بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

عنف باكستان.. جذور متشابكة داخليا وخارجيا

رأفت يحيى


مسلسل العنف الدامي الإثني والطائفي والسياسي، الذي يجتاح باكستان من الأطراف إلى المركز، يبدو أنه صار جزءاً من إيقاع الحياة اليومية للمواطن الباكستاني، إلا أن مشاهد العنف العبثي تبلغ ذروتها عندما يتحول مسرح الأحداث الجوال من الأقاليم- حيث الفقر بمعناه الأوسع هو السمة السائدة- إلى قلب العاصمة الباكستانية التي تضم- فضلا عن مؤسسات الدولة الحيوية والبعثات الدبلوماسية- أثرياء باكستان من كبار الإقطاعيين ورجال الأعمال، ولا يزاحمهم أحد آخر من فقراء الشعب هذه المدينة الصغيرة الجميلة التي تعد تجسيدا بليغا لحالة الطبقية الشديدة التي تعتري باكستان. ومن ثم فإن وقع الجريمة في هذه العاصمة لا بد وأن يقرع الآذان ويجذب العيون إليها، ولا سيما إذا كانت من ذلك الوزن الثقيل كتلك التي وقعت بأحد الأسواق على حافة العاصمة قبل أيام وراح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى. وهنا نتساءل: هل ما يحدث له صلة بالبيئة الداخلية السياسية والاقتصادية والطائفية والإثنية الباكستانية وما يكتنفها من صراعات؟ أم أن الداخل بريء والجاني تسلل عبر الحدود الجنوبية الشرقية المتاخمة للهند؛ العدو التقليدي لباكستان، أو عبر الحدود الشمالية المفتوحة على مصراعيها مع أفغانستان، مع الأخذ في الاعتبار ذلك الفضاء الإقليمي دائم التوتر في جنوب آسيا بفعل الصراع حول كشمير والسباق النووي والأزمة الأفغانية؟ أم أن الداخل والخارج يشتركان معًا في صنع هذه الظاهرة المأساوية التي تعرقل كل تقدم تطمح إليه باكستان؟

البيئة الداخلية الباكستانية

أ- انقسامات قومية وسط بيئة أمية فقيرة:

أربع قوميات أساسية- خلافا للمهاجرين- موزعة على الأقاليم الأربعة الباكستانية تصوغ النسيج الديموجرافي لهذا البلد، وقد استمد كل إقليم اسمه من القومية التي تعيش على أرضه؛ فإقليم البنجاب أكبر الأقاليم الباكستانية تسكنه أغلبية بنجابية،  والشيء نفسه بالنسبة لأقاليم السند وبلوشستان ويشتونستان. ورغم مضي أكثر من خمسين عاما على تأسيس دولة باكستان فإن البلاد لم تعرف انصهارا بمعناه الحقيقي لقومياتها الأربع في بوتقة الدولة الجديدة بعد، ويدعم هذه الإشكالية الخطيرة زعماء هذه القوميات الذين يوظفون الانتماءات القومية، وينفخون فيها في كل مناسبة سياسية. ويبدو هذا جليا في العمليات الانتخابية، وفي كل مناسبة تصطدم فيها هذه الزعامة أو تلك مع السلطة، وتتحول إلى أبناء قوميتها لتحرضها على الوقوف خلفها بدعوى الحفاظ على حقوق هذه القوميات.

يغذي هذا التوجه حقيقتان: أولاهما طبيعة المجتمع الباكستاني الإقطاعي وما يعنيه ذلك من طبقية متجذرة تكشف عن نفسها بقوة في صورة فقر يضرب أطنابة في رقعة واسعة وثراء فاحش ومنحسر في قلة قليلة، إذ إن ما يقارب الثلاثين أسرة فقط (منها عائلتا بنظير بوتو ونواز شريف) تسيطر على غالبية الأراضي الزراعية في طول البلاد وعرضها، والشيء نفسه بالنسبة للجانب الصناعي والتجاري بصورة تنحسر معها أو تكاد الطبقة المتوسطة.

الحقيقة الثانية تتمثل في اتساع قاعدة الأمية التي تقترب من 75% من السكان، بما يعنيه ذلك من دلالات سياسية واجتماعية خطيرة، فهذا الواقع السيئ المتمثل في أمية مطعمة بالفقر الشديد، يحرص كبار إقطاعيي البلاد على تكريسه حفاظا على امتيازاتهم التي انفردوا بها في ظل هذا المناخ، فهم وأبناؤهم في الأغلب الأعم، هم السياسيون والمتعلمون ورجال الأعمال. وكان من المفترض والحالة هذه أن يحدث تحول اجتماعي ملموس في ظل ثورة الإعلام الراهنة، بما تتضمنه من سماوات مفتوحة تتدفق عبرها قيم وأعراف جديدة تحدث حراكا اجتماعيا في أنحاء شتى من العالم، غير أن هذا التدفق الإعلامي على سطوته الجبارة وتسلله إلى كل منزل بلا حسيب لم يحدث مفعولة القوي بعد على الأقل في المدى المنظور في باكستان- وأقصد هنا تحديدا المجتمع الإقطاعي- ومن ثم بقي من السهل على الزعامات القومية ترويج خطابها التحريضي عبر مفاهيم عشائرية وقبلية  تؤسس لإشكالية العنف..

ب- مهاجرون مسلمون من الهند:

بدأت تظهر في الأفق الباكستاني في مرحلة لاحقة لقيام الدولة عام 47تحديات جديدة لا تقل خطورة عن التقسيمات القومية التقليدية، تمثلت في موجات الهجرة المتتالية للمسلمين الذين قدموا من الهند على أثر الاضطهادات الواسعة التي تعرضوا لها على يد المتطرفين الهندوس، وما نجم عن ذلك من قتل أكثر من مليون مسلم في ذلك الوقت. وقد استوطن هؤلاء المهاجرون الذين بلغ عددهم عدة ملايين إقليم السند الباكستاني المتاخم للأراضي الهندية، وكان تمركزهم بالأساس في مدينة كراتشي عاصمة باكستان التجارية والصناعية. ولم يكن اختيارهم للمدينة عفويا، وإنما بحكم أن غالبية هؤلاء المهاجرين كانوا من المتعلمين وأرباب الحرف التجارية والصناعية. ورغم أن علاقة هؤلاء المهاجرين بغيرهم من سكان إقليم السند كانت علاقة تعاون وانسجام بحكم آصرة الدين في الأساس، فإن الطابع الإثني والقومي الذي توظفه النخب السياسة الباكستانية كرافد أساسي في بناء قواعدها الجماهيرية أخذ يتشكل بسرعة في صياغة علاقة جديدة بين المهاجرين وأهل السند، ومن ثم تتحول ضواحي كراتشي من ساحات مفعمة بالنشاط التجاري والصناعي بحكم علاقات التآخي والتعاون البناء بين القوميتين إلى ساحات مواجهة راح ضحيتها الآلاف من الباكستانيين، ولا تزال رقعة النزيف تتمدد وتتسع وسط فشل حكومي ذريع في احتواء هذه الأزمة؛ لأن أغلب الحكومات الباكستانية المتعاقبة قدمت للسلطة على مطية الحسابات العرقية والقومية.

ج- تشنج طائفي ورؤى دينية شديدة التباين:

ربما كانت باكستان الاستثناء الوحيد في العالم الإسلامي، والتي تموج بحشد كبير من القوى الدينية شديدة التباين في تعاطيها مع الدين كعقيدة ومنهج حياة. فهناك التيار الإسلامي الحركي ممثلا في الجماعة الإسلامية التي أسسها أبو الأعلى المودوي، وربما تكون الاستثناء الوحيد في باكستان الذي يضم كوادر علمية رفيعة المستوى وقدرة كبيرة في التنظيم والبناء وتتميز أفكارها بالاعتدال.

  ويأتي بعد ذلك التيار الإسلامي التقليدي، وهو مزيج من الدين والخرافات في بعض الأحيان- مصدرها الأمية الشديدة- ويدخل في هذا الإطار جمعية علماء باكستان، وهي منقسمة بدورها إلى ثلاث فصائل قابلة للتكاثر بفعل الانقسامات داخل هذا التيار، ثم جمعية علماء الإسلام المنقسمة هي الأخرى إلى فصيلين قابلين للزيادة وإن كانت هذه الجمعية أقرب إلى التيار الوهابى في الجزيرة العربية، وترتبط به في كثير من المفاهيم. ويقترب من هذا التيار الأخير جمعية أهل الحديث، وهي الأخرى ليست بمعزل عن حالة الانقسام فقد تولد عنها جمعية أخرى تحت قيادة جديدة.

غير أن أخطر القوى الدينية على الإطلاق في باكستان، التي أسهمت بصورة أو بأخرى في تشويه صورة الإسلام، والتي هي محور حديثنا حول العنف الطائفي وجذوره، هي تلك القوى التي تتخذ من السلاح وسيلة للحوار، مستبيحة ذبح المسلمين في المساجد وفي الأشهر الحرم غالبا بدعوى أنهم كفار خارجون من الملة لخلافات مذهبية بين فريق وآخر، وهي صورة قد لا يوجد مثيل لها خارج باكستان. ولعل جماعتي جيش الصحابة (السنية) وجيش محمد (الشيعية) نموذجان ممثلان للحالة الدموية التي تحكم العلاقة بين المتشددين من أهل السنة والشيعة. ومعروف أن إيران ودولا خليجية ساهمت في بروز هذه القوى في حقبة الثمانينيات مواكبة لحالة المواجهة المفتوحة بين الجانبين، وقد لوحظ في الآونة الأخيرة تراجع نسبي في عمليات العنف الطائفي، ربما انسجاما مع حالة الوفاق التي تميز العلاقات الإيرانية ببعض دول الخليج ، وأيضا بفعل الجهود التي تبذلها بعض القوى الدينية المعتدلة في باكستان.

وما دمنا بصدد الحديث عن القوى الدينية في باكستان فإنه من الجدير الإشارة إلى الفرق الدينية كالقاديانية والبهائية والإسماعيلية وغيرها، وهي جماعات لها حضور قوي، وإن كان مستترا في بعض مؤسسات الدولة المختلفة، وخاصة المؤسسات التعليمية والإعلامية وتلعب دورا تآمريا في إذكاء لهيب الخلافات بين المسلمين من السنة والشيعة.

د- ضعف الجهاز الأمني:

يعتري جهاز الأمن الباكستاني ثغرات خطيرة تجعله غير قادر على التعاطي مع التحديات الأمنية التي تواجهه ومن هذه الثغرات:

1- أنه جهاز مسيس، بمعنى أن كل حكومة تتولى السلطة في باكستان تضع سياسات أمنية تتواءم ومصالحها السياسية في الأساس، ومن ثم نجد رجال الشرطة الذين طاردوا بنظير وأنصارها بالأمس يلاحقون نواز شريف اليوم، سواء كانت هناك مسوغات أمنية تقتضي ذلك أم لا. وتصرف قوات الأمن جزءا كبيرا من وقتها وإمكاناتها في هذا الاتجاه على حساب تحديات أمنية أخرى كبيرة.

2- يفتقر جهاز الأمن الباكستاني إلى التقنية الحديثة في ملاحقة المجرمين الذين يمارسون نشاطهم بقدر كبير من الجراءة والتحدي بفعل هذا الواقع، ومن ثم يلجأ كثير من الهيئات والشركات المحلية والأجنبية إلى الاستعانة بشركات الأمن الخاصة في تأمين أفرادها وممتلكاتها من دون الاعتماد على قوات الأمن الرسمية.

3- حرية تنقل وامتلاك الأسلحة وتصنيعها على نطاق واسع دون سيطرة تذكر من الدولة في المناطق الشمالية الغربية المتاخمة لأفغانستان، التي تعرف بمناطق القبائل، وهذا فضلا عما هو معروف عن هذه المناطق كمصدر عالمي لزراعة المخدرات، وبالتالي تصبح هذه المناطق أرضا خصبة لأعمال الجريمة. وقد لوحظ في التحقيقات التي أجرتها السلطات الأمنية بشأن حادثة سوق الفاكهة بالعاصمة إسلام آباد مؤخرا أن الشاحنة التي كانت تحمل المواد المتفجرة قدمت من هذه المناطق.

فضاء إقليمي بالغ التوتر

أ- كشمير مصدر كل الأزمات.

دخلت باكستان منذ مولدها عام 1947 في صراع عنيف مع الهند بفعل سيطرة الأخيرة على إقليم كشمير المسلم الذي كان من المقرر وفق مخطط تقسيم شبة القارة الهندية أن يصبح جزءا من باكستان، ومن ثم اشتعلت ثلاث حروب فتاكة بين الدولتين دفعت باكستان في إحداها نصف أراضيها المعروفة اليوم ببنجلادش، والتي كانت ضمن الأراضي الباكستانية حتى عام 1971. وقد أخذ الصراع بين الدولتين منحنى تصاعديا سريعا، وعبر عن نفسه بصور مختلفة أبرزها السباق النووي بين الدولتين فضلا عن التسلل عبر حدود الدولتين من خلال عملاء كل طرف لتنفيذ علميات تخريبية. ويشجع ذلك ضعف الجبهة الداخلية في كلتا الدولتين. ولفترة طويلة نجحت الهند في بناء علاقات مع عناصر من القومية البشتونية التي روج الكثير من زعمائها للانفصال عن باكستان باعتبارهم جزءا من أفغانستان، وتنفيذ العديد من العمليات التخريبية في باكستان، كما استثمرت الهند الخلافات الإثنية بين كل من حركة المهاجرين والقومية السندية بكراتشي في تجنيد وتمويل عناصر إرهابية في إقليمي السند والبنجاب المتاخمين للحدود الهندية. وقد ثبت باعتراف الكثيرين ممن تورطوا في عمليات إرهابية وقوف الهند من ورائهم. والملاحظ في أغلب هذه العمليات أنها تأتي مواكبة لتصاعد أعمال المقاومة الكشميرية ضد قوات الاحتلال الهندية، وتهدأ عندما يحدث تقارب بين دلهي وإسلام آباد.

ب- أفغانستان العدو الصديق:

مع اندلاع الحرب الأفغانية استضافت باكستان أكثر من 3 ملايين مهاجر أفغاني كما كانت بمثابة الراعي والموجه للقادة الأفغان، أو ما كان يعرف إبان حقبة الاحتلال السوفيتي بزعماء المجاهدين. وقد ظلت هذه العلاقة قائمة إلى ما بعد الانسحاب السوفيتي من البلاد. غير أن تغير معادلات القوى الداخلية الأفغانية أملى على باكستان أن تقيم علاقة تحالف وتعاون غير معلن مع القوى التي يمثلها البشتون -أكبر القوميات الأفغانية- في مواجهة القوميات الأخرى. وبحكم أن البشتون (الذين تمثلهم طالبان ومن قبل حكمتيار) يعيش أغلبية منهم في المناطق الشمالية الغربية الباكستانية المتاخمة لأفغانستان. وقد نتج عن ذلك أن فتحت القوى الأفغانية الأخرى وخاصة الطاجيك الذين يتزعمهم أحمد شاه مسعود خطوط اتصال مع الهند بدعوى أن باكستان تدعم طالبان، مما أسهم ذلك في خلق جبهة جديدة معادية لباكستان. وقد رحبت الهند بذلك، خاصة وأن طالبان متهمة من قبل الهند بدعم الثوار الكشميريين. وبما أن هناك حدودا مفتوحة على مصراعيها مع أفغانستان تزيد عن الألف كيلو متر ولا تحكمها أية نظم أو ضوابط، وبما أن هناك أكثر من مليون مهاجر أفغاني لا يزالون يقيمون داخل الأراضي الباكستانية في ظروف سيئة، وبين هؤلاء طاجيك وقوميات أخرى متضررة من سيطرة طالبان على السلطة؛ لهذا كله فمن السهل تجنيد عناصر من الأفغان اليائسين في عمليات إرهابية مثلما حدث واختطفت عناصر تابعة لأحمد شاه مسعود قبل فترة حافلة خاصة بأطفال المدارس من داخل باكستان، في محاولة للفت أنظار العالم إلى ما يسميه مسعود تدخلا باكستانيا في الشئون الأفغانية. هذا بخلاف حوادث أخري عديدة تورط فيها الأفغان، سواء

 

اقرأ أيضًا:

العلاقات الهندية- الإسرائيلية.. محور لمحاربة العالم الإسلامي

مجموعة شنغهاي.. تحالف مصلحي أم صراع حضاري- أيديولوجي؟

إضرابات باكستان.. مظاهر أزمة اجتماعية شاملة

عقوبات الأمم المتحدة.. هل تغير طالبان؟

صناعة المذابح في كشمير

بنك باكستاني لدعم الفقراء

لاجئو أفغانستان يدفعون الضرائب لباكستان

 العنف ضد النساء يتصاعد في باكستان

 وفاة 2000 طفل باكستاني يوميًّا بسبب الأمراض

 مسعود: باكستان تساعد طالبان ضدنا  

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع