English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

الدول القطرية العربية
قوى الهيمنة الغربية رسمت الحدود

أ.د أحمد صدقي الدجاني

منذ أن قامت الدولة القطرية العربية في القرن العشرين، وبرز معها مفهوما السيادة والجنسية، تجلَّت لها مجموعة سمات تستحق أن نتعرف عليها، ونحن ننظر في توزع هذه الدول بين التعاون والنزاع.


سمات الدولة القطرية العربية

أول هذه السمات: محاولة توفير الشرعية للدولة: وذلك من خلال إعلان الدولة القطرية تبنِّيها لأهداف الأمة، والتأكيد على إبراز نضال حكامها لتحقيق الاستقلال وتحريرها من نير الاستعمار، وتبنَّي مشروع الأمة الحضاري الذي يتضمن - فضلاً عن التحرير والتوحيد - سيادة الشورى، والديموقراطية، وحقوق الإنسان، وتحقيق العدل الاجتماعي، والتنمية، والتجدد الحضاري، وقد تطورت شرعية النضال منذ المستعمر إلى شرعية الثورة، حين نجح عسكريون ومعهم حزبيون ومدنيون أحيانًا في تغيير نظام الحكم القائم في الدولة بحجة وجود فساد فيه، كما اقترنت شرعية النضال بمحاولة إسباغ الشرعية الدينية للحاكم من خلال انتسابه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو تبنِّيْه حركة دينية، أو إعلانه التمسك بالقيم الدينية والحرص عليها والدعوة إليها.

     ثاني هذه السمات: الالتزام بالوطنية القطرية: وما تولَّد عنها من نوازع للمحافظة على الكيان السياسي القائم، وقد أطلق ساطع الحصري مصطلح "الإقليمية" على هذه النوازع في كتابه الذي يحمل هذا العنوان، بعد وقوع الانفصال بين سوريا ومصر عام 1961م، وفك عرى الوحدة التي قامت بينهما طيلة ثلاث سنوات وسبعة شهور، وكان في كتابه "دفاع عن العروبة" الذي صدر عام 1954م، قد تحدث عن هذه النوازع قائلاً: "عندما تحررنا من نير الاستعمار، أخذنا نقدس الحدود التي أقامها المستعمرون في بلادنا بعد أن قطّعوا أوصالها، ونسينا أن تلك الحدود، إنما كانت الحبس الانفرادي والإقامة الجبرية التي كانوا فرضوها علينا، والحق أن هذه النوازع القطرية تمكنّت من العاملين في أجهزة الدولة، فضلاً عن الفئة الحاكمة، وأكسبتها الحدود السياسية انتماءً قطريًا، وتضافرت مناهج التعليم والإعلام لتجعل هذا الانتماء القطري معززًّا بالمشاعر الوطنية التي تمجد البلاد، وتصل بالفرد إلى أن يضحي بنفسه من أجلها، وتجلت هذه المشاعر الوطنية بتكريم العمل الذي يرمز للدولة وبترديد الأناشيد التي تتغنى بها، وقد قامت النوازع القطرية لدى الفئة الحاكمة والموظفين في أجهزة الدولة بدور خاص في تأكيد قطرية الدولة، وقويت هذه النوازع مع ما تمتع به هؤلاء من أوضاع مادية ومكانة معنوية تجلت في بدلات وألقاب وتمثيل رسمي، أما عامة الناس فقد أنشدوا إلى العَلَم، ويتداعى إلى خاطري، وأنا أستحضر صورًا لهذا الإنشاد، أن واحدا من أساتذة الجامعة السورية المرموقين الوطنيين وقف عند الاحتفال بتحقيق الوحدة المصرية السورية في شباط (فبراير) 1958م، وألقى قصيدة من نظمه، وكان شاعرًا، ودع فيها العلم السوري بأبيات مؤثرة سردت انتصاراته، ثم رحب بعلم الجمهورية العربية المتحدة الذي ارتفع بدلا عنه، ويومها تأمل الشاب الذي كنته في هذه الظاهرة، وما أسرع ما رفع الانفصاليون في سوريا العلم القديم. ثم جاء يوم على مصر في السبعينات استبدلت فيه قيادتها اسم جمهورية مصر العربية باسم الجمهورية العربية المتحدة.

     ثالث هذه السمات: النزوع إلى التعاون مع الدول القطرية العربية الأخرى مع الالتزام بالوطنية القطرية، وذلك تعبيرًا عن نوع من الانتماء القومي، يتجلى في "وحدة صف"، و"تضامن عربي"، و"عمل عربي مشترك" يقوم بين دول لكل منها سيادته الحريصة عليها.

وهذا النزوع نابع من حنين "الجزء" إلى "الكل" الذي اقتطعت منه، ومن تطلع إلى الاستقواء بالأخ أو ابن العمِّ لمواجهة خطر خارجي يهدد الأسرة كلها، وقد اقترنت ولادة الدولة القطرية بتعاظم خطر الصهيونية العنصرية على فلسطين والوطن العربي الكبير، وباستمرار خطر تسلط قوى الهيمنة الاستعمارية التي بقيت تسعى بعد اضطرارها لإنهاء استعمارها المباشر إلى بقاء نفوذها في هذه الأقطار.

رابع هذه السمات: تأثير مصالح قوى الهيمنة الاستعمارية الغربية ونفوذها على سياسات الدولة القطرية، وقد كان لهذه المصالح دور خاص في رسم حدود هذه الدول، وفي أسلوب تدريب إدارييها الذين يديرون أجهزتها، وأبرز هذه المصالح قبل اكتشاف النفط الثروات الطبيعية، والموقع الاستراتيجي، والسوق الاستهلاكي، ثم غدا النفط في رأس القائمة، والحق إن "شمّ" الشركات النفطية الغربية "رائحة" النفط في بعض الأقطار العربية منذ مطلع القرن العشرين كان عاملاً حاسمًا في رسم الحدود السياسية للدولة القطرية العربية، واستمر "النفط" عاملاً حاسمًا فيما يطرأ على هذه الحدود من تعديلات، يكفي أن نستحضر مثلاً على ذلك المباحثات التي قام بها كليمنصو رئيس وزراء فرنسا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى مع لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا في لندن، فقد كان جدولها متضمنًا عدة ملفات، وأُعْطِي الملف النفطي الأولوية بينها، ويومها أفصح كليمنصو عن رغبة فرنسا في نفط الموصل، وما أكثر الأمثلة التي تقابلنا ونحن نتعرف على قصة النفط في القرن العشرين ويالها من قصة.

السمات وعلاقات التعاون والنزاع

هذه السمات الأربع للدولة القطرية العربية فعلت فعلها في توزع علاقات الدول العربية بعضها ببعض بين التعاون والنزاع، فعلى صعيد التعاون نجد أن النزوع إليه (السمة الثالثة) مع تأثير مصالح قوية الهيمنة (السمة الرابعة) تفاعلاً في لحظة تاريخية، فأمكن إقامة نظام "إقليمي" عربي عام 1945م حمل اسم "جامعة الدول العربية"، ولو أننا استحضرنا تاريخ تلك الفترة، لرأينا كيف تجلى النزوع إلى التعاون بين بعض الدول القطرية العربية في عدة صور، وبخاصة أمام تزايد الخطر الصهيوني، ومن هذه الصورة اجتماع بلودان عام 1939م الذي ضم قيادات هذه الدولة، ثم رأينا أيضا كيف دعت مصالح قوى الهيمنة الغربية وزير الخارجية البريطاني انطوني ايدن إلى أن يعلن عام 1942م ترحيب بريطانيا بقيام جامعة دول عربية، الأمر الذي شجع سبع دول قطرية عربية على إبرام بروتوكول الإسكندرية عام 1944م، ومن ثم تأسيس الجامعة عام 1945م، واتخاذ القاهرة عاصمة مصر مقرًّا لها.

     حين ننظر في هذا "النظام العربي" الذي جسّدته جامعة الدول العربية نجد أنه اعتمد "ميثاقًا" التزم به الأعضاء، وأنه قام على خمسة أركان فصلنا الحديث عنها في كتابنا "وحدة التنوع"، وهي انتماء الدول الأعضاء إلى أمة واحدة عربية، وتوافقها على الالتزام بميثاق النظام، وتعاونها لمعالجة قضية فلسطين ومواجهة الخطر الصهيوني، وإسناد دور خاص لمصر، وجعلها مقرًّا للأمانة العامة للجامعة وللجنة العسكرية، وقيام كل دولة عضو بدور في إطار الكل يتناسب مع وزنها وثقلها.

شأن كل نظام إقليمي له مؤسساته تضمنت جامعة الدول العربية مؤسسة مجلس الجامعة الذي يضم ممثلين عن الدول الأعضاء، وهو يلتقي دوريًّا وعلى مستوى وزراء الخارجية مرتين سنويًا، كما تضمنت أمانة عامة تشمل عددًا من الإدارات، ولم تلبث أن تضمنت عددًا من المنظمات العربية المتخصصة، وحدث عام 1964 أن انعقدت قمة عربية في إطار الجامعة، وتتالى انعقادها بعد ذلك مرات؛ ولكن بدون انتظام، الأمر الذي لم يجعلها مؤسسة، وإن استمر التطلع بين الأعضاء إلى "مأسستها"، وقد برز دور قوى الهيمنة الغربية في عرقلة انتظام مؤسسة القمة العربية طيلة العقد الماضي، وعلاقة ذلك بمساعيها لفرض تسوية للصراع العربي الصهيوني على هواها، كما برز دور النزاع بين بعض الأقطار، وافتقد هذا النظام الإقليمي وجود تمثيل برلماني عربي فيه؛ يكون معبرًا عن سلطة تشريعية عربية، وكذلك وجود محكمة عدل عربية تعبر عن السلطة القضائية، وتفض النزاعات التي تنشب بالطرق السلمية.

لقد شهد النظام العربي اتخاذ أعضائه خطوات لتعزيز التعاون فيما بينهم، كان إبرام معاهدة الدفاع المشترك في مطلع الخمسينيات واحدة منها، والتعاون هنا دفاعي أمني عسكري، وكان من هذه الخطوات إقامة مجلس الوحدة الاقتصادية للتعاون في المجال الاقتصادي، وحدث تعاون ثقافي لم يلبث أن تطور إلى قيام منظمة التربية والثقافة والعلوم العربية، ومثله حدث تعاون في مجالات أخرى قامت فيها منظمات متخصصة، وقد تفاوت النجاح في هذه المنظمات ولكنه في مجموعه لم يبلغ درجة تلبية طموح أبناء الأمة العربية، ولم يكن التعاون في بعض الحقول منظمًا، وتعرض إلى شد وجذب ومدّ وجزر بفعل هبوب رياح وأعاصير، وفعل النزاع بين الدول فعله في عرقلة التقدم على طريقه، وكذلك سياسات قوى الهيمنة الدولية، وقد أمكن تحقيق حد أدنى من التنسيق والتعاون في مجال النفط بين الدول القطرية العربية المنتجة، وقامت منظمة الدول العربية المصدرة للنفط (أوابك) ولكنها لم تنطلق، وحدث أن اجتمعت كلمة هذه الدول مرة واحدة على كلمة سواء إبان حرب رمضان في تشرين أول (أكتوبر) 1973، فكان لكلمتها أثرها العظيم، ولكن لم تلبث قوى الهيمنة الدولية أن حاصرت هذا التعاون فحصرته.

هذا النزوع إلى التعاون بين الدول القطرية العربية كان أحد العوامل التي أدت إلى بروز ظاهرة قيام مجلس إقليمي فرعي هو مجلس التعاون الخليجي في مطلع الثمانينيات، وهو المجلس الذي ضم في عضويته ست دول خليجية هي: المملكة العربية السعودية، والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية وعمان، وجاء تشكيله في وقت تعرض فيه النظام العربي إلى إعصار شديد، حين انفردت مصر - مقر جامعة الدول العربية - بإبرام اتفاق كامب ديفيد عام 1978 مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، وقد اتسعت هذه الظاهرة في أواخر الثمانينيات، حين تشكل المجلس المغاربي من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، وتشكل مجلس التعاون العربي من مصر والعراق والأردن واليمن.

ولم يُقدر لهذا الأخير أن يصمد فتجمد بسرعة، ولا يزال المجلس المغاربي يتعثر، واستطاع مجلس التعاون الخليجي أن يستمر، ولكن تجارب هذه المجالس الإقليمية الفرعية أثبتت أنها لا يمكن أن تكون بديلا عن النظام العربي الجماعي المتمثل بجامعة الدول العربية، وقد تعرض هذا النظام إلى إعصار شديد آخر بعد زلزال الخليج عام 1990 ومع قيام الولايات المتحدة الأمريكية بطرح "عملية سلام الشرق الأوسط" في خريف عام 1991 ومعها "نظام الشرق الأوسط" ليكون بديلا عن النظام العربي، استهدفت واشنطن تجميد جامعة الدول العربية، ولكن النظام العربي استطاع أن يستعيد شيئًا من فعاليته منذ أواخر عام 1995 حيث تلاقت إرادات ثلاثة من أعضائه هي مصر وسوريا والسعودية في قمة الإسكندرية، ثم حين تم انعقاد مؤتمر قمة عربي في القاهرة في مطلع صيف عام 1996، ومرة أخرى وجد النزوع إلى التعاون بين الدول القطرية العربية تعبيرًا عمليًا عنه، ولا يزال هذا التعبير ضعيفًا، حيث تعذر على مدى السنوات الثلاث التالية انعقاد القمة العربية، ومن المتوقع أن تشتد هجمة واشنطن على هذا النظام العربي بطرح النظام الشرق الأوسطي بديلا عنه، بعد أن تحركت مفاوضات التسوية مع حكومة باراك الإسرائيلية.

منذ أن قامت هذه الدول القطرية العربية ظهر تعبير آخر، عن النزوع إلى التعاون خارج النظام العربي والمجالس الفرعية الإقليمية، هو التعاون الثنائي بين دولتين قطريتين عربيتين، وكان يمتد أحيانًا ليشمل دولة ثالثة، ويخوض تجارب "وحدوية" لم تصمد، ولا يزال هذا التعاون الثنائي القطري أقل من طموح أبناء الأمة، وعرضة للتذبذب بين صعود ونزول. إذا كان هذا حديث النزوع إلى التعاون بين الدول القطرية العربية، فماذا عن حديث النزاع بينهما؟ يقينًا هو يستحق وقفة أخرى.

نقلاً عن قدس برس

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع