|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
حكمة
الحجر..الانتفاضة واستعادة الذات أ.د. عبد
الوهاب المسيري
فهناك
نموذجا يتصارعان على أرض فلسطين- كما
يتصارعان في العالم كله- أولهما نموذج
التكامل الفضفاض غير العضوي وهو نموذج
يسمح بوجود ثغرات بين الأسباب والنتائج
وبين الجزء والآخر، فأجزاؤه ليست
متلاحمة مع بعضها البعض، وهو نموذج يعرف
الثنائيات الفضفاضة والانقطاع، ويدور في
إطار السببية الفضفاضة، ولذا لا يسقط في
الواحدية أو التلاحم العضوي الذي يميز
النموذج الآخر، ورغم استقلال الأجزاء عن
الكل وعن بعضها البعض؛ فإنها ليست مفتتة
ذريًّا فهي في علاقة تكاملية بحيث يمكنها
أن تنسق فيما بينها وأن تتفاعل؛ ولذا فهو
نموذج يعرف الاتساق والاستمرار
والتكامل، ومع هذا يبقى لكل جزء من
أجزائه استقلاله وكينونته وشخصيته
وهويته. فالأجزاء مترابطة دون أن تكون
متلاحمة عضويًّا، والكل ينظم الأجزاء
دون أن تكون متلاحمة عضويًّا، والكل ينظم
الأجزاء دون أن يبتلعها، ودون أن تذوب هي
فيه، ودون أن ترد في كليتها إليه، والسبب
له علاقة بالنتيجة؛ ولكنها ليست علاقة
مباشرة صلبة. ونموذج
التكامل الفضفاض غير العضوي هذا هو مقابل
نموذج التلاحم العضوي الذي تتسم عناصره
بأنها متماسكة جميعًا ومتلاحمة بحيث لا
يستطيع عنصر أن يستقل عن الكل، ولا يتمتع
بمساحة يتحرك فيها بشيء من الاستقلال (وهذا
هو النموذج السائد في الأوساط الثورية في
العالم العربي، بل وفي العالم الحديث
بأسره، وهو النموذج المهيمن على الدول
المركزية القومية وعلى منظومة الحداثة
الغربية".
تابع في هذا المقال:خصائص
النموذج الانتفاضي 1- نموذج استعادة الذات
والرجوع عن الحداثة الغربية 2-
مفهوم الانتفاضة والعودة إلى الذات 6-
التحريك الأفقي مقابل التصعيد الرأسي
نموذج استعادة الذات والرجوع عن الحداثة
الغربية نموذج
التلاحم العضوي هو ثمرة حقيقية لمنظومة
الحداثة الغربية المبنية على القطيعة
المعرفية والفعلية مع الماضي، والبدء من
الواقع المادي المباشر ومحاولة السيطرة
على عناصره، والتغيير يعني رفض الماضي،
والبدء من نقطة الصفر الافتراضية، أما
نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي فهو
نموذج يحاول أن ينسلخ عن الحداثة
الغربية؛ ليستلهم التراث، ويولد منه
حداثة جديدة ونظمًا في الإدارة وتحريك
الكتلة البشرية بأسرها. وهذا
أمر متوقع تمامًا فالنموذج الانتفاضي
نموذج استرجاعي: أن تصبح إسرائيل فلسطين
مرة أخري وأن تُزال آثار العدوان
الاستعماري الغربي الصهيوني الذي نجح في
مواجهتنا بآلاته الحديثة وقصم ظهرنا،
فلا بد إذن من استدراجه إلى أرضنا حيث
يمكننا أن نحاوره حسب قواعدنا ونستلهم
تراثنا؛ ولذا فالانتفاضة كانت شكلاً من
أشكال "العودة عن الحداثة" demodernization
، وبعث أشكال تقليدية من التكامل
الاجتماعي والإنتاج (الأسرة كوحدة
أساسية – الزراعة التقليدية – المخبز
الريفي – العودة لشجرة الزيتون كمصدر
للحياة وللرموز) ليزداد التكامل الفضفاض
والتراحم في المجتمع، ويلاحظ أن القرى
التي لم تحقق مستوى عاليًا من التحديث هي
أكثر القرى صلابة في النضال إذ إن بنيتها
التحتية التقليدية تضمن لها مقدرة أعلى
على الاستمرار بسبب عدم تبعيتها.
