|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
الرئاسة
والعسكر بالجزائر.. تعاون وصراع وتعايش لندن –
نور الدين العويديدي
وهذه
المرة الأولى منذ سنوات التي تتعرض فيها
حكومة جزائرية لامتحان صعب في أروقة
البرلمان، فلم كان ذلك؟ وما هي الخلفيات
السياسية التي جعلت أحزاب الائتلاف
الحاكم تغلظ القول لأول مرة لحكومة
جزائرية؟ وما طبيعة العلاقة بين
المؤسسات الدستورية الجزائرية
المختلفة، وخاصة مؤسسة الرئاسة والمؤسسة
العسكرية؟ وهل هي علاقة تعاون أم صراع؟
هذه بعض القضايا التي يتناولها هذا
المقال بالدرس والتحليل. تغيير
الحكومة وعودة جبهة التحرير. بوتفليقة
والجيش.. تعاون أم صراع؟ تعقيدات
العلاقة بين الرئيس والجنرالات. مجالات
الالتقاء والاختلاف بين الرئيس والجيش
تغيير الحكومة وعودة جبهة التحرير لعل
أهم حدث شهدته الجزائر على الصعيد
الحكومي قبل نحو شهر واحد هو سقوط حكومة
أحمد بن بيتور، وقيام حكومة جديدة،
يرأسها القيادي البارز في جبهة التحرير
الوطني علي بن فليس، مدير ديوان الرئيس
عبد العزيز بوتفليقة، ومدير حملته
الانتخابية في عام 1999، وصديقه الحميم،
وموضع سره. وقد
أحدث تعيين ابن فليس على رأس الحكومة،
وحيازة جبهة التحرير الوطني، حزب
بوتفليقة، على عددا كبيرا من المقاعد
الوزارية، من أهمها وزارة الخارجية
ووزارة الإعلام والثقافة، هلعا لدى
أحزاب الائتلاف الحكومي، وبالخصوص لدى
حزب التجمع الوطني الديمقراطي، صاحب
الأغلبية داخل البرلمان الجزائري، فضلا
عن حركة النهضة الإسلامية، وحزب التجمع
من أجل الثقافة والديمقراطية ذي النزوع
البربري. ويخشى
حزب التجمع الوطني الديمقراطي كثيرا من
عودة جبهة التحرير الوطني، التي حكمت
الجزائر نحو ثلاثة عقود، في ظل سيطرة
الحزب الواحد، وتعتبر إلى الآن، بالرغم
من الضعف الذي أصابها، من أهم وأعرق
الأحزاب الجزائرية؛ لما تمتلكه من شرعية
ثورية، فهي الحزب الذي قاد استقلال
البلاد عن المستعمر الفرنسي، ولما تملكه
أيضا من رصيد كبير من المناضلين ورجال
الدولة، مما يجعلها رغم كل الظروف،
الخزان الآمن الذي تلجأ إليه السلطة عند
الشدائد. وتأتي
خشية حزب التجمع الوطني الديمقراطي من
جبهة التحرير لهشاشته الذاتية من ناحية،
ولقوة جبهة التحرير بالقياس إليه من
الناحية الثانية. فهو حزب تشكل عام 1997،
ولم تقم له قائمة إلا بالدعم الكبير الذي
لقيه من الحكومة الجزائرية في عهد الرئيس
الجزائري السابق الأمين زروال. ومعلوم أن
هذا الحزب الذي تشكل قبل انتخابات عام 1997
البرلمانية بأشهر قليلة قد حصد أغلبية
مقاعدها، بعد التزوير المكشوف الذي قامت
به السلطة لصالح حزب الرئيس -التجمع
الوطني الديمقراطي- إلى الحد الذي جعل
عددا من السياسيين الجزائريين يسخرون من
هذا الحزب بوصفه "أول مولود سياسي يولد
بالغا وله شنب"، ويحصل على الأغلبية
البرلمانية في انتخابات جرت قبل عقده
مؤتمره التأسيسي! وما
قرأه قادة هذا الحزب في عودة جبهة
التحرير الوطني، أن السلطة بصدد تخليها
عنه؛ الأمر الذي سيعني لو حصل، أن
أنصاره، الذين جاء أكثرهم إليه طمعا في
الجاه والسلطان، سيتركونه من أجل الذهاب
إلى حزب السلطة الجديد. وهذا بكل تأكيد
سوف يعيد هذا الحزب إلى حجمه الطبيعي،
وسيجعل منه حزبا صغيرا سياسيا، بالرغم من
امتلاكه حتى الآن أغلبية برلمانية. وهذا
ما يفسر الحملة القوية التي شنها قادة
الحزب على جبهة التحرير الوطني،
وتحميلها مسؤولية المأساة التي تعرفها
الجزائر، تصريحا وتلميحا. أما
بالنسبة لحركة النهضة، التي أيدت
قيادتها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في
حملته الانتخابية، إلى الحد الذي جعل
قيادة الحركة الحالية تنقلب على رئيسها
السابق الشيخ عبد الله جاب الله، الذي
قرر الترشح في منافسة بوتفليقة، من أجل
تأييد مرشح المؤسسة العسكرية، فهي كانت
تشعر منذ البداية، أن الرئيس بوتفليقة لم
يعطها ما تستحق من مناصب وزارية، وأنه
استضعفها لقلة حجم نوابها في البرلمان.
كما تشعر أنها قد جرى تهميشها؛ إذ لم
يشركها بوتفليقة في مشاورات تعيين
الحكومة، الأمر الذي دفع بقيادتها إلى
التهديد بالانسحاب من الائتلاف الحاكم. وأما
بالنسبة لحزب التجمع من أجل الثقافة
والديمقراطية، فإن اعتراضه على حكومة
علي ابن فليس، إنما هو اعتراض بالأساس
على تعيين عبد العزيز بلخادم وزيرا
للخارجية في هذه الحكومة، وهو الرجل
المعروف بانتمائه الإسلامي، ودعوته
الصريحة والواضحة للمصالحة الوطنية
الشاملة، والمعروف بترؤسه لجنة مقاومة
التطبيع مع العدو الصهيوني؛ الأمر الذي
يجعله نقيضا إيديولوجيا لحزب التجمع من
أجل الثقافة والديمقراطية، منادي
التطبيع الأول، وداعية الفرانكفونية
الأبرز في الجزائر. ولكن
في المحصلة، وبالرغم من الضجة الكبيرة
التي افتعلتها هذه الأحزاب، عادت في آخر
الأمر لتجيز برنامج حكومة ابن فليس بما
يشبه الإجماع. ولكن المشكلة أن ما ظهر من
تململ أثناء مناقشة هذا البرنامج، ينبئ
بالصعوبات التي تنتظر الحكومة في قادم
الأيام. فمن
المعتاد في الجزائر أن يلقى الرئيس
بوتفليقة وحكومته تعويقا من قبل قادة
أحزاب المعارضة، وأن يجد تأييدا مضمونا
لدى الأحزاب المشكلة للائتلاف الحاكم،
ولكن ما هو حاصل اليوم أن المعارضة قد
صارت تأتي أيضا من داخل الائتلاف الحاكم؛
الأمر الذي جعل الرئيس بوتفليقة يوجّه
خطابا حادا لأحزاب الائتلاف يدعوها فيه
إلى وضع قدميها الاثنين معا في الحكم أو
في المعارضة، مثلما أعلن ألا فضل لأحد
عليه مهما كان، في إشارة إلى بعض أحزاب
الائتلاف التي تمن على الرئيس بوتفليقة
بتأييدها له في الانتخابات الرئاسية
العام الماضي. ويرى
بعض المحللين أن ما بدأ بوتفليقة يلقاه
من معارضة متنامية من أوساط الائتلاف
الحاكم، ليست بعيدة عن تأثيرات المؤسسة
العسكرية، التي تعتبر أحزاب الائتلاف
صنيعة من صنائعها، توظفها في معاركها
المختلفة، ومنها معاركها مع مؤسسة
الرئاسة، فما هي طبيعة العلاقة بين مؤسسة
الجيش والرئيس عبد العزيز بوتفليقة؟
بوتفليقة والجيش.. تعاون أم صراع؟ من
الصعب الجزم بجواب واضح عن طبيعة العلاقة
بين الرئيس الجزائري عبد العزيز
بوتفليقة والمؤسسة العسكرية، هل هي
علاقة تعاون أم علاقة صراع؟ أم هي علاقة
تعاون وصراع في الوقت نفسه؟ كما يصعب
أيضا الجزم بجواب واضح ومحدد عن النهاية
التي يمكن أن تنتهي إليها هذه العلاقة في
المدى القريب والبعيد. المتابع
لتصريحات بوتفليقة العلنية في خطبه
وحواراته الصحفية، وهي كثيرة، لا يمكنه
الخروج برأي قاطع فيما يخص علاقته بقادة
المؤسسة العسكرية، إلا أن الجمع بين
التصريحات العلنية، وما يتسرب من كواليس
السياسة الجزائرية، وهو قليل في
المقابل، يمكّن من إعطاء صورة تقريبية
لطبيعة العلاقة بين أهم مؤسستين في
البلاد: مؤسسة الرئاسة والمؤسسة
العسكرية. فعلى
صعيد التصريحات، ظل الرئيس عبد العزيز
بوتفليقة على الدوام يطلق تصريحات
متناقضة فيما يخص علاقته بالمؤسسة
العسكرية. ففي الوقت الذي كان يبدي فيه
باستمرار احترامه للجيش ولدوره في
مقاومة الإرهاب وحفظ الجمهورية من
الزوال، وإشادته بالتضحيات الجسام التي
تكبدها الجيش في العشرية الماضية، فقد
دأب الرجل أيضا على مهاجمة الفساد الذي
يرعاه الجيش. وتحدث في مرات كثيرة عن 17
جنرالا يحتكرون التجارة الخارجية
للبلاد، واصفا إياهم بالقطط السمينة،
ومحذرا الخائفين منهم بالقول إنهم قد
يبدون نمورا مخيفة، لكن الذي يقترب منهم
يدرك أنهم مجرد قطط منتفخة لا غير. كما
أن بوتفليقة قد اعتبر الانقلاب الذي قاده
الجيش على الرئيس الشاذلي بن جديد عام 1992
حين قرر التعايش مع الجبهة الإسلامية
للإنقاذ في الحكم، بعد سيطرتها على أغلب
مقاعد الدور الأول من الانتخابات
البرلمانية التي جرت في شهر ديسمبر عام
1991، نوعا من العنف، وقال إنه يبرر العنف
الذي شنه المسلحون الإسلاميون، وهو
الأمر الذي أغضب قادة المؤسسة العسكرية
بشكل كبير. ووصل
الأمر ببوتفليقة إلى الإعراب عن
استعداده للموت من أجل وقف تدخل المؤسسة
العسكرية في عمله، وكان آخر ما قاله في
منتصف شهر سبتمبر الماضي، بمناسبة
افتتاحه للعام الدراسي الجديد: "أنا لا
أخشى أحدا في أي موقع كان، وسأمضي في
تنفيذ ما يمليه عليّ ضميري، لأنه لن
يموت الإنسان أكثر من مرة، ولن يتأخر
أجله أو يتقدم دقيقة واحدة". ومما
يتسرب من كواليس السياسة الجزائرية وهو
قليل، أن قادة المؤسسة العسكرية غاضبون
جدا من الرئيس بوتفليقة، لمساواته بينهم
وبين المسلحين الإسلاميين، فضلا عن
هجومه عليهم باستمرار، كلما تعلق الأمر
بالرشوة والفساد وشبكات المافيا
المالية؛ الأمر الذي يرسخ الانطباع
السائد بقوة في الجزائر بأن المؤسسة
العسكرية هي وراء كل مظاهر الفساد. وكان
بوتفليقة قد اعتبر الفساد وعمل المافيات
المالية والسياسية خطرا على البلاد يفوق
خطر الإرهاب مرات مضاعفة. وكان العام
الماضي قد صرح بأنه أصبح يدرك أن
الإرهابيين الحقيقيين ليسوا هم أولئك
المسلحين الخارجين عن سيطرة الدولة،
وإنما الإرهابيون الحقيقيون هم أناس
آخرون، ينخرون جسد الدولة مثل الطاعون. وآخر
ما صرح به الرجل يوم 8 سبتمبر الماضي في
هذا الصدد، أثناء تعليقه على حرق مركب
صناعي ضخم في الجزائر، هو مركب "المؤسسة
الوطنية للأجهزة الكهرومنزلية"،
والذي يعرف في الجزائر اختصار باسم مركب
"أونيام"، قوله: "إن من يقف وراء
حرق هذا المركب إنما هو مافيا الاستيراد،
التي لا تنتعش ولا تكبر ثرواتها، إلا
بانحسار الإنتاج الوطني، فيزدهر
التوريد، الذي تعود فوائده الكبيرة
لجيوبهم"، في إشارة واضحة لقادة
المؤسسة العسكرية. هذا
من ناحية موقف بوتفليقة من المؤسسة
العسكرية، أما من ناحية موقف قادة
المؤسسة العسكرية من الرئيس فيرجع
العارفون بتضاريس الساحة الجزائرية،
هجمات العديد من الصحف الجزائرية على
الرئيس بوتفليقة، وبالخصوص الصحف
الفرانكفونية، وعلى رأسها جريدة "الوطن"
المقربة من الجنرال محمد العماري، إلى
تحريض جنرالات المؤسسة العسكرية لتلك
الصحف على الرئيس. كما يرون كذلك أن هجمات
العديد من أحزاب الائتلاف الحكومي على
الحكومة وعلى الرئيس بوتفليقة، وخاصة في
الآونة الأخيرة، إنما هي أمور تُدار
بواسطة جهاز تحكم يمسك به ويوجهه عن بعد
جنرالات المؤسسة العسكرية.
تعقيدات العلاقة بين الرئيس والجنرالات بالرغم
من كل ما ورد ذكره، فالصورة التي ترسم
علاقة الرئيس بوتفليقة بقادة المؤسسة
العسكرية على أنها علاقة تنابذ وصراع،
يجب عدم الاطمئنان إليها اطمئنانا
كاملا، فهي تعكس وجها من وجوه الصورة،
وليس الصورة الكاملة؛ إذ لا يمكن تصوير
العلاقة بين الرئيس بوتفليقة والمؤسسة
العسكرية على أنها فقط علاقة صراع وتنابذ
وتربص مستمر، إذ هي على الحقيقة علاقة
بالغة التعقيد، يتعايش فيها الصراع
والتعاون جنبا إلى جنب. فالرئيس
بوتفليقة يدرك قيمة المؤسسة العسكرية،
ودورها البالغ في حكم البلاد. فهو يعرف
جيدا أنها كانت وراء الانقلاب على الرئيس
الأسبق الشاذلي بن جديد، كما يعرف أنها
كانت وراء تصفية رئيس جزائري أسبق هو
الرئيس محمد بوضياف، وكانت أيضا وراء
تسريح رئيسين على الأقل من الخدمة، هما
الرئيس علي كافي، الذي أزيح من منصبه،
وجرى تعيين خلف له من دون استشارته،
والرئيس الأمين زروال الذي اضطرته
خلافاته مع المؤسسة العسكرية لاختصار
عهدته الرئاسية، والعودة للعيش في بيته.
ولذلك فعلى بوتفليقة أن يأخذ كل تلك
الأشياء مأخذ الجد. ولكن
معرفة بوتفليقة بكل تلك الحقائق لم تجعله
رهينة بأيدي المؤسسة العسكرية. فهو كما
يعرف مواطن قوة تلك المؤسسة، يدرك جيدا
أيضا مواطن ضعفها. وبحسه السياسي النابه
يعرف الرجل أن القوة وحدها ليست كل شيء،
وأن للخطاب وللمعلومة قوتها هي أيضا في
مواجهة القوة العارية أو قوة العضلات.
ولذلك فهو يداور ويناور ويتقدم خطوة
ويتراجع أخرى، حتى يتمكن مع الوقت من
ترسيخ موقعه، وإضعاف موقع خصومه. هذا
من ناحية، أما من الناحية الأخرى فإن
مجيء بوتفليقة إلى السلطة لم يتم
باعتباره مرشحا حرا، وإنما تم باعتباره
مرشح المؤسسة العسكرية، ومعلوم ما رافق
انتخابه من تدخل وتأثير على نتائج
الانتخابات، مما جعل منافسيه الستة
ينسحبون من السباق الانتخابي ويتركوه
وحيدا. وهذا بكل تأكيد لا يسمح للرجل أن
يذهب بعيدا في معارضته للمؤسسة
العسكرية، فهي بالرغم من كل شيء تبقى
صاحبة الفضل عليه في الوصول إلى السلطة،
بعد غربة عشرين عاما كاملة عنها. بل
يمكن القول مع البعض: إن المؤسسة
العسكرية قد عمدت إلى التدخل السافر في
الانتخابات، ليس فقط من أجل إنجاح مرشحها
بوتفليقة، وتمرير طريقتها في معالجة
الأزمة التي تعاني منها البلاد عن طريقه،
وإنما أيضا لإيصال الرجل إلى السلطة
ضعيفا، محتاجا إليها، باعتبارها صاحبة
الفضل عليه؛ وذلك حتى لا يمكنه أن يندفع
بعيدا عنها، وعن تأثيرها عليه. أما
بالنسبة للمؤسسة العسكرية فهي الأخرى
تدرك جيدا تعقيدات الساحة السياسية
وتعقيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية
للبلاد. وهي تعلم جيدا أنه ليس من الهين
تصفية رئيس كل مرة، فما قد يحدث مرة ليس
من الهين تكراره كل مرة. وهي أيضا بعد
تهديدات بوتفليقة بالعودة إلى بيته،
وإعلانه استعداده للشهادة لن يكون يسيرا
عليها التخلص منه وضمان بقائها في السلطة
من بعده. ولذلك
فالطرفان محكوم عليهما بالتعايش في ظل
الصراع بينهما، أو محكوم عليهما بالصراع
في ظل التعايش، على قاعدة ارتسمت ملامحها
تدريجيا مع الأيام، يباح بمقتضاها
للرئيس أن يقول ما شاء وأن يصرح كما شاء
وبما شاء، وأن تفعل المؤسسة العسكرية على
أرض الواقع ما تشاء! ولعل الجميع يذكرون
في هذا الصدد أن الرئيس بوتفليقة قد أعلن
على مرأى ومسمع الجميع قبل نحو عام، عزل
مدير الجمارك الجزائرية، وهو الخبر الذي
تناقلته وكالات الأنباء الدولية، وبثه
التلفزيون الجزائري الرسمي نفسه، ولكن
بعد عام لا يزال مدير الجمارك المسنود من
قبل جنرالات المؤسسة العسكرية في موقعه
لم يتزحزح منه قيد أنملة. وهذا تعبير من
تعبيرات العلاقة المعقدة بين الرئيس
والمؤسسة العسكرية.
مجالات الالتقاء والاختلاف بين الرئيس
والجيش يلتقي
بوتفليقة والمؤسسة العسكرية في أن كلاً
منهما قد خدم الآخر خدمات جليلة.
ويختلفان في أن لكل واحد منهما أهدافه
البعيدة، التي قد تتناقض مع أهداف الطرف
الآخر. فمعلوم أن الرئيس بوتفليقة قد
خدمته المؤسسة العسكرية حين جاءت به إلى
الحكم. كما هو معلوم أيضا أن بوتفليقة قد
خدم بتفان الإستراتيجية العامة، التي
رسمتها المؤسسة العسكرية في مواجهة
العمل المسلح. فاتفاق
الهدنة بين الجيش الإسلامي للإنقاذ،
الذي رفضه الرئيس السابق الأمين زروال
حتى آخر يوم في حكمه، باعتباره اتفاقا
عُقد من وراء ظهره، جعله الرئيس عبد
العزيز بوتفليقة أساس مشروعه في الحكم.
فما قام به بوتفليقة في هذا الصدد أن أضفى
الطابع القانوني والسياسي على اتفاق
الهدنة بين المؤسسة العسكرية والجيش
الإسلامي للإنقاذ، وسماه "قانون
الوئام المدني"، ووظف كل براعته
الخطابية في الترويج له وإقناع الشعب
الجزائري والمسلحين به كخيار لمعالجة
الأزمة، وهذا أقصى ما تطمح له المؤسسة
العسكرية في هذا الموضوع بالذات. وقد نتج
عن ذلك تخفيف كبير للأزمة الأمنية
الجزائرية في المدن الرئيسية على الأقل. كما
لعب الرئيس بوتفليقة دورا بالغا في إزالة
الصورة السيئة للنظام الجزائري وللمؤسسة
العسكرية فيما يتعلق بموضوع احترام حقوق
الإنسان؛ إذ لعبت زيارات بوتفليقة
وجولاته الخارجية دورا حاسما في ذلك.
وتمكن الرجل من رفع العزلة التي ظلت
البلاد تعاني منها طيلة سنوات. وأما في
الداخل فإن القدرة الخطابية للرئيس
بوتفليقة قد أعادت بعض الاعتبار للنظام
في الداخل لدى الشعب الجزائري. وكل تلك
الإنجازات التي حققها بوتفليقة لم
يحققها لنفسه فقط، وإنما كان للمؤسسة
العسكرية نصيب وافر منها. فتخفيف التحدي
الأمني يصب في جيبها، ويخفف الأعباء عنها.
وتمرير المعالجة الأمنية للأزمة
الجزائرية، التي نص عليها قانون الوئام
المدني، يصب أيضا في صالح المؤسسة
العسكرية وصالح رؤيتها للأزمة وكيفية
التعامل معها، وهذا ليس بالقليل بالنسبة
لتلك المؤسسة، التي حرصت على فرض رأيها
في هذا الشأن على الرئيس زروال، مما
اضطره للاستقالة، فجاء بوتفليقة طائعا
ليعمل معها جنبا إلى جنب ويحقق لها
مبتغاها. ويلتقي
بوتفليقة مع المؤسسة العسكرية فيما
يتعلق بالسياسة الخارجية، وبالخصوص
الانفتاح على الغرب وعلى الدولة العبرية.
ولكن الطرفين يختلفان في ذلك أيضا، ففي
الوقت الذي يتعامل فيه بوتفليقة مع هذا
الأمر بكثير من البراجماتية، فتارة
يُقْدِم على السير في هذا الطريق وتارة
يحجم عنه، بما يحقق مصالح النظام الذي
يقوده، يبدو أن خيار المؤسسة العسكرية
أقرب إلى الحرص في كل الحالات على تدعيم
العلاقات مع تلك الكيانات، لمواجهة
الخطر الأهم بالنسبة إليها، وهو خطر
التيار الإسلامي في الداخل. ومن
أهم نقاط الاختلاف بين بوتفليقة
والمؤسسة العسكرية هو ما يتعلق بكيفية
التعامل مع الحكومة، ومع أحزاب الائتلاف
الحكومي. ففي الوقت الذي يرى بوتفليقة أن
أحزاب الائتلاف غير جديرة بالموقع الذي
تحجزه، ويعتبرها وجها من وجوه الأزمة
التي لا بد من تجاوزها، ويحرص على إدارة
الأمور بيده مباشرة من دون الحاجة لخدمات
تلك الأحزاب، التي لا يرى أن رجالها رجال
دولة حقيقيون، تحرص المؤسسة العسكرية
على الائتلاف الحكومي حرصا بالغا. فهي
تعتبره أحد أهم إنجازاتها خلال العشرية
الأخيرة، إذ تمكنت من خلال تلك الأحزاب
من إيجاد مشهد ديمقراطي يسمح لها من جهة
باستبعاد غول الجبهة الإسلامية للإنقاذ،
كما يسمح لها من الجهة الأخرى بالسيطرة
على الأمور من وراء ستار، ويتيح لها
إدارة اللعبة السياسية بما يضمن دوام
هيمنتها على الساحة السياسية. وموضوع
الموقف من أحزاب الائتلاف يفتح الباب على
الصراع بين الرئيس والمؤسسة العسكرية
على موضوع إدارة الدولة. فبوتفليقة يريد
إدارة الدولة بالطريقة التي يراها هو،
وهي طريقة لا مكان فيها لأحزاب الائتلاف.
أما الجيش فلا مجال لديه للتفريط فيما
يعتبره إنجازات هامة لا يمكن التفريط
فيها.. وهنا تتعقد الأمور. فتشكيل الحكومة
وموقع أحزاب الائتلاف فيها ودورها ونصيب
كل حزب منها من الكعكة، أحدث رجات كبيرة
في العلاقة بين الرئيس وقادة الجيش. ومعلوم
أن حكومة أحمد بن بيتور قد استغرق
تكوينها ثمانية أشهر، بسبب الخلاف في
وجهتي النظر بين بوتفليقة وقادة المؤسسة
العسكرية، وبالخصوص على مناصب وزارة
الدفاع والداخلية والخارجية والعدل.
وبعد ثمانية أشهر من تشكيل الحكومة كان
الخلاف بين الطرفين قد أدى إلى إقالتها
ومجيء حكومة علي بن فليس خلفا لها، ولا
يعرف كم ستستمر هذه الحكومة في السلطة. كما
يختلف بوتفليقة والمؤسسة العسكرية في
التعامل مع الوضع الاقتصادي والاجتماعي
وموضوع الفساد. ويرى بوتفليقة أن المؤسسة
العسكرية قد أصبحت في هذا الميدان وجها
من وجوه الأزمة، بل سببا أساسيا من
أسبابها. وهجوماته المستمرة على أقطاب
هذه المؤسسة وربطهم بشبكات الفساد
والخروج على القانون تعبير عن ذلك. لكن
المشكلة أنه قد تشكلت آليات تدمير فعالة
للاقتصاد الوطني الجزائري صارت المؤسسة
العسكرية طرفا بارزا فيها، إلى الحد الذي
جعل كلمة عسكري في الجزائر ترتبط بمعاني
القوة والثروة الطائلة والهيمنة على
المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي،
حسب تعبير تقرير صادر عن حركة الضباط
الأحرار الجزائرية المعارضة من الخارج
للنظام. وليس بوسع بوتفليقة في هذا الصدد
القيام بشيء سوى التصريحات التي لا تسمن
ولا تغني من جوع. باختصار
العلاقة بين الطرفين بالغة التعقيد، وهي
قد تشكلت حتى الآن على هيئة مشهد متعدد
الوجوه ومتداخل الأشكال، يتجاور فيه
الصراع مع التعاون، ولكن إلى حين تغيُّر
موازين القوى وتغلب كفة أحد الطرفين على
الآخر، فيخضعه له أو يتخلص جملة من نفوذه.
لكن الخشية كبيرة أن تربك هذه العلاقة
المعقدة أوضاع البلاد، وأن تزيد من
أزمتها المستفحلة، في وقت البلاد فيه في
أمس الحاجة إلى توحيد جهة القرار
السياسي، حتى تتمكن من القيام بجهود
خارقة عساها من الأزمة التي تتخبط في
أوحالها منذ نحو عشر سنوات.
اقرأ
أيضا: بعد
عام على بوتفليقة.. الأزمة السياسية.. هل
إلى خروج من سبيل الجزائر:
حصاد العنف 6040 عملية ومائة ألف قتيل
وتخريب 12 ألف مؤسسة الجزائر:
الفرانكوفونيون يتهمون بوتفليقة
بالتحالف مع الأصوليين عودة
العلاقات الدبلوماسية بين إيران
والجزائر الجزائر:
نفي اندماج حزبين إسلاميين الجزائر:
الحكومة تفاوض قيادات الإنقاذ المهاجرة
للعودة
|
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||