بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

انتفاضة رجب تحرق جثة التسوية

عمان- ماجد أبودياك


في غمرة المفاوضات التي كانت أخبارها تملأ الآفاق عبر المساعي الأميركية الحثيثة لفك العقدة الأخيرة المتبقية من مفاوضات كامب ديفد –2، وهي مسألة القدس، وتحديدًا السيادة على البلدة القديمة فيها بما فيها الحرم القدسي، جاءت زيارة آرييل شارون إلى المسجد الأقصى لتفجر الغضب الفلسطيني الكامن ولتستنفر جميع أبناء الشعب الفلسطيني في انتفاضة جماهيرية حاشدة وعنيفة،  ستكون لها آثارها وبصماتها المستقبلية على القضية الفلسطينية خصوصًا، وعلى الصراع العربي الإسرائيلي عمومًا، لا سيما وأن ردود الفعل العربية والإسلامية التي رافقتها كانت غير مسبوقة في حجمها وانتشارها منذ حوالي 23 عامًا بعد زيارة السادات للقدس المحتلة عام 1977.

الظروف والأسباب والدوافع

قد تبدو انتفاضة الأقصى التي تفجرت يوم الخميس الموافق 28/9/2000 مفاجئة وغير متوقعة، سواء من ناحية أجواء مسيرة التسوية التي انطلقت في ظلها أو من ناحية سرعة اندلاعها واتساع رقعتها. ولكن التأمل في حقيقة النتائج التي توصلت إليها قمة الكامب الثانية والتي لم تنجح في إيجاد حل مقبول لقضية القدس للطرفين الإسرائيلي والعربي، يكشف أن هذه القمة بقدر ما نجحت في التوصل إلى تفاهمات حساسة وخطيرة حول مواضيع اللاجئين والمستوطنات والسيادة والحدود وفقاً لوثيقة بيلين – أبو مازن، فإنهافشلت فشلاً ذريعًا في انتزاع تنازلات أخرى من الطرف الفلسطيني الذي أبدى تمسكًا بموضوع السيادة على الحرم القدسي، متمترسًا هذه المرة بموقف مصري – سعودي رافض لتقديم تنازلات أبعد من هذا الحد وتحمل الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على هذا الصعيد . وفي ظل الموقف الإسرائيلي المتشدد أصلاً في هذا الموضوع والمتسلح باختلال موازين القوى لصالحه وتمتعه بدعم أمريكي لا محدود من هذه الإدارة ومن الإدارة القادمة على الأرجح، بسبب تزايد النفوذ اليهودي في الإدارات الأمريكية، فقد اتجهت الأمور باتجاه التصعيد السياسي بين السلطة الفلسطينية وحكومة باراك، التي أرادت إحراز نقاط في سباق التشدد الإسرائيلي، مع اقتراب دورة الكنيست التي أقرت بالقراءة الأولى حل الدورة الحالية والتوجه إلى انتخابات مبكرة، بعد أن خسر باراك حليفه الأكبر وهو حزب شاس الديني .

في هذه الظروف المشحونة سياسيًا سمحت حكومة باراك لشارون بالقيام بزيارة للمسجد الأقصى لتأكيد موقفها المتمسك بالسيادة على الحرم القدسي على الرغم من تحذير الأجهزة الأمنية من خطورة الزيارة وتوقيتها، لا سيما وأن قيام شارون بها مصحوبًا بعدد غير قليل من قيادات الليكود وأعضائه قبل يوم واحد فقط من صلاة الجمعة التي يحتشد فيها المصلون المسلمون في المسجد الأقصى بمئات الآلاف، كان ينم عن رغبة مبيتة في تفجير الأوضاع واستفزاز المسلمين !

