علي
صبري

في
الثامن والعشرين من فبراير الماضي 2000 عرض
الرئيس الإندونيسي "عبد الرحمن واحد"
منصب المستشار السياسي على وزير الخارجية
الأمريكي الأسبق "هنري كيسنجر" ، ووافق
الأخير على هذا العرض بترحيب ودون مقابل.
والحدث فيه الكثير من الغرابة وشيء
من الطرافة إذ يبدو أن هذا الموسم موسم تصدير
أو تسويق الخبرة الدبلوماسية الأمريكية. ففي
دكان آخر من سوق الدبلوماسية جرى الحديث
مؤخرًا عن نية مادلين أولبرايت ترشيح نفسها
للانتخابات الرئاسية في جمهورية التشيك مسقط
رأسها. ويبدو أيضًا أن عرض عبد الرحمن واحد
جديد على الحس السياسي. ومن ثم يثور سؤال بدهي
ألا وهو: من الذي سيستفيد من الآخر واحد أم
كيسنجر؟!
علاقات
كيسنجر بالمنطقة قديمة
كيسنجر
على كل حال ليس طارئًا على الأرض
الإندونيسية، فهو يعمل بصورة غير مباشرة
فيها ، من خلال موقعه في مجلس إدارة شركة "فري
بورت – ماك موران" الأمريكية متعددة
الجنسيات التي تدير أحد أكبر مناجم العالم
للذهب والبلاتين في إقليم "إيريان جايا"
. وتعيد "جاكرتا" حاليًا بحث العقود
الموقعة مع الشركات الكبرى التي تعمل في
ميدان التنقيب عن النفط والغاز التي تتركز
في الأقاليم النائية. وكانت هذه الشركات قد
استفادت بصورة فاحشة في عهد "سوهارتو" –الذي
جلب هذه الشركات للعمل في بلاده - حيث تحصد
حصة الأسد من الأرباح، بينما تذهب مبالغ
كبيرة إلى جيوب المقربين منه.
بعض الوزراء الإندونيسيين مثل
وزير البيئة، ووزير التعدين، ووزير الطاقة
تحدثوا عن الآثار السلبية التي تعاني منها
البيئة في إقليم "إيريان جايا"،
واستنكروا أن يبقى مليونان من سكان المنطقة
يعانون من فقر مدقع، بينما تسلب هذه الشركة
خيرات الإقليم . . وتحاول "جاكرتا" أن
تحسِّن من حصتها من أرباح الشركة التي تملك
منها 9 % فقط، بينما تختص "فري بورت" بـ 80
% والباقي تملكه شركة PT
التي يذهب 49 % منها لـ "فري بورت" نفسها و
15 % لشخص يدعى "محمد حسن" المقرب من "سوهارتو"
. وقد أبقى عبد الرحمن واحد من جانبه على عقود
هذه الشركة كما هي بما تملك من نفوذ
وصلاحيات، وهو ما أكد عليه "كيسنجر" حيث
أكد على ضرورة أن تحترم جاكرتا عقودها وألا
تمس مصالح هذه الشركة .
واحد
وإندونيسيا الجديدة
واحد
يحاول أن يحيط نفسه بمجموعة من النخب
والشخصيات صاحبة الخبرة من أجل خدمة أجندته
السياسية، وإلباس إندونيسيا ثوبًا جديدًا
غير الذي عرفت به على مدى عقود الحكم العسكري
الديكتاتوري. فاختار كيسنجر الشخصية
المعروفة عالميًا والحاصلة على جائزة نوبل
للسلام؛ وكان قد لجأ أيضًا لتعيين الوزير
السنغافوري "لي كوان ين" مستشارًا
اقتصاديًّا له. و لقد قوبلت هذه التعيينات
بالاستهجان من قبل الوسط السياسي
الإندونيسي: فقد علق أمين ريس –رئيس
مجلس الشورى الإندونيسي- على استئجار
الخبرات الدولية متهكمًا: "ربما غدًا
سنعين رئيس الوزراء الأسترالي "جون هورد"
مستشارًا عامًّا للتفتيش على الأمن في
الإقليم، الذي اقترح أن تتولى بلاده دور
شرطي الإقليم في جنوب شرق آسيا بدلاً من
الولايات المتحدة. وأضاف أمين قائلاً: "ربما
اخترنا الرئيس الصيني "جيانغ زمين"
مستشارًا للدبلوماسية الصينية".
يحاول واحد أيضًا منذ تسلمه
الحكم في أكتوبر الماضي 1999م إقناع زعماء
وحكومات دول عديدة زارها في جولاته الخارجية
والمستثمرين الدوليين أنه قادر على جلب
بلاده إلى واحة الأمن السياسي والاقتصادي.
فقد شرع في تهدئة نقاط التوتر والصخب
الأمني، وتقليص دور الجيش في الحياة
السياسية التي دأب على التأثير فيها بشكل
كبير، وذلك في إشارة إلى بدء مرحلة جديدة من
التاريخ السياسي والاجتماعي الإندونيسي.
والهدف الأول من ذلك كله هو جلب الاستثمارات
الأجنبية بمعدلات كبيرة، وفتح صفحات جديدة
مع المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية
لإنقاذ الاقتصاد الوطني الذي تدهور كثيرًا
بعد الهزة الاقتصادية التي ضربت ما عرف
بالنمور الآسيوية .
كيسنجر أكد -من جانبه- على أنه
سيساهم في نقل منطقة جنوب شرق آسيا نحو عالم
الديمقراطية، بإبداء المشورة السياسية
والاجتماعية للرئيس الإندونيسي. والمعروف
أن كيسنجر لاعب قديم في المنطقة حيث كان يصيغ
بل ويصنع السياسة الأمريكية في الإقليم
كوزير للخارجية في عهد الرئيسين الأمريكيين
"ريتشارد نيكسون" و"جيرالد فورد".
كما يذكر أن كيسنجر هو الذي أعطى الضوء
الأخضر للرئيس الإندونيسي السابق "سوهارتو"
لاحتلال "تيمور الشرقية". فقد كانت
حكومة "فورد" تخشى بعد الهزيمة
الأمريكية المروعة في فيتنام أن تصبح "تيمور
الشرقية" موطئ قدم للشيوعيين في
إندونيسيا والمنطقة، هذا رغم أن واشنطن لم
تعترف رسميًّا بضم "تيمور الشرقية" إلى
الحكم الإندونيسي إلى أن استقلت بعد
الاستفتاء العام الذي أجري في سبتمبر الماضي.
وقد أثير دور كيسنجر في تيمور في مطلع فبراير
الماضي 2000م، عندما ألغت إدارة جامعة تكساس
في هيوستن محاضرة لكيسنجر بعد أن ثارت في
وجهه اتهامات بأنه مجرم حرب بسبب سياسته
السابقة في تيمور الشرقية التي أدت إلى
إغراق الإقليم في بحر الفوضى والعنف عند
احتلال المنطقة وعند استقلالها على السواء.
كما يجدها كيسنجر فرصة شخصية
وقومية يستعيد بها ذكريات الشباب
الدبلوماسي النشط والمؤثر في الأرخبيل
الإندونيسي. وإذا كانت تلك الحقبة السابقة
قد اتسمت بالهياج السياسي والأمني، وكان هو
ذاته موظفًا سياسيًّا يتحمل فيها مسئولية
إجراءاته وقراراته، فإنه اليوم كمن يلعب
للاستمتاع بالرياضة وليس كمن يخوض مباراة
نهائية تتوتر فيها الأعصاب خوفًا من الهزيمة
ومحاسبة الجمهور قبل محاسبة طاقم التدريب.
وكيسنجر يبقى بحكم منصبه السابق، وانتمائه
متشبعًا بالمصلحة الأمريكية العليا،
واستراتيجيتها ولا يغير من الأمر شيئًا كونه
خادمًا غير رسمي لمصالح واشنطن .
ومهمة كيسنجر لن تكون مرهقة مع
واحد الذي يبدو مستعدًّا بل متحمسًا
للاستجابة إلى أبعد الحدود لمتطلبات
السياسة الأمريكية. وليس أدل على ذلك من
المغازلة المفضوحة والمستعجلة بتقريب
كيسنجر منه، وتصريحاته المتكررة بتحرره من (عقدة)
العلاقة مع تل أبيب. فملفُّه مع تل أبيب لم
يفتح مع مجيئه إلى كرسي الرئاسة كما يتصور.
فقد سبق أن زارها من قبل، ويؤكد على أنه
سيكرر هذه الزيارة لاحقًا، وهذه المبادرة من
واحد تُسِرُّ واشنطن دون شك؛ ففي المنطقة
العديد من الملفات المهمة بالنسبة لها،
وتحتاج إلى قوة إقليمية لها وزنها في منظمة (آسيان)
سكانيًّا وجغرافيًّا –مثل
إندونيسيا-؛ لمساندتها في إدارة هذه
الملفات، ومنها: الضغط وكبح جماح التمرد
الماليزي الذي يمارسه "مهاتير محمد"،
وخاصة على الصعيد الاقتصادي والتعاون مع
المؤسسات المالية الغربية وقضايا العولمة،
والتوتر المستمر مع الصين وكوريا حول قضايا
عسكرية وتجارب الصواريخ وحقوق الإنسان
والعلاقة مع تايوان وهي قضايا تسخن من حين
لآخر، ولايزال ملف القواعد العسكرية
الأمريكية في الفلبين متفاعلاً وباحثًا عن
حل. وبقدر ما تقدم واشنطن لجاكرتا –
عن طريق وسيطها - من مراعاة وتشجيع لرؤوس
الأموال للطيران إلى جاكرتا، وإنعاش
اقتصاده، يستعد واحد لكتابة شيك سياسي على
بياض لواشنطن وبرنامجها في المنطقة. ونعيد
السؤال مرة أخرى: من
الذي سيكون أقدر على الاستفادة أكثر من
الأخر ؟!
قضايا سياسية