مفهوم الانتفاضة والعودة إلى الذات وكلمة
"انتفاضة" تبلور النموذج الانتفاضي
بشكل يبعث على الدهشة، فهو دال يكاد
ينطبق انطباقاً كاملاً على مدلوله بكل
خصوصيته ونتوءاته ومنحياته، وهو مصطلح
يعود للمعجمين اللفظي والحضاري العربي
الإسلامي، والكلمة مشتقة من فعل "نفض"
مثل "نفض الثوب" يعني "حركه ليزول
عنه الغبار أو نحوه". والكلمة على
المستوى الدلالي المباشر تشير إلى حركة
خلاقة تولد الجديد من القديم (النظافة)،
وهي توحي في الوقت نفسه بعدم تجذر هذا
الذي سيزول – الغبار الذي علا الثوب – أو
الاستعمار الصهيوني الذي حط على أرض
فلسطين. ويقال أيضًا "نفض المكان" أي
"نظر جميع ما فيه حتى يعرفه" (وهذه
حيلة معروفة لدى شباب الانتفاضة) ويقال
أيضًا "نفض الطريق" أي "طهره من
اللصوص"، و"النَفَضَة" "جماعة
يبعثون في الأرض متجسسين؛ لينظروا هل
فيها عدو أو خوف". وتحمل الكلمة أيضًا
معاني الخصوبة، فيقال "نفض الكرم"
أي "تفتحت عناقيده"، ويقال "نفضت
المرأة" أي "كثر أولادها". و"المرأة
النفوض" هي "المرأة كثيرة الأولاد"
(مثل المرأة الفلسطينية)، وهناك تعبيرات
مثل "نفض عنه الكسل" و"نفض عنه
الهم" وكذلك "انتفض واقفًا".
والكلمة بدلالتها وإيحاءاتها تفترض وجود
قوة ما كامنة، كانت ساكنة ثم تحركت، وأن
مصادر الحركة ليست من خارج النسق، وإنما
من داخله، وهذا البعد يجعل كلمة "انتفاضة"
(لا ثورة) مصطلحًا أكثر دقة في وصف ما
يحدث، فالثورة تفيد الانقطاع (الثورة
الفرنسية والثورة البلشفية) أما
الانتفاضة فتفيد أن الكامن قد أصبح
ظاهرًا، وأنه وصل ما انقطع ولم يقطع ما
اتصل. ونحن
نذهب إلى أن الحجر في حالة الانتفاضة ليس
مجرد سلاح استخدمه المنتفضون بكفاءة
عالية، وإنما هو بلورة كاملة لنموذج
التكامل الفضفاض غير العضوي، فاستخدام
الحجر كفاءة توصل إليها الإنسان منذ أن
بدأ التاريخ البشري، والحجر موجود بكثرة
داخل معجمنا الحضاري، فهو أحد المفردات
الأساسية في التراث العربي الإسلامي؛
فالحصان يشبه في معلقة امرئ القيس بأنه
"جلمود صخر حطه السيل من عل"، ونحن
نعرف كذلك آية الطير الأبابيل التي رمت
الغزاة "بحجارة من سجيل"، وعقوبة
الزنى هي "الرجم"، ويستعيذ المسلمون
بالله من الشيطان "الرجيم"، ويقضون
حياتهم يحلمون بإقامة شعائر الحج، ومن
أهمها "رجم" إبليس وتحية "الحجر
الأسود" (وربما تقبيله). وتقف الكعبة
نفسها "حجرًا" ضخمًا، مكعب الشكل
يشير إلى ما لا نهاية إلى الإمكانيات
والوعود والجنة، ويزخر شعر المقاومة
الفلسطينية قبل الانتفاضة وبعدها
بإشارات لا تعد ولا تحصي للأرض والجبال
والحجارة. وثمة
سمات مشتركة أخرى بين نموذج الانتفاضة،
نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي،
والنماذج الإدراكية السائدة في
المجتمعات التقليدية، فعلى سبيل المثال
لجأت الانتفاضة التي تحاول أن تحرك
الكتلة البشرية بأسرها، إلى البحث عن
رقعة الإجماع الشعبي بين الفلسطينيين (الثوابت
الإنسانية) مثل التمسك بالأرض والدفاع عن
حق تقرير المصير، ولم تشغل بالها
بالأطروحات الثورية النقية الدقيقة،
وهذا التوجه للثوابت قد لا يكون رشيدًا
من منظور علمي مادي، ولكنه رشيد تمامًا
من الناحية الإنسانية والتعبوية،
والانتفاضة في هذا لا تختلف كثيرًا عن
المجتمعات التقليدية التي تتسم بقدر عال
من التماسك؛ بسبب الإيمان بالثوابت، ومن
محاولة إدارة الأمور من خلال الإجماع لا
الصراع (والإدارة من خلال الإجماع لا من
خلال تصعيد المنافسة أسلوب في الإدارة
تبنوه في اليابان بنجاح كبير، وبدءوا
يكتشفون أهميته وجدواه في الغرب). ويمكن
أن نرى النزعة الانتفاضية نحو الاستفادة
من خبرات المجتمع التقليدي من موقفها مما
يسمي "الموضة"، والموضة – كما نعلم
نحن عرب الخارج – اختراع غربي شيطاني،
الهدف منه أن نغير ملابسنا وأذواقنا (وهويتننا)
مرتين كل عام، وأن نبدد طاقتنا الجسدية
والروحية والمالية دائمًا، ولكن في زمان
الانتفاضة، وفي مكانها، تتغير الأمور،
وتصبح الموضة ليست السعي؛ للحصول على آخر
ما اقترحه القرد الأعظم في باريس، وإنما
أن نلبس ثيابًا من صنع المصانع
الفلسطينية، وبالتالي نضرب العدو،
ونساند الصناعة المحلية، فيزداد
المنتفضون عزة واعتدادًا بالنفس. كما أن
اتباع الموضة الانتفاضية يعني أن الجميع
سيرتدي الزي نفسه تقريبًا؛ فيصعب على
العدو أن يميز بين الفلسطينيين، ومن ثم
تصبح عملية المطاردة شبه مستحيلة (وهذا
يشبه من بعض الوجوه الثورة الجزائرية،
حين أصبح كل الذكور يسمون محمدًا، وكل
الإناث فاطمة، بحيث يغرق العدو في البحر
الإنساني)، بل إن كل متجر ملابس أصبح
مكانًا لتغيير الزي، ولذا إذا دلف أحد
المنتفضين إلى مثل هذا المتجر؛ فإن صاحبه
يتصرف بتلقائية متعمدة، ويساعد المطارد
على تغيير ملابسه؛ ليخرج وينضم للبحر
الإنساني.
التحريك الأفقي مقابل التصعيد الرأسي نموذج
التلاحم العضوي (شأنه شأن نموذج الحداثة
المادية الغربية) مبني على النمو المستمر
والمتصاعد، وتعظيم متراكمة الطاقة
واستهلاكها وتبديدها، بل وأحيانًا تبديد
المادة ذاتها حتى يصل النموذج إلى
الذروة، وهي نقطة الاشتعال (نهاية
التاريخ). فهذا النموذج يذهب إلى أن تراكم
الظروف الموضوعية وتصاعد التناقضات
واحتدامها سيولد حتمًا وعيًا ثوريًّا،
وهذا سيؤدي بدوره إلى اندلاع الثورة،
وعملية التراكم والنمو التي تتم عملية
عالمية تحدث في كل المجتمعات حسب النمط
نفسه، فنمط التراكم والتناقض واحد؛ ومن
هنا كان الاهتمام المفرط بالظروف
الموضوعية العامة لا بالظروف الفريدة
المحلية، والنماذج التراكمية ترى أن
التصعيد الثوري لا بد أن يأخذ شكل تصعيد
رأسي لا أفقي، بمعني حتمية أن يكون هناك
تزايد دائم في احتدام التناقضات، وفي
تصاعد درجة الحرارة حتى تصل إلى درجة
الاحتراق، ولذا أصبح الفكر الثوري
مشغولاً بـ "تهيئة الظروف الموضوعية
لنشوب الثورة. أما
نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي
فيحتاج إلى قدر من الطاقة، ولكنه لا يتجه
نحو تعظيم متراكماتها واستهلاكها، إنما
يركز على استخدامها مع الحفاظ عليها وعلى
مصادرها (كما هو الحال في المجتمعات
التقليدية)، وهو نموذج يفضل التوازن على
الصراع، ولذا فهو يجمع بين الطاقة
الإنسانية (التقاط الحجر وإلقاؤه)
والطاقة الطبيعية (الحجر نفسه). ولأن
النموذج الانتفاضي لا يتجه نحو النمو
المستمر؛ فهو لا يحاول أن يصل إلى
الذروة؛ ولذا فهو يتوهج أحيانًا ويخبو
أحيانًا أخرى، ولكنه لا ينطفئ أبدًا، ولا
يشتعل أبدًا. وقد
درب أهل الضفة والقطاع أنفسهم تمامًا حتى
أصبح بوسعهم أن ينجزوا في ساعتين أو ثلاث
ما لا يستطيع غيرهم إنجازه إلا في يومين
أو ثلاثة، وهذا يتطلب تدريب كل أفراد
الجماعة على الحركة المنسقة، وعلى توزيع
الأدوار والوظائف توزيعًا دقيقًا، وقد
أدى هذا إلى زيادة مقدرة الفلسطينيين على
القيام بهذا العدد الهائل من الإضرابات
والاحتجاجات دون أن يحترقوا، وقيادة
الانتفاضة بقبولها فكرة السماح بفتح
المحلات وغيرها من الخدمات لعدة ساعات
تبين أنها مدركة لضرورة تحريك كل أجزاء
الجماعة الإنسانية وبشكل مستمر، ومن ثم
لا بد أن تلبى حاجاتهم الإنسانية كبشر،
لا بد أن يأكلوا ويشربوا ويفرحوا
ويحزنوا؛ ولكنهم كبشر أيضًا يحققون
إنسانيتهم من خلال انتفاضتهم، فلا
يسقطون في رتابة الزمان اليومية، ولا في
آليته المبتذلة، إذ إنهم بعد عودتهم من
عند البقال يضعون ما اشتروا من بضائع في
زاوية الدار ثم يعانقون النجوم ويرشقون
عدوهم بالحجارة، لقد ابتدع الفلسطينيون
زمانًا فلسطينياً للمكان الفلسطيني –
هذا إذن هو الإنسان في زمن الانتفاضة،
هذا هو الإنسان الذي أفلت من قبضة الزمن
الرديء، وقد أنجز ذلك لا بتحطيم الزمان
نفسه (كبروميثيوس أو العنقاء- كما يقول
شعراء الحداثة)، وإنما بالعمل من خلاله
وتقبله كمعطى، وبزيادة الخبرة اليومية،
ومن خلال التكاتف والتعاطف والتراحم،
وماذا يستطيع العدو مهما بلغت كفاءته أن
يفعل في مجابهة هذا؟ ومن
الأمثلة الأخرى على التصعيد الأفقي أن
المنتفضين لاحظوا أن جنود العدو كانوا
يتعرفون على راشقي الحجارة عن طريق
التراب العالق بأيديهم؛ فقام المنتفضون
بتجنيد الصغار؛ ليحملوا فوطة مبللة يغسل
راشق الحجارة يده بعد فراغه من فعله
البطولي. واستخدام
الوزنة الحديدية بدلاً من الحجر مثال
ثالث على التصعيد الأفقي، والوزنة
بالنسبة للحجر كالمدفعية الثقيلة
بالنسبة للبندقية، فاستخدامها شكل من
أشكال التصعيد ولا شك، ولكن مع هذا تظل
الوزنة تنويعًا على الحجر، ويبدو أن
إخفاء الوزنة أمر أسهل بكثير من إخفاء
كمية من الحجارة، كما أنه يفترض إمكانية
تجنيد كل عناصر الجماعة؛ وليتخيل شعور
الطفل الذي حمل الفوطة المبللة ومدى
إحساسه بالكرامة، حينما يعود إلى منزله؛
ليحكي لأمه ولأبيه ما يفعل فتزداد درجة
التماسك والتراحم في الجماعة الفلسطينية. ثمة
مؤشرات أخرى على زيادة كفاءة الجماعة
الفلسطينية في الانتفاضة، فعلى سبيل
المثال عندما بدأت الانتفاضة كان بعض
راشقي الحجارة يلجئون إلى مدارس البنات
للهرب من المطاردين الإسرائيليين، فكان
البنات يصرخن بسبب فجائية الموقف، ولكن
تعلم الجميع كيف يعزف لحن الانتفاضة
المستمر؛ ولذا حينما كان أحد المنتفضين
يدخل مدرسة البنات فإن جميعهن كن
يتحركن بتلقائية متعمدة ويختفي المنتفض،
وقد يظهر المنتفض فجأة أمام مكتب إحدى
الموظفات، وبالتلقائية المتعمدة نفسها
تعطيه شهادة حسن سلوك لأخته التي حضر من
أجلها؛ وليغوص العدو في هذا البحر
الإنساني، إذ لا توجد آلة واحدة قادرة
على مساعدته في اجتيازه. ويتطلب
نموذج التلاحم العضوي حدًّا أقصى من
التنظيم والترشيد الكامل في إطار
القانون العام والتطبيق الصارم له، فيتم
التنسيق الكامل بين الأجزاء ولذا لا بد
أن تكون كل العناصر متجانسة، ولا بد أن
تذعن للقانون العام والسلطة المركزية،
وتتسم بالخضوع للأطروحات الثورية
العلمية الدقيقة. أما
في حالة نموذج التكامل الفضفاض غير
العضوي، فإن الترشيد الكامل لا يكون
ضروريًّا، بل قد يكون على العكس ضارًّا،
إذ إن الترشيد يعني تطبيق قانون واحد على
الجميع، أو مجموعة من القواعد المختلفة
ينظمها قانون واحد، وهذا يتعارض مع تنوع
الأجزاء وتفاوت السرعات، ونموذج التكامل
غير العضوي قد لا يعمل بالمستوى نفسه من
الكفاءة، ولا على نفس القدرة من السرعة
التي يعمل بها نموذج التكامل العضوي،
ولكنه قادر على أن يعمل بسرعات متفاوتة
في الوقت نفسه بسبب عدم وجود تنسيق صارم
بين الأجزاء المختلفة (إذ يحتفظ كل
بشخصيته إلى حد ما)، وهو بسبب مساميته
وليونته يتمتع بإمكانية الحركة إلى
الأمام أو إلى الخلف أو إلى اليمين أو إلى
اليسار، بل ويمكن أن تتحرك بعض أجزائه
إلى الأمام وتتحرك بعض أجزائه الأخرى إلى
الخلف، حسب الظروف، ويمكن أن تتحرك بعض
أجزائه بينما تتوقف الأجزاء الأخرى،
ولذا فمقدرته على تعبئة الجماهير -رغم
عدم تجانسها- عالية. وهذا
ما فعلته الانتفاضة من خلال تجنيدها
للكتلة البشرية (من كل الأعمار والطبقات
والانتماءات الإثنية والدينية) في
الأراضي المحتلة وتحريكها جميعًا في وقت
واحد، في فترات مختلفة، وحسب مقدرة كل
قطاع داخل هذه الكتلة على الحركة. ولم تكن
الحركة دائمة متجانسة، وإنما كانت
متقطعة غير متجانسة. وقد
تركت الانتفاضة بسبب عدم التزامها
بقانون مجرد واحد مجالًا واسعًا للإبداع
الشخصي، وحولت الارتجال إلى شكل مهم من
أشكال النضال الإبداعي الذي يمكن
استيعابه داخل التخطيط المركزي الفضفاض،
والنضال بالحجر لا يتطلب درجة عالية من
الترشيد؛ ومن ثم لا توجد ضرورات لدورات
توعية أو حلقات تدريب ولا درجات عالية من
التنوير والتسييس. كذلك
فإن نموذج التلاحم العضوي، بسبب تماسكه
العضوي وصلابته وافتقاده إلى المسامية
والفضفاضية ـ قادر على الحركة في ظروف
مثالية وحسب، وفي اتجاه واحد إلى الأمام.
ولكنه بسبب هذا نجده غير قادر على
التوقف، وفي الوقت نفسه مهددًا بالتوقف
الكامل إن لم تتوفر له الظروف المثالية،
أي ظروف التحكم الكامل والتجانس الكامل
والترشيد الكامل. قد
لا يتسم نموذج التكامل الفضفاض غير
العضوي بمقدرته على الحركة السريعة،
ولكنه يعوض هذا بمقدرته الفائقة على
التحرك والاستمرار تحت معظم الظروف،
وعلى الاستمرار بعد الانقطاع، وهذا ما
حققته الانتفاضة، فهي أطول حركة عصيان
مدني نشط في التاريخ، لقد استمرت
الانتفاضة وأنهكت العدو تمامًا، حتى إن
التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي توصل
إلى اقتناع مفاده أنه لن يمكن القضاء على
الانتفاضة إلا عن طريق الالتفاف حولها،
ومن هنا مدريد ثم أوسلو. لقد
استمرت ست سنوات ويمكن أن تستمر إلى ما لا
نهاية؛ لأنها في هذه الفترة شيدت كل
المؤسسات البديلة لإدارة المجتمع، أي أن
الانتفاضة بهذا المعنى كانت انتصارًا
لفكرة المجتمع الأهلي مقابل الدولة
المركزية، واندلاع الانتفاضة الثانية
دليل آخر على مقدرة النموذج الانتفاضي
على الاستمرار بعد التوقف، وعلى التأجج
بعد الراحة. ويتسم
نموذج التلاحم العضوي بالثنائية الصلبة،
فالمركز قوي أما الأطراف فضعيفة، ولذا
فالتنظيم يتسم بالهرمية الصلبة: نخبة
طليعية مسلحة بالنظرية الثورية تتمتع
بوعي ثوري عال، وجماهير تابعة ينظمها
الحزب الثوري (طليعة الطبقة العاملة!)
ويقودها إلى أرض الميعاد؛ ولذا لا يمكن
تخيل الثورة بدون النظرية الثورية أو
الحزب الثوري: ثمة حاجة إلى مركز قوي
فعال، لا يستطيع النموذج التحرك بدونه.
ولكن إن أصاب المركز خلل؛ تبعثرت الأطراف
تمامًا، وانتقل من الثنائية الصلبة إلى
السيولة الشاملة، وتحول الهرم المدبب
إلى شيء مسطح لا مركز له ولا قوام، أما في
حالة نموذج التكامل الفضفاض غير العضوي،
فإن المركز لا يكون بالضرورة أقوى من
الأطراف؛ ولذا يكون التنظيم شبه هرمي،
قمته ليست مدببة ولا حادة، والقيادة لا
تمسك كل الأمور بيدها، ولا تسبق
الجماهير، وإنما تسير في وسطها جنبًا إلى
جنب، كما هو الحال في المجتمعات
التقليدية التي لا تعطي أهمية مطلقة
للنخبة أو الدولة، إذ تتم الإدارة من
خلال عدد هائل من المؤسسات الأهلية
والوسيطة (الأسرة – علاقات القرابة –
الأوقاف … إلخ)، ومن خلال النصح والإرشاد
وقدر من الإجماع وإن حدث شيء للمركز؛ فلن
يؤثر ذلك كثيرًا في الأطراف، إذ لا يختلف
المركز عن الأطراف كثيرًا. والأطراف
شأنها شأن كل الأجزاء، لها شخصيتها
المستقلة، أما وتيرة حركتها فينظمها
المركز، ولكنها مستقلة عنه، ولها
تموجاتها المختلفة. هذا
التماسك بين أفراد الجماعة يمكنها من
الاستمرار في الأداء دون توجيه يومي من
القيادة ودون رقابة حزبية صارمة (دون
انضباط حزبي كما يقال في الخطاب الثوري)
وهذه هي طريقة التنظيم في الانتفاضة،
فالنضال بالحجر لا يتطلب عملية تنظيم
مركزية أو قيادة قوية، فرغم وجود القيادة
المركزية فإن الأطراف ظلت قوية، فحينما
يتم القبض على أحد القادة فإن الجماعة
تبذل قصارى جهدها لإثبات أنه ليس بالقائد
الفعلي، وذلك عن طريق الاستمرار في
النضال وتصعيده، ومن هنا يصبح القبض على
القائد عنصرًا يزيد من التلاحم والتماسك
والتراحم بدلاً من أن يكون عنصر تآكل
وتراجع، بل إن العدو في كثير من الأحيان؛
نتيجة تحسن الأداء كان يستنتج أنه لم يتم
إلقاء القبض على القائد الحقيقي، ويعود
للبحث عنه! ومن
المفارقات أن تماسك الجماعة وفعالية كل
أفرادها جعلها أكثر قدرة على اختيار
العناصر القيادية الأكثر كفاءة؛ لأنه
إذا كان الجميع يعرف الجميع، وإذا كان
الطفل والشاب والعجوز يتكاتفون، فمن
خلال الممارسة اليومية تسهل معرفة
العناصر الأكثر حركية وانتفاضًا فتصعد
لمرتبة القيادة، فالتماسك هنا لم يجعل
القيادة مهمة، ولكنه ضمن في الوقت نفسه
وصول العناصر البشرية الأكثر إبداعًا
وانتفاضًا إلى مركز القيادة. وقد
اهتم المنتفضون، انطلاقًا من نزعتهم
التراثية، أيما اهتمام بالأغاني الشعبية
والتراث الشعبي في نضالهم واحتجاجهم،
ولكن إبداعهم التراثي وصل ذروته، وعبّر
النموذج الانتفاضي، نموذج التكامل
الفضفاضي، نموذج التكامل الفضفاض عن
نفسه خير تعبير فيما سميته "حيلة
البطيخة"، فمن المعروف أن قوات
الاحتلال الصهيوني كانت تحرم على
الفلسطينيين أن يرفعوا العلم الفلسطيني،
وتجرم هذا الفعل، ولذا بدلًا من المواجهة
المباشرة كان الفلسطينيون-عند مرور
القوات الصهيونية- يقومون بقطع بطيخة إلى
نصفين ثم يرفعون أحد النصفين، وكل لبيب
بالإشارة يفهم، فألوان البطيخة المقطوعة
حمراء وقشرتها خضراء وبيضاء وبذرتها
سوداء، هي ألوان العلم الفلسطيني، ولعل
عملية قطع البطيخة ذاتها تذكر الجندي
الصهيوني بأشياء أخرى يخافها، إن قطع
البطيخة المتينة أكثر عمقًا في مدلوله من
مجرد رفع العلم المجرد. وهو سلاح مبتكر
تمامًا يوجد عند الفكهاني في أي وقت،
وليس بإمكان العدو مصادرته وإن فعل يصبح
أضحوكة أمام العالم، وهو سلاح اقتصادي
تمامًا يمكن تدويره، فيستطيع المجاهد أن
يأكله بعد أن يناضل به، ويستطيع الجميع
استخدام سلاح البطيخة من سن السابعة إلى
سن السابعة والسبعين. وهو أيضًا سلاح
يستفز العدو دون إعطائه فرصة للبطش. وهو
في نهاية الأمر تعبير عن الهوية: حلبة
الصراع الحقيقية، والبطيخ سلاح شعبي
مائة في
المائة، ولا أعتقد أن من يأكل الهامبورجر
كثيرًا ويسمع الديسكو طويلاً قادر على
أنيستخدم البطيخة كعلم فلسطين، والأغنية
كنظرية ثورية، والحجر كسلاح.
اقرأ أيضا: الانتصار
اللبناني يبدد أساطير الصهيونية بعد
الانتفاضة.. براك يستعد للحكم ببرنامج
الليكود العمليات
الاستشهادية ليست انتحارا النبيضة
والحمار أهم أسلحة الانتفاضة قليل
من العنف يجسد الدولة الفلسطينية مقاطعة
فلسطينية شاملة للسلع الإسرائيلية
|
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||