ولئن لم تتوفر حتى الآن معلومات يقينية عن تنسيق بين العمل والليكود على إنجاح هذه الزيارة وإتمامها،  إلا أن إمداد وزير الأمن الداخلي المُقَّرب من باراك لشارون بثلاثة آلاف جندي لحمايته داخل الحرم، والقسوة البالغة التي تعاملت بها قوات الاحتلال مع المصلين المسلمين،  ومبادرتها بإطلاق النار عليهم في الرأس والصدر في اليوم التالي للزيارة (الجمعة)،  وما تلا ذلك من وحشية في التعامل مع المتظاهرين،  إضافة إلى عدم انتقاد باراك وحكومته للخطوة التي قام بها شارون،   بل وتأكيد العديد من المصادر الإسرائيلية أن باراك يضع شارون في صورة التطورات التي أعقبت زيارته الاستفزازية،   وأخيرًا السعي نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة طوارئ … كل ذلك يدفع إلى الاعتقاد بأن باراك استخدم شارون أو حتى نسَّق معه لتوجيه رسالة واضحة بأن إسرائيل لن تقبل بأية صيغة سيادة فلسطينية أو عربية أو إسلامية على المسجد الأقصى   حتى لو اقتضى ذلك توجيه ضربة لعملية التسوية في سبيل إنقاذ حكومته وإطالة عمرها وتحسين صورته في الشارع الإسرائيلي.

 ويبدو أن شارون مد لباراك حبل النجاة من خلال موافقته على تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حزب العمل، لأنه سيكون مستفيدًا على الصعيد الشخصي بقطع الطريق على نتنياهو، الذي في طريق العودة إلى زعامة الليكود بعد تبرئته من التهم المالية الموجهة له،  كما أن باراك أيضًا سيكون في وضع أفضل بالتحالف مع شارون بدلاً من تقديم موعد انتخابات الكنيست وخوض مواجهة مع خصم قوي كنتنياهو، الذي تؤكد الاستطلاعات أنه سيتفوق بفارق كبير على شارون في الانتخابات التحضيرية التي ستجرى في حزب الليكود في حالة إجراء انتخابات جديدة للكنيست، وأنه ( نتنياهو) سيتفوق أيضاً بفارق بسيط على باراك في الانتخابات القادمة إذا أجريت في الوقت الحالي.

 

ردة الفعل الفلسطيني

إلا أن ما لم يكن في حسابات باراك وشارون هو حجم ردة الفعل الجماهيرية الفلسطينية على هذه الخطوة التي لم تتأثر بالاستخدام الإسرائيلي المفرط للعنف الذي قصد منه إرهاب المتظاهرين، والتأكيد على أن الخاسر من هذه المواجهات هم الفلسطينيون وسلطتهم وليس الدولة العبرية. فقد تواصلت الانتفاضة على الرغم من فداحة الخسائر البشرية في صفوف الفلسطينيين (أكثر من 90 شهيداً و 2000 جريح في أقل من أسبوعين) مقارنة بالطرف الإسرائيلي ( بضعة قتلى من الجيش والمستوطنين في عمليات مقاومة كانت خارج نطاق الانتفاضة، إضافة إلى عشرات الجرحى جراء رشق الحجارة وإطلاق عيارات نارية عشوائية).

 وقد شهدت  الانتفاضة الشعبية خصوصاً في الأيام الأولى منها مشاركة فاعلة وقوية لفلسطينيي 48 وأدت على عكس ما يرغب الإسرائيليون إلى توحد الشعب الفلسطيني في جميع مناطق فلسطين المحتلة؛ مما فاقم من مشكلة يعاني منها أصلا الكيان الصهيوني وتتمثل في عدم القدرة بل وحتى الرغبة في إدماج الفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي على الرغم من حصولهم في مناطق الـ 48 على الجنسية الإسرائيلية، ومشاركة بعض منهم في الكنيست حيث؛ وجد هؤلاء النواب أنفسهم في خضم المواجهة في الحرم القدسي بعد أن أصرت حكومة باراك على تجاهل الأهمية الدينية للمسجد الأقصى لدى المسلمين بمن فيهم فلسطينيي 48.

ومن المعروف أن  الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح - الذي تعرض لمحاولة اغتيال إسرائيلية أثناء الانتفاضة  - تتصدى لمهمة الحفاظ على الهوية الإسلامية للمسجد الأقصى متخذة من هذه القضية غطاءً لرفض الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين برمتها والذي لا يستطيع أي فلسطيني يحمل الجنسية الإسرائيلية المجاهرة به أو إعلانه.

 

توحد فلسطيني ودعم عربي إسلامي غير مسبوق

لقد فاجأت انتفاضة الأقصى دولة الاحتلال الإسرائيلي،   ومن الواضح أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية فشلت في توقع حجم الرد الفلسطيني على المساس بمقدساته على الرغم من أنها توقعت تصعيداً في الموقف وحذرت من زيارة شارون. وجاءت الانتفاضة الشعبية العارمة التي اجتاحت الأراضي الفلسطينية كرد قوي وعنيف على المجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال في المسجد الأقصى يوم الجمعة الموافق 29/9/2000،    واكتسبت الفعاليات النضالية الشعبية زخماً كبيراً وتصاعداً ملموساً بسبب مبالغة جيش الاحتلال في إطلاق النار على المتظاهرين وتعمد إيقاع إصابات مميتة في أوساطهم مما دفع عناصر قوات الشرطة الفلسطينية للرد على الاستفزازات الإسرائيلية بإطلاق النار تجاه جنود الاحتلال وبشكل عشوائي لم يسفر حتى الآن ألا عن إيقاع إصابات قليلة في صفوف الجيش الإسرائيلي الذي ظهر أنه مستعد تماماً هذه المرة لتجنب ردود فعل قوات الشرطة الفلسطينية، كما حصل في انتفاضة 1996 التي أسفرت عن مقتل 18 جندياً إسرائيلياً خلال أيام قلائل!

والملفت للانتباه أن جيش الاحتلال تعمّد لأول مرة ضرب مباني تابعة للسلطة الفلسطينية بصواريخ أطلقت من طائرات هجومية متطورة من نوع ( أباتشي) التي استخدمت أول مرة في حرب الخليج ضد العراق،   كما عمد إلى محاصرة المدن الفلسطينية بالدبابات منفذاً بذلك تهديدات سابقة للسلطة الفلسطينية من قبل قادته العسكريين في المراحل المتأخرة من المفاوضات في رسالة هي الأوضح والأشد منذ اتفاق أوسلو وتتمثل بأن رموز السلطة وقياداتها لن يكونوا بمنأى عن الإجراءات العقابية. وهذا ما دفع السلطة الفلسطينية إلى الإيعاز لتنظيم فتح بالمشاركة بفاعلية في المواجهات، وربما الرد من قبل صقور فتح على مصادر النيران الإسرائيلية، وتصعيد لهجة الخطاب الإعلامي ضد العدو الإسرائيلي، والالتحام بشكل غير مسبوق مع الفعاليات الوطنية والشعبية في التصدي للاحتلال، والتلويح باستخدام كل الخيارات المتاحة لوقف العدوان الإسرائيلي بما في ذلك التحالف مع حماس وفتح المجال أمامها لتنفيذ عمليات عسكرية انتقامية رداً على المجازر الإسرائيلية.

 فقد حضر قيادي من حماس اجتماع للسلطة الفلسطينية دعيت إليه الحركة بعد إعطاء باراك مهلة يومين للسلطة الفلسطينية لوقف الانتفاضة،   حيث خرج القيادي في حماس إسماعيل أبو شنب ليهدد الكيان الصهيوني بعمليات انتقامية على الرغم من إحجام القيادات السياسية لهذه الحركة في السابق عن الحديث عن خطط أو توجهات عسكرية وتركها للجهاز العسكري المسئول عنها. وجاء إطلاق السلطة الفلسطينية سراح بضع وعشرين معتقلاً من نشطاء حماس السياسيين والعسكريين المعتقلين في سجون السلطة ( ليس من ضمنهم قيادات سياسية وعسكرية بارزة موجودين في سجني غزة ونابلس ) ليعطي إشارة جديدة لحكومة باراك أن خيارات السلطة الفلسطينية ستكون موجعة ومؤلمة للاحتلال إن استمر في التنكر للسلطة الفلسطينية والاتفاقات معها.

وقد شاركت في فعاليات الانتفاضة جميع القوى الفلسطينية الفاعلة على اختلاف توجهاتها الفكرية والسياسية.

 ألا أن مشاركة الفصائل المعارضة في فعاليات الانتفاضة جنباً إلى جنب مع الفصائل المؤيدة وعلى رأسها فتح لم يغير من حقيقة استمرار الخلاف حول برنامج التسوية،  بل إن الفصائل المعارضة للتسوية استمرت في المطالبة بالتخلي عن مسيرة المفاوضات مستندة إلى النتائج التي تمخضت عنها هذه المسيرة بعد سنوات من انطلاقها والمتمثلة باستمرار التنكر الإسرائيلي لحقوق الشعب الفلسطيني ورفض السيادة الفلسطينية حتى على الجزء الشرقي من القدس أو حتى البلدة القديمة منها، والاستمرار في ابتزاز السلطة الفلسطينية بالقوة العسكرية وتهديد وجودها وشن حرب سياسية واقتصادية عليها للقبول بالمواقف الإسرائيلية المتشددة من قضايا الحل النهائي. ولا شك أن مواقف هذه الفصائل من عملية التسوية اكتسبت مصداقية كبيرة من خلال الواقع الذي أسفرت عنه هذه العملية، والذي أكد لقطاعات كبيرة من الفلسطينيين أن عملية التسوية لم يعد لها أي جدوى،   وأن المقاومة هي الطريق الوحيدة لانتزاع الحقوق من المحتلين. وهذا الأمر يتوقع أن تكون له نتائج إيجابية لصالح طرح هذه الفصائل وبرنامجها على الصعيدين الفلسطيني والعربي الإسلامي. 

 

على الصعيد العربي والإسلامي

وعلى الصعيد العربي والإسلامي فإن حجم الفعل الشعبي الفلسطيني واتساع رقعته الجغرافية لتشمل كل أنحاء فلسطين فرض تفاعلاً شعبياً عربياً وإسلاميا غير مسبوق أدى إلى إحراج مواقف الدول العربية التي تقيم علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني في ظل تصاعد مطالبات وقف العلاقات وطرد السفراء،  بل أن السقف الشعبي تجرأ هذه المرة للوصول إلى حد التشديد على محاربة الكيان الصهيوني وفتح حدود الدول العربية للمتطوعين المسلمين مما سرع في موعد القمة العربية المرتقبة، وأدى إلى تبني بعض الزعماء العرب لهذه المواقف إعلامياً في محاولة منهم لملاحقة ردود الفعل الشعبية الغاضبة .

وقد فرضت مشاهد الإرهاب والتنكيل والوحشية الإسرائيلية على دول العالم إدانة الطرف الإسرائيلي ومطالبته بوقف مجازره، إلا أن مواقف الولايات المتحدة الأميركية حالت دون صدور إدانات واضحة لإسرائيل في الأمم المتحدة، وإن كانت المجموعة الأوروبية بقيادة فرنسا قد اتخذت موقفاً واضحاً في إدانة السلوك الإسرائيلي لا سيما تبني الرئيس الفرنسي جاك شيراك للمطلب الفلسطيني بتشكيل لجنة تحقيق دولية وإصراره على أن يكون لفرنسا دور في هذه اللجنة، محاولاً بذلك تكرار تجربته في لبنان بعد مجزرة قانا عام 1996 . ولكن باراك رفض بشدة هذا المطلب متسلحاً بالموقف الأميركي الذي حاول تحجيمه إلى لجنة فلسطينية – إسرائيلية تشارك فيها الولايات المتحدة ولا يتعدى دورها تقديم تقارير عن الأحداث التي تسببت في الانتفاضة، والتنسيق الأمني لحل الإشكالات التي ترتبت على ذلك !

وعلى الرغم من هزاله مطلب لجنة التحقيق الدولية في ظل اتضاح حقيقة الموقف الإسرائيلي من عملية التسوية وامتلاك الإسرائيليين لزمام المبادرة العسكرية في مناطق السلطة وغيرها من المناطق الفلسطينية المحتلة،  إلا أنه لم يكن ليحظى بموافقة إسرائيلية لأنه قد يشكل مدخلاً مستقبلياً لدور أوروبي أكثر فعالية في مفاوضات التسوية في مرحلتها النهائية.

 

هل ترجع "السيوف" إلى أغمادها ؟!

حين يقول باراك إنه "لم تأت الساعة التي نضع فيها السيوف في أغمادها" فإنه بذلك يؤكد على استمرارية الصراع، ويشير بوضوح إلى حقيقة الموقف الإسرائيلي من عملية التسوية التي يراد منها فرض الاستسلام والخضوع لواقع التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة في ظل تشتت الدول العربية وانقساماتها. ومن هذه الخلفية جاءت تهديدات باراك المتكررة للسلطة الفلسطينية بوقف الانتفاضة وإعطائها مهلة محددة لذلك؛ بهدف ابتزازها وتخويفها وإجبارها على القبول بالتصور الإسرائيلي لحل مسألة القدس،   وهو ما لا يبدو حتى الآن أن هناك توجهاً لقبوله من السلطة والأطراف العربية المعنية ( مصر- السعودية – سوريا) الأمر الذي يعزز استمرار الانتفاضة في فعالياتها خلال الأيام القادمة بكل ما يعنيه ذلك من تصعيد إسرائيلي يشمل فرض الحصار العسكري على المدن الفلسطينية والتضييق الاقتصادي على الفلسطينيين؛ من خلال وقف استخدام العمالة الفلسطينية واستبدالها بعمالة آسيوية فضلاً عن استخدام القصف الصاروخي على المناطق التي تشهد تحركات شعبية مناهضة للاحتلال.

وعلى الرغم من أن التنسيق الأمني طالبت الفعاليات الشعبية الفلسطينية بوقفه؛ فقد استمر بين السلطة والكيان الصهيوني وأسفر عن اتفاق للتهدئة عملت بموجبه السلطة الفلسطينية على إبعاد المتظاهرين عن قوات الاحتلال،  إلا أن هذا لم يكن كافياً لباراك الذي طالب السلطة بممارسة نفوذها لدى تنظيم فتح بمنعه من الاستمرار في المواجهات محملاً السلطة الفلسطينية مسئوليتها. إلا أن هذا التعاون إضافة إلى استمرار القناعة الإسرائيلية بالدور الذي تقوم به السلطة الفلسطينية في تحمل أعباء إدارة الفلسطينيين في مناطقها تحت السيطرة الأمنية والسياسية الفلسطينية يجعل الحكومة الإسرائيلية غير معنية باقتحام المدن الفلسطينية وإنهاء الاتفاقات بشكل نهائي لأن ذلك أيضاً سيكون له تداعيات خطيرة على الأمن الإسرائيلي،  وإن كان ذلك لم يمنع الحكومة الإسرائيلية من التهديد باتخاذ إجراءات عقابية ضد رموز السلطة مثل منع طائرة عرفات من السفر إلى مصر وسحب بطاقات  v .i.p  من قيادات السلطة بما يعنيه ذلك من اعتقالهم وإهانتهم على الحواجز العسكرية الإسرائيلية  كما تفعل قوات الاحتلال مع بقية أبناء الشعب الفلسطيني !

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة : هل ستتجه السلطة الفلسطينية نحو تغيير إستراتيجيتها تجاه عملية التسوية والالتحام مع شعبها ومواجهة الصلف الإسرائيلي وتحمل النتائج المترتبة على ذلك مهما كانت قاسية،  أم أنها سترضخ في النهاية للضغوط الإسرائيلية وتعمل على إجهاض الانتفاضة كما فعلت مع انتفاضة 1996 ؟!

 

 

القدس .. حزام من نار يحرق كل من يقترب منه

ومن جهة أخرى، فإن الحكومة الإسرائيلية التي بادرت إلى ممارسة سياسة القبضة الفولاذية بعد مرور سبع سنوات على اتفاق أوسلو وبعد أن أسفرت سياسة القبضة الحديدية في النصف الثاني من الثمانينات عن اندلاع الانتفاضة عام 1987، ربما تكون أخطأت الحسابات مرة أخرى . فإذا كانت هذه الحكومة تريد الحصول على تنازلات فلسطينية جديدة من خلال استخدام العنف فإن النتائج التي أسفرت عنها هذه العقلية كانت في الاتجاه الآخر، فهل يمكن تصور قبول السلطة الفلسطينية بتقديم تنازلات في موضوع القدس بعد أن قال العالم الإسلامي كلمته وعبر عن موقفه الواضح الذي لا يقبل التأويل بأن القدس ليست خطاً أحمر فقط ولكنها حزام من نار سيحرق كل من يقترب منه سواءً كانت السلطة الفلسطينية أم الدول العربية ؟!

ومن الناحية الثانية، هل يمكن أن يقبل الشارع الإسرائيلي التخلي عن الجزء الشرقي من المدينة في ظل التهييج غير المسبوق للمشاعر اليهودية تجاه ما يعتبرونه روحاً لدولتهم ومعنى لوجودها واستمراريتها ؟!

ولذلك وبصرف النظر عن استمرار الانتفاضة أو تراجع حدتها وفعالياتها،   فإن أهم وأبرز نتائجها التي ستظل مستمرة وموجودة هي أنها أثبت أن التعايش بين الفلسطينيين والصهاينة هو أمر غير ممكن لأن الضحية لا يقبل أن يتعايش مع جلاده ولأن الجلاد مصمم على استمرار استعباد وذبح الضحية من الوريد إلى الوريد.

ولذلك ليس غريباً أن يصل أحد المعلقين في التلفزيون الإسرائيلي إلى حد القول "إن اتفاق أوسلو مات منذ أيام وأن ما يجري ليس سوى عملية حرق الجثة "  فمشاهد الذبح والقتل الوحشية التي ارتكبها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني ستظل تلقي بظلال قاتمة على عملية التسوية إن قدر لها أن تستمر بالنفس الصناعي الأميركي،   ولنا أن نتصور الحال عندما تضطر الإدارة الأميركية لوقف أنبوب التنفس نظراً لانشغالها بالانتخابات ونتائجها حتى بدايات العام القادم.

أما قضية القدس فستظل الصخرة العنيدة التي تتحطم عندها مشاريع التسوية وستبقى تثير مكامن الصراع وتستحث انفجاره بين لحظة وأخرى.

 

اقرأ أيضا:

- انتفاضة الأقصى..هل تستمر؟

- فلسطين ..قرن من المقاومة

- القدس.. هل تقبل المقايضة؟

-  حسن عصفور :"فشل التسوية سيجسد الدولة الفلسطينية بالقوة

– أحمد ياسين يحدد مستقبل المقاومة بعد كامب ديفيد 2

- حنان عشراوي : "إسرائيل تفكر في السلام بمنطق الاستعداد للحرب"

– قليل من العنف يجسد الدولة الفلسطينية

– مستقبل السيادة على القدس    

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع