكنتيجة نهائية، أصبح النظام الإقليمي العربي مشلولاً، وغير قادر على النهوض من عثرته، والدفاع عن نفسه، ضد محاولات هدمه، وإقامة تنظيمات بديلة على أنقاضه، كان أخطرها النظام الشرق أوسطي الذي يجمع دول المشرق العربي تحت سيطرة الولايات المتحدة، والنظام المتوسطي الذي يضم دول المتوسط تحت سيطرة أوروبية.

ولم يكن النظام الإقليمي العربي في حالة أكثر مدعاة للرثاء وإثارة للاكتئاب للباحث المنتمي للعروبة المعتنق قيم الإسلام من تلك الأعوام التي بدا فيها أن عملية التسوية الظالمة تحقق انتصارات متتابعة بالاختراق الضخم الذي تم في أوسلو 1993م، ومعاهدة وادي عربة بين إسرائيل والأردن في 1994م، وبدا أن المشروع الشرق أوسطي بالذات في أوجه، حينما قال بعض الوزراء العرب إن النظام الإقليمي العربي لا معنى له، لا لشيء إلا لأنه لا يوجد شيء اسمه النظام الإقليمي العربي في ملفات وزارة الخارجية البريطانية وأجهزة صنع القرار الدولية التي لا يوجد فيها إلا الشرق الأوسط! وقال بعض المفكرين إن هذا النظام مات، وتحذلق بعض القيادات العربية والفكرية والأكاديمية لتخرج بصيغة أنه لا تعارض بين النظام الإقليمي العربي وهذين النظامين، وألفت أعمال فكرية - سياسية من قبيل "عرب وشرق أوسطيون" أيضًا، كما تشكلت منظمات للتطبيع وترويج "ثقافة السلام" بين الجماهير العربية، اتخذت علنًا وضمنيًّا موقف الازدراء من المقاومة أو الإشفاق عليها من مواجهة مدمرة لا طائل من ورائها، وتبجحت إسرائيل بالسؤال باستهزاء: متى تنضم إلى جامعة الدول العربية؟! وكانت بطولة كبيرة في كثير من الدول العربية أن يقف المرء ويقول قولة حق في مواجهة هذا الطوفان الشرق أوسطي المدعوم بأسلحة الغرب، ومال الشرق والغرب، وقمع الحكومات، إضافة إلى الإغراق الإعلامي، والقهر الفكري من قبل القيادات والرموز الفكرية والأكاديمية التي تسخر من عدم فهمه السياسة، وتتهمه بالمثالية، ويالها من تهمة!

الدول العربية تنكفئ وتنبطح

أما على مستوى دول النظام الإقليمي العربي، فكانت كل دولة منها ملهية بذاتها، وبعضها اختفى من خريطة التفاعلات العربية والدولية كالعراق والصومال والجزائر والسودان، والبعض الآخر انهمك بجدية في مداراة الظروف المعاكسة التي تهددها بمواجهة المصير ذاته، والحفاظ على بقية القوة والمكتسبات التي أحرزتها عبر عقود طويلة من الصراع السياسي والاقتصادي، وانشغلت من ثَم بكيفية الدفاع عن نفسها وتكييف دورها، وتبرير التحول والتكيف لشعوبها، حتى وإن جارت عليهم جورًا مؤلمًا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا. والخلاصة أن الجميع خضعوا "خوفًا وطمعًا" للإرادة الأمريكية الأطلنطية. فكيف كانت استجابة الشعوب العربية؟

الشعوب العربية تتحمل وتتحدى

وحدها الشعوب العربية هي التي صبرت وتحملت العبء متعدد الأبعاد: من قهر سياسي، وأمني، وجور اقتصادي اجتماعي، مزَّقها وحلَّل كثيرًا منها، وتجلى في صورة هزيمة شاملة، وانكسار روحي، تبدت معالمه في ارتفاع معدلات البطالة، وازدياد حالات الطلاق، وازدياد الأمراض النفسية، وحتى البدنية من سوء التغذية وتلوث البيئة، وارتفاع حالات الإدمان، وتصاعد الجريمة كميًّا ونوعيًّا، وتفجر العنف والتطرف، والتحلل الأخلاقي والديني، وانتشار الشعوذة والدجل، وفقدان الأمل في المستقبل.

وكان على رأس المتحملين والصامدين ذلك الشعب الفلسطيني الذي انفضَّ الجميع من حوله إيثارًا للسلامة، أو طمعًا في أدوار إقليمية ومكاسب متنوعة من قيادة النظام الدولي، بحيث بدا في كثير من الأوقات أن إسرائيل ستسوِّي صراعها مع مختلف دول الطوق وتنفرد بالفلسطينيين، بين مطرقتها وسندان السلطة الفلسطينية، التي تكونت في 1994م، وبتغطية من الدول العربية والإسلامية الكبرى. وكانت ذروة ذلك المنحى في 1998م، عندما تورطت بشكل مباشر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الحفاظ على الأمن الإسرائيلي، ومراقبة تطبيق الاتفاقيات الأمنية بين السلطة وإسرائيل. وحينئذ فلسفت السلطة الفلسطينية ذلك بأنها هي التي طلبت ذلك من الولايات المتحدة حتى تعرف ويعرف العالم من الذي يطبق الاتفاقيات ومن الذي يخرقها!!

لكن هذا الشعب العظيم أثبت نجاحه المشرِّف في معركة الصبر، واحتواء التناقضات الداخلية، وعلى مدى سبع سنوات من اتفاق أوسلو بلغ فيها الظلم أقصاه حافظ على وحدته، ولم يوجه أسلحته إلا إلى صدور العدو الإسرائيلي، رغم أن السلطة الفلسطينية وقفت حائلاً بينه وبين عدوه، ووظفت ثمار جهاده في الانتفاضة من 1987م إلى 1993م لتحقيق مكاسب ضيقة ومطالب مبتذلة، وكانت إدارتها للمفاوضات مع الإسرائيليين والأمريكيين شر نموذج لسياسة التنازلات والتفريط، حيث تعقد الاتفاقات من وراء شعبها، وأحيانًا من وراء بعض قياداتها، وكل اتفاقية تجزئ القضية يتم التفاوض على تفسيرها وتجزئتها إلى عدد من الاتفاقات والمذكرات، التي يتم الاحتفال بها، وتسميتها خطوات في طريق السلام، بعد أن أصبح وصف الاتفاق التاريخي مبالغة أكثر بكثير من اللازم، وفي النهاية لا يُنفَّذ منها شيء! وكانت سياستها في الداخل شرًّا من سياستها في الخارج: قمعًا، وانتهازية، ومحسوبية، وفسادًا واستغلالاً للسلطة، وانتفاعًا من العلاقات مع المحتل.

وعندما بلغت الأمور ذروتها هبَّ هذا الشعب جميعًا للدفاع عن مقدساته، وعن حقوقه المشروعة، وأصبح هو والشعوب العربية الأخرى طوفانًا يجرف من يقف في طريقه، ويجبر الحكومات على الاعتراف بأن الكيل طفح وفاض، ولم يَعُد بمقدور هذه الشعوب أن تتحمل المزيد.

فكان التضامن مع لبنان ورجم رئيس وزراء فرنسا بالحجارة عندما وصف جهاد حزب الله بأنه إرهاب، وكان انتصار المقاومة اللبنانية وإجبار إسرائيل على الانسحاب من الجنوب اللبناني بدون شروط، وكان خرق الحظر على العراق، وأخيرًا انتفاضة الأقصى التي تحولت إلى حرب حقيقية، إلى جانب مظاهر عديدة للتبرم بالسيطرة الأمريكية - الأطلنطية تمثلت بهجمات تنظيمات معينة على الأهداف الأمريكية والبريطانية خاصة، وكان آخرها ضرب المدمرة الأمريكية "كول" قرب سواحل عدن، والسفارة البريطانية في اليمن. وفرضت الشعوب على قياداتها أن تلتئم في قمة عربية تعمل الدول الكبرى على منعها بكل سبيل، وأجبرت الجماهير قادتها على قيادة المظاهرات والمسيرات دفاعًا عن فلسطين والفلسطينيين، وأمن الأمة وكرامتها، ولو من منطلق الحفاظ على وجود هذه الأنظمة واستعادة شرعيتها. فأين كانت إسرائيل من كل ما سبق؟

إسرائيل ضد نفسها

إسرائيل هي الدولة التي تقع على هامش النظام الإقليمي العربي، وهي ليست دولة هامشية عادية كإثيوبية مثلاً، ولكنها دولة احتلال قائمة على جزء من الأراضي العربية. وهي تؤثر في النظام الإقليمي العربي باعتبارها مدخلاً وأداة للنظام الدولي - الذي لا وجود لها بدون مساندته - للتأثير في النظام الإقليمي العربي وعملية إعادة تشكيله، التي تتم في هذه المرحلة من خلال عملية تسوية الصراع العربي - الإسرائيلي، وإعادة تكييف الدور الإسرائيلي فيه، على أنقاض النظام العربي.

وقد كادت إسرائيل أن تنجح في مهمتها، الموكولة إليها من النظام الدولي بهدم النظام الإقليمي العربي، ودمج إسرائيل في دوله بعد تمزيقها وبعثرتها، لتتحول من دولة على هامش النظام العربي إلى دولة في قلب النظام الشرق أوسطي والنظام المتوسطي، لها من الشرعية والفاعلية مثل ما لبقية دول المنطقة. كادت إسرائيل أن تنجح في هذه المهمة وشكلت احتمالات النجاح هذه خطرًا حقيقيًّا على الأمن العربي، والهوية العربية، والتماسك العربي، إلا أن إسرائيل بذاتها فشلت في القيام بهذا الدور، وإلى فشلها هذا يرجع الفضل في كل ما يحدث الآن، من انهيار العملية بأكملها.

ففي أوج ازدهار هذه العملية ثنائيًّا وإقليميًّا في 1994م قام يهودي متطرف من اليمين الإسرائيلي من سكان مستوطنة كريات أربع في الخليل باقتحام الحرم الإبراهيمي وقتل عدد من المصلين المسلمين، وفي أعقاب الحادث انتشرت مظاهرات الشعب الفلسطيني ومظاهرات مماثلة في الشوارع العربية منددة بالجريمة، وخلال هذه المواجهات حدثت مذابح أخرى في المسجد الأقصى وعديد من مناطق الضفة الغربية وغزة وأراضي فلسطين المحتلة في 1948م كذلك. ولم يكن من رئيس الوزراء الإسرائيلي القوي إسحق رابين آنذاك إلا التهاون مع المستوطنين بدلاً من اتخاذ القرار السليم الذي فرضته الأحداث عندئذ بإخلاء المستوطنات، حتى لقد تم تحويل قبر هذا المستوطن المتطرف إلى مزار! وبدلاً من تسريع التوصل إلى معاهدة مع الفلسطينيين، تضمن لإسرائيل تسوية ثنائية وإقليمية لن يجود الزمان بمثلها، قال رابين قولته التي أصبحت فيما بعد قاعدة للمفاوضات يرددها الإسرائيليون والقيادات العربية أيضًا!: "المواعيد ليست مقدسة". وقد زاد هذا الحادث من قوة المتطرفين الإسرائيليين القابعين في الهوامش، وفي 1995م اغتال أحدهم إسحق رابين نفسه.

وباغتيال رابين، سنحت الفرصة من جديد لرئيس الوزراء التالي شيمون بيريز ليعلن الحرب على المتطرفين ويحقق لإسرائيل تلك التسوية، لكنه فشل وتخاذل عن تطبيق اتفاق الخليل، الذي تم التوصل إليه في أعقاب مذابح الحرمين الإبراهيمي والأقصى، وأعلن أيضًا أن المواعيد ليست مقدسة، وحاول - وكان قريبًا من الانتخابات في 1996م - أن يغير صورته في أذهان الإسرائيليين كحمامة سلام، وداعية للنظام الشرق الأوسطي، وانحاز إلى اليمين والمتطرفين من خلال ارتكاب مذابح لبنان وأشهرها مذبحة قانا.

ومرة أخرى قوَّت هذه الأحداث من نفوذ الهوامش المتطرفة، حتى تعادل الطرفان تقريبًا في انتخابات 1996م التي جلبت نتانياهو إلى السلطة، بفارق 1% بينه وبين بيريز، وإن كان حزب العمل الذي ينتمي إليه بيريز ظل أكبر من الليكود الذي ينتمي إليه نتانياهو. وكان من الطبيعي أن يثأر نتانياهو لليمين والليكود على سنوات انفراد اليسار وحزب العمل بالسلطة من 1992م إلى 1996م لأول مرة بعد هزيمة اليسار في 1977م لصالح الليكود، وبدلاً من أن يشكِّل نتانياهو حكومة وحدة مع حزب العمل القوة الكبرى في الكنيست؛ لتحقيق الوئام الداخلي، والتسوية في الخارج، فضَّل أن يحشر نفسه مع الهوامش والمتطرفين: العلمانيين والمتدينين، فازداد تطرفًا وتعنتًا في عملية التسوية، واستهل حكمه بفتح النفق تحت المسجد الأقصى والتحرش بسورية، وتصعيد الاستيطان في القدس في جبل أبو غنيم وغيرها، ومحاربة النفوذ الفلسطيني في بيت الشرق وحول القدس، والامتناع عن إطلاق الأسرى الفلسطينيين، فكانت سنوات حكمه كلها تصعيدًا وإشعالاً للصراع بحكم انجذابه إلى الهوامش، وفقدت الدول العربية أملها في التسوية، ولم يحضر أحد تقريبًا مؤتمر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المنعقد في الدوحة في 1997م، وتجمدت عملية التسوية ومشروع النظام الدولي في المنطقة العربية، بسبب السياسة الإسرائيلية.

وفي 1999م جرت الانتخابات مبكرة عن موعدها؛ إذ تمت الإطاحة بحكومة نتانياهو بعد أن مزَّق ذلك الأخير حزبه، وحكومته، ودولته، وشل مسيرتها الخارجية، ووضع المتدينين والعلمانيين، والعرب واليهود، واليمين واليسار على شفا الحرب الأهلية، وفاز باراك بالحكم في 1999م مع آمال داخلية وإقليمية ودولية ونشوة بانتصاره على نتانياهو بلغت حد الاحتفال وتنفس الصعداء في هذه المستويات. ومرة أخرى كانت الفرصة سانحة لباراك ليشن الحرب على اليمين والمتطرفين مستغلاًّ نصره الساحق على نتانياهو وتمزق خصمه الليكود، وتبعثر اليمين وفقدانه للقيادات، ولكنه فشل وجبن، عن أداء المهمة، فكان منه ما كان، حتى انهارت حكومته، وأصبح معرضًا لمصير نتانياهو وبيريز من قبل، ومهددًا بمصير رابين من قبل الهوامش المتطرفة التي ازداد تأثيرها بفعل التراجع المطرد للقيادات الإسرائيلية الرافعة لشعار التسوية.

وفي أغسطس 2000م، كانت الفرصة الأخيرة لباراك ليصل بالمفاوضات إلى ذروتها، ويحقق اتفاقية مع السلطة الفلسطينية تضمن الحد الأقصى من الأطماع الإسرائيلية، وجزءاً شديد الهزال من المطالب الفلسطينية، ولكنه أيضًا فشل وجبن وضغط على عرفات بانتظار المزيد، ولكن المتطرفين لم يمهلوه، فكان اقتحام شارون للمسجد الأقصى، وتفجير الصراع.

والحقيقة أن هذا الانفجار كان متوقعًا، ومطلوبًا من أجل تغيير التوازن بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وإجبار إسرائيل على التحرك في عملية التسوية التي بدت مشلولة بفعل التناقضات الإسرائيلية الداخلية، وكانت المفاجأة أن يقوم بهذا العبء شارون وليس الفلسطينيين، وهو ما أجمع المحللون على اعتباره خطأ فادحًا. ويشير هذا الخطأ إلى انحسار السياسة الإسرائيلية في مصالح حزبية ضيقة، حيث الأرجح أن شارون فعل ذلك في موقف يأس وخوف من أن يفقد الليكود وقياداته إلى الأبد فرصة العودة إلى السلطة إذا توصل باراك إلى تسوية وفاز بالحكم مرة أخرى في انتخابات قريبة. كما كان شارون شخصيًّا مهددًا بعودة نتانياهو إلى زعامة الليكود، وتنحيته إلى مخزن تاريخ السياسة الإسرائيلية.

وبدلاً من أن يدين باراك شارون ويحاول استيعاب الانفجار ويسارع بالتوصل إلى تسوية، اختار باراك تصعيد المواجهة وقمع الانتفاضة الفلسطينية، ربما بسبب رغبته في التفوق على اليمين في العنف، واتخاذ ذلك رصيدًا للانتخابات القادمة، إذا لم يتم التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، وربما لأن الأمور قد بلغت ذروتها من قبل، بسبب فشل عملية التسوية وعدم قدرة أي طرف على كبح الغضب الشعبي الفلسطيني الذي كان متوقعًا سواء أقام شارون بما قام به أم لا. ومع استمرار التصعيد ضرب باراك الفلسطينيين سلطة وشعبًا، منهيًا بذلك من حيث أراد أو لم يرد عشر سنوات كاملة من المفاوضات العقيمة من أجل تركيع الشعب الفلسطيني وهدم بيئته الإقليمية العربية.

النتائج وتساؤلات المستقبل

لقد فرضت الشعوب العربية إرادتها، وأفشلت أعتى المشروعات المدججة بالقوة المادية، وقوة المال والسياسة والإعلام، لهدم الكيان العربي، وإقامة مشروعات أخرى على أنقاضه. ومن يملك الجرأة الآن ويستطيع أن يدعو إلى مؤتمر شرق أوسطي أو متوسطي؟ ومن يملك الجرأة الآن للحديث عن التطبيع مع إسرائيل وإمكانية التعايش مع العدو؟ وبدأت السلطة الفلسطينية تتحدث عن إسرائيل بلفظ العدو الذي كاد أن يحذف من لغتنا السياسية والإعلامية، وبدلاً من أن تسجن من يعارض التسوية ويتحدى جبروتها الدولي كما كانت تفعل مرارًا للحفاظ على مكاسبها، إذا بها تفرج عن جميع المعتقلين الفلسطينيين المعارضين للتسوية، والداعين إلى الجهاد والمقاومة، وتطلقهم جنودًا في المواجهة مع العدو.

وإذا بحالة عربية وإسلامية في أكثر أجزاء جسد الأمة ترهلاً وتثاقلاً إلى باطن الأرض تنشط وتتحدى، ليس فقط دفاعًا عن مقدساتها، ولكن أيضًا دفاعًا عن أمنها ومستقبلها الذي تهدده القوى الدولية إلى حد الاستئصال.

كما أثبتت التطورات الجارية أن طبيعة الكون هي التوازن واستحالة الاستقرار المبني على الظلم، وأنه مع اشتداد الجور والقهر، فلا بد أن يأتي اليوم الذي يُفَجِّر المقاومة بما يوقف الجور والظلم. وإذا بفلسطين ولبنان اللتين تعدان من أضعف البلدان العربية بمعايير القوة المادية، هما اللتان تحققان النصر وتصنعان تاريخ  المنطقة العربية الحالي، وتوقفان مد الطغيان الدولي! لتتحقق بذلك إحدى السنن، وهي أن من يجاهد ينتصر، ولو كان قليل العدد والعدة.

وهكذا أثبتت أيضًا أن المثالية والواقعية كالسماء والأرض بالنسبة إلى الإنسان: متكاملتان ولا يُستغنى عن إحداهما، فالمثالية تعني الإيمان بثوابت وقيم مطلقة، ومتجاوزة للحسابات المادية، يسعى الإنسان إلى تطبيقها في حياته، ولو تحمَّل في سبيلها الآلام، والواقعية تعني فهم الواقع بدراسته وتحليله بعمق وإنصاف، لإحسان التعامل معه، وتغييره باتجاه تحقيق المثل، وليس اتخاذه مرجعية ومعيارا يَجُبُّ المثل ويساوي بين الإنسان والمادة.

والسؤال الآن بعد أن نجحت الشعوب بصبرها، وبانفجارها في أن تفرض على قياداتها أخذ مشاعرها في الحسبان: هل تأخذ هذه الشعوب بزمام المبادرة فتطرح مطالبها واضحة عبر تنظيماتها المختلفة: الحزبية والأهلية، وحركاتها العفوية من مظاهرات وخلافها على القمة العربية القادمة؟ وهل تفرض أولوياتها الخاصة على جداول أعمال حكوماتها؟ وهل تفرض شكل نظامها الإقليمي المعبر عن هويتها ومصالحها على النظام الدولي، فتنفخ فيه روحًا من الفاعلية والقدرة على البناء والصراع معًا؟ وهل تفرج الحكومات العربية عن معتقليها السياسيين كما فعلت السلطة الفلسطينية؛ لتوحيد الداخل وتعبئة القوى في مواجهة الخطر الخارجي؟ وهل تعيد توزيع الموارد لنشر الثروة بدلاً من تركيزها ونشر الفقر؟ وهل تحيي معاني الجهاد والسمو الروحي بدلاً من ترويج ثقافة الاستسلام والانكسار والتحلل؟ وهل ترتقي بمستوى الخدمات المقدمة إلى الشعوب وعلى رأسها التعليم والإعلام والصحة؛ لتبني الإنسان العربي الواثق بذاته، القادر على المقاومة وصنع المستقبل؟ وإذا كانت القيادات العربية ركبت موجة الغضب الشعبي العربي وتمادت في المزايدة بإعلان الحرب، فهل تقودها الشعوب العربية إلى إعلان الحرب حقًّا؟ وهل تعي أن إسرائيل ليست أكثر من عميل سيء وغير كفء لقيادة النظام الدولي فتوجه حربها ومقاومتها للتحالف الأطلنطي بشمول تهديداته؟

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

بث مباشر: 26/11

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع