بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

شرم الشيخ ..القمة المرفوضة

بون - نبيل شبيب


للسياسة دروب تبدو للوهلة الأولى، أو يُراد أن تبدو لنا، وكأنها مستعصية على فهم الفرد، أيّ فرد من عامّة العرب والمسلمين، وما هي بذلك، والمثال الصارخ الراهن بين أيدينا هو قمة شرم الشيخ، فالواقع أنّنا لا نحتاج إلى خبير متخصص، أو سياسي متمرّس، أو إعلامي قدير؛ ليقول لنا: لماذا تقرّرت وكيف، وما أهدافها والدافع إلى توقيت موعدها قبل عقد القمة العربية الشاملة؟!‍!

تابع فى نفس المقال:

- تضليل لا يجدي

- وعي جماهيري ناضج

- غايات مكشوفة ومرفوضة

- محاولة " إجهاض " مستحيلة

- محاور خطر القمة

- أخطر الاحتمالات

 

تضليل لا يجدي

 ونبدأ بنقاط أصبحت معروفة، وتصلح منطلقًا لتثبيت موقع هذه القمّة على خارطة الأحداث، واستشراف مفعولها المحتمل، ومن هذه النقاط: 

1- تحت الضغط الشعبي تقرّر " تقديم " موعد القمة العربية الشاملة، من بضعة شهور إلى شهر تقريبًا، ابتداء من يوم توجيه الدعوة. ونذكر بالمقابل الدعوة إلى "قمة شرم الشيخ الدولية لمكافحة الإرهاب  التي جمعت عددًا أكبر من زعماء العالم، وكان ما بين الدعوة إليها وانعقادها بضعة أيام فحسب، فلا يقولنّ مسؤول لنا -نحن العوام-: إنّ السبب هو الحاجة إلى الإعداد للقمة.. فهذا كما يقال بين أمثالنا من العوام "ضحك على الذقون"، أو هو بلغة المثقفين والسياسيين المحنّكين تضليل مكشوف.

2- فترة الشهر المذكورة تعني على أرض الواقع ومهما كانت المقاصد، إعطاء العدوّ الإسرائيلي مهلة من الزمن، كافية في ظل موازين القوى المعروفة ليصنع ما يريد، ولنذكر هنا أنّه يمارس أسلوب "فرض الأمر الواقع ميدانيًّا على الأرض" وهذا ما يعلمه الذين حدّدوا موعد القمّة العربية، ولا نحتاج هنا إلى تحليل سياسي، ولا نحسب الأمر معقّدًا على ذوي البصيرة السياسية وصانعي القرار. فكيف تقرّر الموعد بأسلوب يمكّن العدوّ الإسرائيلي زمنيًّا وفعليًّا من ممارسة سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض ميدانيًّا؟

3- وهذا "الأمر الواقع" الذي صنعه، شهدناه وشهده معنا أطفالنا، ومن حصيلته حتى اللحظة –والأرقام في ازدياد- أكثر من مائة شهيد وثلاثة آلاف جريح، والثلث تقريبًا من هؤلاء وهـؤلاء من الأطفال، بدءاً بشهيدة دون العامين من العمر، ومن حصيلته أيضًا سدّ منافذ "الحياة" حول المدن والقرى الفلسطينية، أي الدواء والعلاج والغذاء والعمل، فضلا عن ضرب مواقع السلطة الفلسطينية، وسدّ منافذ  "الحركة" على العدد الأعظم من أفرادها، ومن حصيلته أيضًا تعميق الهوّة الفاصلة بين الشعوب وأصحاب السلطة وصانعي القرار في غالبية البلدان العربية، وليست هذه هي المرّة الأولى التي تعمد فيها القوّة العدوانية اليهودية إلى ممارسة عملية عسكرية وحشية بأسلوب استعراضي، أي يستعرض ما يُسمّى "عجز" حكام الدول العربية عن "الدفاع"عن الأهل والديار والمقدسات، أو يستعرض "شبهة التبعية الأجنبية" عليهم أو على فريق بعضهم، أو يستعرض افتقاد "الإرادة السياسية" عندهم للنهوض بأعباء هذه المسؤولية الأولى على أي حاكم، هذا مع أنهم لا يُظهرون العجز وينهضون بأعباء أخرى، مثل مكافحة الإرهاب.. ويبدو أنّه بات غائبًا عن أذهان المسؤولين أكثر من "العامّة" أنّ هذه الوقيعة بين الحكام والشعوب مطلوبة، أمريكيًّا وإسرائيليًّا.

4- ثم إنّ هذا الواقع الذي أعطى قرار تأخير عقد القمة العربية العدوّ الإسرائيلي فرصة لصنعه بالسلاح، هو نفسه الذي أصبح ذريعة في تبرير القبول بعد تردّد مبدئي معلن، بعقد قمّة شرم الشيخ، وهي قمة إسرائيلية أمريكية محضة من حيث الأهداف، وحتى أسلوب الإخراج بعد أن تساقطت الشروط سريعًا، ثم تهلهل "جدول الأعمال" نفسه!

 قمة شرم الشيخ واضحة المنطلق والمضمون والاتجاه .. لكل ذي عينين، والتضليل لم يعد يجدي، أو لم يعد يحقّق أغراضه، وقد يسبب نقيض المطلوب منه، وهذا في مقدّمة ما تعنيه الانتفاضة، التي حملت عنوان انتفاضة الأقصى كرمز يذكّر وينذر. كذلك فالتضليل:

-   عبر التمويه على النتائج

-   وربّما عبر أسلوب إخراج النتائج على "المسرح" السياسي بأسلوب مسرحي.

-   أو عبر اصطناع خلاف حيث لا يوجد خلاف، لتمييع ما يتمّ الاتفاق عليه ولفت الأنظار عنه.

جميع ذلك بات -لكثرة الممارسات القديمة المشابهة- من أساليب التضليل غير المجدية أيضًا.

 

وعي جماهيري ناضج

 إن قمة شرم الشيخ، بأهدافها، وأسلوب عقدها، ومضمون نتائجها، حدث مكشوف، وأبعاده معروفة، وما يمكن أن ينبني عليه واضح للعيان، وأصبح يعبّر عن ذلك الصغير والكبير، كما تشهد الاستشهادات اليومية عبر المحطات التليفزيونية الثائرة بدورها.. أو الثائر بعضها فقط، فعلاوة على الفضائيات المخصصة ابتداء للغناء والأفلام والترفيه، بقي كثير من الفضائيات العامة مشغولا –للأسف- بضروب الترفيه المختلفة، ربما بنسبة أعلى ممّا يصنع في الظروف الاعتيادية، فلا يحتلّ الحدث الأول فلسطينيًّا وعربيًّا وإسلاميًّا وعالميًّا،  سوى جزء محدود لديه، من النشرات الإخبارية الروتينية ونسبة متدنية من برامجه السياسية.. ثمّ يتّهم بعضهم أهل بلادنا بعدم نضوج "الوعي السياسي" عبر وسائل "التوعية" تلك نفسها!

 الحدث موضع معرفة دقيقة تؤكّد مستوى الوعي الحقيقي، والذي يعبّر عنه أحيانًا فريق من المثقفين ومن العوام، فلا يقتصر على الغضب إزاء عقد قمّة مشبوهة فقط، إنّما تجاه من يبرّرها بأساليب التضليل العتيقة أيضًا.. بل وصف بعض الفنانين من المشاركين في "اعتصام نقابة الفنانين" بمصر هذا الأسلوب بأنه "نوع من الاستحمار".

 وليست هذه القمّة المشبوهة المرفوضة من المسائل التي تحتاج في تفسيرها إلى "فلسفة سياسية"، وما عاد وعي الفرد العربي عمومًا في حاجة إلى من "يعلّمه .. ويرشده .." ليدرك ما يدور على أرضه، وكيف يجري التصرف بقضاياه الكبيرة والصغيرة، بل تكاد القوى "القيادية" السياسية المتمرّسة في تجاوز الشارع العربي منذ عشرات السنين، تلهث في الوقت الحاضر وراء الشارع العربي، الذي يرى المخاطر المتفاقمة، ببصيرته وبأم عينيه وبوعي كبير، فيحذّر منها بمختلف التعابير المتاحة به، وكثير منها كان محظورًا –وما يزال- حتى وصل حال بلادنا إلى ما هو عليه، كما يستخدم الفرد العربي الواعي في إعلان مطالبة صياغة تلفت النظر، تشهد على ذلك الوعي الناضج، فكم من مُطالِبٍ بالحرب التي يعتبرها بعض "المتفلسفين سياسيًّا" مجرّد مطالب "حماسية وعاطفية"، فكان يحدّد مطلبه بوضوح يعطي أولئك "المتفلسفين" دروسًا في المنهجية والموضوعية، فيشير فيما يشير بعبارات محدودة إلى:

-   المرحلية في الإعداد - وتنوّع أسباب القوة -ومفعول الردع في منع وقوع الحرب

-   وأهمية الخيار العسكري للضغط في الميدان السياسي لمواجهة الضغوط.

وقد يصبّ أيضًا جام غضبه على من لا يريدون أن يروا أننّا نتعامل مع أقوام، أو نواجه أقوامًا، لم يتخلّوا عن الخيار العسكري قط، ولا توقفوا عن ممارسة الحروب قطّ، بدءًا بأدعياء السلام من الزعماء الأمريكيين، وكانت دولتهم بزعامتهم وزعامة أسلافهم، شريكًا مباشرًا أو غير مباشر في أكثر من مائة وخمسين حربًا وصدامًا عسكريًّا، منذ الحرب العالمية الثانية، في مختلف أنحاء العالم، دون أن تتعرّض قط إلى عدوان مباشر يبرّر "الدفاع عن النفس" .. وفي المؤخّرة أدعياء السلام الإسرائيليون، لا سيّما فريق "الحمائم" في حزب عمالهم، فالحكومات التي تزعّمها هؤلاء "الحمائم" تفوّقت بما لا يقارن على حكومات "صقور الليكود" في خوض الحروب، وارتكاب المذابح توحّشا، وتهويد الأرض اغتصابًا، وتشريد السكان عدوانًا، وتهشيم العظام إجراما، وتدبير الاغتيالات غدرًا، وهي التي بدأت بمشاريع الأسلحة النووية والجرثومية والكيمياوية، وهي التي قامت بجّل الحفريات تحت المسجد الأقصى، وهي التي أعطت غالب التراخيص ذات الصلة بتهويد القدس بالذات وتوسيع رقعتها الجغرافية أضعافًا مضاعفة عمّا كانت عليه.. والقائمة لا تنتهي.

 نسبة العرب ( والمسلمين عمومًا) بمختلف فئاتهم، من العامة والمثقفين، الواعية بهذا بعمومه أو بتفاصيله أيضًا، نسبة عالية، ولا مبالغة في القول بأنّها أعلى بكثير من نسبة الوعي في كثير من البلدان "الديمقراطية الغربية" حيث لا يعرف كثير من السكان أسماء الأحزاب والحكام، وهذا مقياس قائم بذاته وليس للمقارنة، فمعظم حكامنا نعرفهم منذ نعومة أظفارنا.. ولكن يراد القول هنا، إنّه قد آن الأوان لإسقاط تلك المقولة الشائعة المغرضة مع كل قرار يؤخذ بأسلوب الفرض من "فوق" وغالبًا ما يكون مطلوبًا أو مفروضًا من "الخارج"، فيتردّد أنّ العوام لا يفقهون في السياسة شيئًا، ولئن لم تسقط هذه المقولة بالنسبة إلى "بعض" الأمور المعقدة، فلا مكان لها في قضية مصيرية، ولا في قرار من مستوى السؤال عن مواقع قمّة شرم الشيخ والقمة العربية في مجرى الأحداث الدامية، فقد عمّ الوعي الناضج بهذه القضية جغرافيا ونوعيا، وبات هو الظاهرة اللافتة للنظر، في سائر البلدان، على خطوط المواجهة الأولى.. والثانية.. والثالثة.. فما عادت عُمان ولا موريتانيا بعيدتين عن فلسطين، وعلى مستوى مختلف الفئات، فما عاد أهل "الفن" في متابعة هذه القضية بالذات في وادٍ آخر غير وادي هموم الشعب وأحزانه. 

 

غايات مكشوفة ومرفوضة

 لا نحتاج إذن إلى حنكة السياسيين المحترفين، لا سيما من يتحدّث منهم بأسلوب المتعالي المتعجرف، لنفهم أن قمّة شـرم الشيخ تدخل بمقدّماتها وما يراد منها، مدخلا مرفوضًا من الناحية الموضوعية المحضة، في إطار المرحلة الراهنة من الصراع وطبيعته، ولنتأمّل قليلا في:

1- أنّها من بداية طرح فكرتها أمريكيًّا، جاءت كمحاولة مباشرة من أجل مواجهة "انتفاضة الأقصى" سياسيًّا بالإضافة إلى مواجهتها عسكريًّا، ولحصارها عربيًّا ودوليًّا، بالإضافة إلى الحصار الإسرائيلي للمدن والقرى الفلسطينية.. وهذا ما شاع وصفه بإجهاض الانتفاضة.

2- والجدير بالذكر أن للأقصى أهمية كبرى، ولكن للجوانب الأخرى من القضية أهمية كبيرة أيضًا، فإجهاض انتفاضة الأقصى، لا يعني إجهاض انتفاضة تدافع عن "المقدسات" فحسب، بل تعني إجهاض انتفاضة قامت من أجل تلك الجوانب الأخرى أيضًا، وجميعها ذات  "مكانة قدسية" لا يُستهان بها، ما بين معالم "الأرض .. والشعب .. والحق .. والمستقبل" .. علاوة على الحرم القدسي الشريف والمقدسات الدينية الأخرى. 

3- ومنذ اللحظة الأولى كانت انتفاضة "الأقصى" أبعد مدى بكثير من مجرّد غضبة شعبية طارئة، تجاه استفزاز إسرائيلي جديد في المسجد الأقصى، أقدم عليه شارون باتفاق مسبق مع باراك، ولأنّ الشارع الفلسطيني والشارع العربي والشارع الإسلامي، أدرك من اللحظة الأولى أن الاستفزاز مقصود، فقد تحرّك بجواب على "مستوى" المقاصد اليهودية من وراء الاستفزاز وليس الاستفزاز بحد ذاته، والذي يتردّد تعبير عن ذلك القول إنّه " الشرارة " التي أشعلت الانفجار، أو الشعرة التي قصمت ظهر البعير.

4- يعني ذلك أنّ " انتفاضة الأقصى "ليست محدودة بحماية المقدسات من عدوان إضافي، بل هي لتحرير المقدسات من:

-   عدوان قديم مستمرّ.

-   أسلوب عقيم يحمل عنوان "التحرير" ساد في المرحلة السابقة.

5- إنّ المرفوض عبر هذه الانتفاضة وامتداد شعلتها عربيًّا وإسلاميًّا هو ما ساد صناعة القرار في الساحة الفلسطينية والعربية في التعامل مع قضية فلسطين طوال تلك المرحلة السابقة، أي ما بدأت إرهاصاته بالظهور في اتجاه التسليم باغتصاب "جزء" من فلسطين من قبل السبعينيات الميلادية، وبلغ ذروته بعد حرب الخليج الثانية، ووصل إلى مداه الآن مع ما يُسمّى "المرحلة النهائية" من اتفاقات أوسلو المشؤومة.

والحصيلة هي أنّ الرفض الجماهيري لغايات قمة شرم الشيخ:

-   لا يعني كما يحاول بعض الماضين في درب الشذوذ السياسي إلى نهايته، مجرّد "انزعاج جماهير متحمّسة دون وعي سياسي ناضج" من التنكّر للشهداء وذويهم والجرحى والمعاقين، تحت عناوين الإشفاق عليهم وعلى شعب التضحيات المتواصلة.

-   بل يعني أيضًا رفض المحاولات المبذولة على أعلى المستويات الدولية بمشاركة أعلى المستويات الإقليمية لإجهاض الرفض الواعي لسياسات مرحلة سابقة بمجموعها، وقد كانت من بدايتها حتى اليوم مرحلة تحمل الهوية الصهيونية والأمريكية بوضوح وتحمل هوية عربية جزئية ومزوّرة.

 

محاولة "إجهاض" مستحيلة

 وممّا يثير الإحساس بالتقدير والإجلال لمستوى "الوعي الجماهيري"، إلقاء نظرة متأمّلة في مغزى انطلاق تعبير "إجهاض الانتفاضة"  في مواجهة غايـات قمّة شـرم الشيخ، وانتشار هذا التعبير بالذات على الألسنة، على مختلف المستويات الفكرية والاجتماعية والجغرافية، مع رفض سائر "التعابير الأخرى" المطروحة رسميًّا، فهذا الوعي الجماهيري يفسّر إخفاق نشر تلك التعليلات المضللة للتعمية عن حقيقة ما يُصنع وحقيقة أهدافه، فواجهت جميعها الرفض، رغم " تنوّع " التعبير عن " غاية المؤتمر " على حسب المصدر الذي يطرحها، إذ دار الحديث عن:

- وقف العنف على الألسنة الرسمية الأمريكية

- وإعادة الاستقرار على الألسنة الأوروبية

- والوقاية من تفاقم الأزمة على لسان الأمانة العامة للأمم المتحدة

- ومواجهة نزيف الفلسطينيين والقصف العدواني الإسرائيلي على ألسنة المسؤولين بمصر.

- وخوض المعركة السياسية إلى جانب المعركة الميدانية على لسان المسؤولين من السلطة الفلسطينية.

ولكنّ تعبير " إجهاض الانتفاضة " بقي هو التعبير السائد على المستويات الشعبية وسائر المستويات غير الرسمية في المنطقة العربية، بل وحتى بعض الرسميين أنفسهم كلما واجهتهم وسائل الإعلام بأسئلة مباشرة.

 لقد أحيت هذه الانتفاضة سائر ما صنعته الانتفاضة الأولى التي أرادت مسيرة مدريد وأوسلو إجهاض نتائجها، كما أصبحت –مثلها- معلمًا تاريخيًّا بارزًا يؤكّد عددًا من الأمور الأساسية التي تصلح لتأريخ بداية مرحلة جديدة من مراحل الصراع في المنطقة.

ويتردّد الآن أنّ قمّة شرم الشيخ تريد إجهاض الانتفاضة، ولا يعني هذا إذن مجرّد هدأة المظاهرات ورفع الحصار، بل يعني في الوقت نفسه كسر هذا " المعلم التاريخي "، بأبعاده السياسية وغير السياسية، وبالنتائج المترتبة عليه في مجرى الصراع برمّته وعلى أصعدة أخرى.. وهو ما يتجاوز إلى حدّ بعيد الحديث عن محاولة إنقاذ مجرى " مفاوضات سلام " كان منتظرًا سقوطها من قبل أن تبدأ. 

-   انتفاضة الأقصى بهذا المنظور أكبر شأنًا من الحدث الآني تحت عنوان " عملية السلام ".

-   و" إجهاضها " بالتالي مهمة أكبر شأنا من وسيلة تقليدية كقمة شرم الشيخ.

إن لقاء قمة شرم الشيخ، المرفوضة شعبيًّا، المطلوبة أمريكيًّا وإسرائيليًّا، وفي الدرجة الثانية دوليًّا، يأتي في هذا الإطار كمجرّد نكسة متوقعة على طريق التغيير الذي أخذ مجراه، ولن يتحوّل هذا المجرى، فالسياسة لا تصنع التاريخ، بل تنقاد لمنطقه طائعة أو مكرهة.

 ولا يعني ذلك بطبيعة الحال التسليم بمجرى الأحداث مستقبلا. إنّما يعني أن المشاركة الشعبية، في الشارع العربي وعلى صعيد الفاعليات المختلفة في المجتمع قد بدأت وبقوة كامنة كبيرة، وبمقدار ما يستمر الوعي بالمخاطر المتتالية، وبمجرى الأحداث، وبمقدار مواصلة العمل على التأثير فيها، تزداد نسبة هذه المشـاركة الشعبية في صناعة القرار والحدث.. وآنذاك فقط يمكن دفع المخاطر الخارجية الكبرى. 

 

محاور خطر القمة

 ومن هذه المخاطر ما تنطوي عليه قمة شرم الشيخ في الظروف الراهنة، فمهما كانت نتائجها وأساليب إخراجها، ستبقى الحصيلة تدور حول محاور أساسية منها: 

1- تطويق الانتفاضة.. تحت عناوين مضللة، وهو ما يشبه دفع السلطات باتجاه الانتحار السياسي، وأغرب ما يُذكر من حجج هنا، هو " الضغوط الداخلية على باراك " أي إنقاذه من الموت سياسيًّا بالانتحار الفلسطيني والعربي سياسيًّا، والعمل على تحقيق " التضامن " الإسرائيلي بين الحاكمين والشارع اليهودي، عن طريق توجيه الطعنات المباشرة إلى "التضامن" بين الحاكمين والشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي، وعلى المستوى الرسمي بين الاتجاهات المتعدّدة داخل البلد الواحد وما بين البلدان المعنية!

2- محاولة إعادة الحياة لعملية سلمية أصبحت جثة هامدة.. وهذا مستحيل واقعيا، إلا إذا تحوّل الاستسلام المتستّر بعبارات مضللة كقرارات الشرعية الدولية، إلى استسلام علني مكشوف، ويمكن القول إن مطالبة الطرف الآخر، وهو صهيوني أمريكي في وقت واحد، للطرف المفاوض الفلسطيني والعربي، وهو من الناحية الرسمية المحضة ليس " كل الفلسطينيين والعرب قطعًا " فضلا عن الناحية الشعبية.. فإن رفض بعد أن قبل القمة ذات الغايات الأمريكية والإسرائيلية تعرّض لتحميل مسؤولية الإخفاق، وإن قبل بذلك " الاستسلام " بإحياء عملية سلام " قصف " العدوّ البقية الباقية من أشلائها، تعرّض للدخول في معركة أشدّ خطرًا.. إن لم يكن مع أطراف عربية أخرى، فمع جماهير عربية رافضة، ولعلّ هذا بنتائجه الخطيرة، هو في مقدّمة الغايات الأمريكية والإسرائيلية، وليست العلاقة المعروفة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة حماس وأمثالها، إلاّ " نموذجًا مصغّرًا " عن احتمالات مستقبلية أبعد مدى وأوسع نطاقًا.

3- العمل على إعطاء حقنة أخرى من حقن " التيئيس والإحباط " فالشارع فلسطيني وعربي وإسلامي ثائر على واقع القضية، المرفوض من حيث الأساس، القائم على خرق الشرعية الدولية وسواها من مختلف مصادر مشروعية الحقوق التاريخية والإنسانية. وكان مجرّد عقد قمّة شرم الشيخ بحدّ ذاته " جرعة أولى " من تلك الحقنة المطلوبة، لانعقادها وفق الشروط الإسرائيلية الأمريكية، ولا قيمة هنا للقول: إن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يحضران دون شروط.

-   فالحضور الفلسطيني يأتي تحت القصف، ويبدو أن " القصف الأكبر" كان من جانب الاتصالات الفلسطينية-العربية التي تلت الاتصالات الأمريكية-العربية.

-   أما الحضور الإسرائيلي فيأتي مع الإصرار على مواصلة القصف والحصار.

-   ويقترن ذلك بالحضور الأمريكي الذي يأتي مع الإصرار على تحميل الطرف الفلسطيني مسؤولية الأحداث ومطالبته بوقف العنف.. أي وقف الانتفاضة.

-   والطرف المصري يأتي بدعوى الإشفاق على دماء الشهداء. وهذا بالذات ما يرفض توظيفَه كتبرير لوقف الانتفاضة، أهلُ الانتفاضة أنفسهم، مع ذوي الشهداء والجرحى، ومع الجموع العربية في كل مكان، بما في ذلك الفعاليات المصرية المختلفة، مثل "اعتصام الفنانين " و"اعتصام الإعلاميين " وثورات الطلبة المأسورين في جامعاتهم، على الأرض المصرية نفسها.

4- وربما تتجنّب قمة شرم الشيخ " المخاطرة " بإعلان نتائج رسمية مرفوضة جماهيريا، ولكن من المؤكّد أنها ستعمل على إيجاد "وقائع جديدة " تتصدّر علنًا أو من وراء الكواليس، جدول أعمال القمة العربية الشاملة، وهو ما يفسر الاتصالات العربية " الجزئية " التي سبقت قمة شرم الشيخ بين دول عربية مختارة، في مقدمتها السعودية وسورية والأردن، وهي مع مصر الدول صاحبة القرار العربي واقعيًّا، فالمطلوب وضع المشاركين الآخرين في القمة العربية الشاملة أمام أمر واقع.. فإما الموافقة، أو الانشقاق، أو بيان جديد فارغ المضمون مائع العبارات، وفي سائر هذه الأحوال الثلاثة، يبقى الطرف الكاسب سياسيًّا هو الطرف الأمريكي والإسرائيلي المشترك، مقابل من دخل إلى قمّة "خاسرة" سلفا!

 إنّ الموافقة المصرية والفلسطينية على أي نتائج في إطار الغاية المقصودة من قمة شرم الشيخ، تعني في حصيلتها فيما تعنيه محاولة إيجاد مبررات، مرفوضة قوميًّا وإسلاميًّا؛ للامتناع عن الاستجابة لضغوط الشارع العربي، وذلك باتجاهين واضحين كل الوضوح:

1-             التلاقي العربي الشامل خارج نطاق الهيمنة الأمريكية.

2-             والعودة بقضية فلسطين إلى موقعها التاريخي والقانوني الدولي

وقضية فلسطين تبقى.. مهما جرى تقليبها وتحوير أساليب طرحها ما بين عهود قومية واشتراكية، أو بين ظروف الأمركة أو العولمة الدولية القديمة والحديثة.. تبقى ثابتة المعالم من حيث جوهرها، فهي:

-   قضية أرض احتلت على مراحل منذ عام 1948م

-   لا تتحقق العدالة ولا الشرعية فيها، إلا بالتحرير الكامل

-   ولا يعني التحرير بالضرورة إعلانًا فوريًّا عن حرب شاملة

-   ولكن لا يمكن تحقيق تحرير كامل.. ولا " تحرير جزئي ومقيّد"  عن طريق نصب العراقيل بعد العراقيل في وجه خيار عسكري مستقبلي.

-   كذلك يستحيل تحقيق سلام وأمن مهما كانت أشكاله وضماناته، مع طرف لا يتخلّى عن خياره العسكري ولا وجوده العدواني ولا مطامعه التوسعية.

 

أخطر الاحتمالات

 وانطلاقًا من هذه المعطيات يمكن تثبيت نتيجة هي من تحصيل الحاصل:

- لأن المواجهة التي يمكن تصنعها قمة شرم الشيخ مع إرادة جماهيرية واعية متحرّكة.. معركة خاسرة سلفا.

- لأنّ هذا الجوهر الثابت للقضية غير قابل للتغيير بمناورات سياسية صغيرة أو كبيرة.

- لن يكون لقمة شرم الشيخ مكانًا مؤثرا في مجرى تاريخ القضية الحديث أكثر من " نكسة " تعرقل سرعة تحقيق النتائج المرجوّة، والمشروعة، عبر تطوّر جديد صنعته التضحيات الفلسطينية وانفجار الاحتقان الشعبي في البلدان العربية وفي كثير من البلدان الإسلامية.

 

إن الفارق الضخم أوضح من أن يحتاج إلى بيان، ما بين إجراء سياسي مضطرب الأركان، وحدث تاريخي يصنع الأحداث.

 انتفاضة الأقصى هي لحظة تاريخية ونقطة تحوّل حاسمة، ما بين مرحلتين، قد يطول أمد المخاض بها كما سبق وطال في ولادة مراحل سابقة معاكسة، كانت تهوي بالقضية على المنحدر، حضيضًا بعد حضيض، نحو التسليم المطلق أو شبه المطلق بالمشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، ولكن لا شكّ أن الانتفاضة ستسفر رغم العقبات والنكسات، عن مزيد من الضغوط الشعبية والفكرية الكفيلة بتأمين الخروج من قاع المنحدر، وقد يستغرق التحوّل الجديد  جيلا كاملا، وقد لا يتطلب وقتا طويلا، فالتحرّك المرافق لانتفاضة الأقصى، لم يقتصر على جيل دون جيل، ولا على فئة دون فئة، ولا على بلد دون بلد، ولا يُستهان بحقيقة أنّ هذه الانتفاضة –العربية الإسلامية لا الفلسطينية فقط-  قد شملت فيمن شملت مساجد وكنائس، ورجالات من الجانبين الإسلامي والمسيحي، ومن التيارين العلماني والإسلامي، ومن مختلف المستويات والاتجاهات الدينية والقومية والقطرية، كما شملت فيمن شملت نقابات المهنيين، والفنانيين، والأطباء، والصيادلة، والإعلاميين، ناهيك عن الطلبة في الجامعات، وناهيك عن أطفال وُلدوا في محاضن " عملية السلام "، ونشئوا مع حركات " التطبيع النشاز "، وحُرموا في كثير من المواقع بعد تعديل مناهج مدارسهم ولغة إعلام بلادهم، من معرفة ما تعنيه كلمة التحرير  أو الجهاد .. أو " العدو الصهيوني ".. أو "الاغتصاب الاستيطاني"  وغير ذلك من مفردات أصيلة في قاموس القضية المصيرية العادلة.

 لا يستهان بما يعنيه تحرّك مَن تحرّك من الرجال والنساء، بالملايين، ما بين المملكة المغربية والعراق، وسورية وعُمان، في اتجاه واحد، بمطلب واحد، قضى في أيام معدودات، على سائر ما نسجه العدوان في أعوام طوال، من أوهام وأحلام خرافية.

 أمّا الخطر الحقيقي والأكبر في المرحلة المقبلة فيكمن في احتمال أن يستهين الزعماء السياسيون بهذا التحوّل الشعبي والتاريخي الجارف.. فقد يجرف من يستهين به، ولن تؤدّي الاستهانة بحدّ ذاتها ولا " إجراءات مضادّة " تنطلق منها، إلى وقف مجرى التحوّل، ولكن يمكن أن تؤدّي -وهذا ما يجب أن يحذر منه الزعماء.. وليس من مواجهة قوّة عدوانية خارجية- إلى فتح ساحات معارك جانبية، تستنزف سياسات العرب وقدراتهم وطاقاتهم، بأضعاف ما يمكن أن تستنزفه مواجهة حقيقية مع العدوّ ومن وراءه.. وهذا يضاف إلى عشرات الأسباب الأخرى التي تُسقط حجّة مزعومة يتكرّر ذكرها باستمرار، وهي ضرورة تجنّب الحروب والصراعات من أجل معركة البناء، ومن المستحيل أن تصل معركة البناء إلى أهداف كريمة، ما دامت الهيمنة مستمرة للقوى اليهودية والأمريكية. 

 ولا تبالي تلك القوى المعادية باحتمال المواجهات بين الشارع العربي وحكوماته، ولا بزيادة غربة الحكومات داخل حدود بلدانها، فهذا في مقدّمة ما يخدم أغراض العدوّ، بل هو يعمل مباشرة من أجل ذلك، كما في قمة شرم الشيخ، ويعمل كذلك من أجل أن يتفاقم الخطر إلى انفجار هنا وآخر هناك.. أو يأمل في ذلك على الأقل.

 جميع ذلك لا يستدعي الاستغراب؛ فالعدوّ عدوّ، وأخلاقيات اليهود أو الأمريكيين أظهر من أن تتطلب طرح الأمثلة والاستشهادات، ولكنّ السؤال الحائر على الشفاه وفي الصدور هو: ما الذي يجعل الحكومات أو بعضها على استعداد للمخاطرة بالمواجهة الانتحارية داخل حدودها، وتجنّب دروب المخاطرة المزعومة في مواجهة فورية أو مستقبلية لعدوّ خارجي، مواجهةً يمكن أن تعتمد فيها اعتمادًا راسخًا وواسعًا على سائر التيارات والفعاليات جماهيريًّا، وعلى تلاحم حقيقي، مرجو ومطلوب بإلحاح، بين الحكومات والشعوب، وكذلك بين الحكومات عبر الحدود؟.

 

اقرأ أيضا:

الانتصار اللبناني يبدد أساطير الصهيونية

انتفاضة رجب تحرق جثة التسوية

بعد الانتفاضة.. براك يستعد للحكم ببرنامج الليكود

التربية والجهاد

العمليات الاستشهادية ليست انتحارا

النبيضة والحمار أهم أسلحة الانتفاضة

قليل من العنف يجسد الدولة الفلسطينية

مقاطعة فلسطينية شاملة للسلع الإسرائيلية

رسالة مفتوحة إلى القمة العربية

إجهاض بالإجماع

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع