بون-أحمد عبد الفتاح
إذا
كان البحر الأبيض المتوسط هو الفاصل
الجغرافي بين المنطقة العربية وأوروبا ، فإن
أكثر من سبعة بحور تفصل بينهما على الصعيد
الأمني العسكري .. فكيف يجري الحديث عن حوار
أمني لإيجاد أرضية يتحرك الطرفان عليها بما
يحقق مصالحهما الأمنية بصورة متوازنة ؟.. وهل
يغني ما يوصف بالأمن المتوسطي-الأوروبي وما
يجري من حوار حوله ، عن علاقات أمنية .. أو
ضمانات أمنية متبادلة بين العرب
والأوروبيين ؟..
مُنْطَلقات
شائكة
إذا
تركنا العوامل التاريخية رغم أهميتها
الكبيرة، ونظرنا إلى الاعتبارات الأمنية
وفق المعطيات الراهنة والاحتمالات
المستقبلية، يمكن تعداد كثير من الأسباب
الداعية إلى توفير أمن مشترك، ولكن لن نعثر
بسهولة على منطلقات مناسبة وأرضية مشتركة ..
لا سيما عند تأكيد موقع " الأمن العسكري
" في محور أي صيغة أمنية مستقرة، سواء
استهدف ذلك ضبط علاقة عدائية بين منطقتين
على أساس الردع المتبادل، أم تحقيق علاقة
تعاونية على أساس مصالح وأهداف مشتركة. وهنا
لا بدّ من توفّر معطيات متكافئة أو قريبة من
التكافؤ على الجانبين، فإن لم يتوفّر ذلك
عسكريًّا .. عددًا وعتادًا ، لا يبقى سوى ربط
النتائج بإرادة الطرف الأقوى، فقد يرغب أو
لا يرغب في إعطاء ضمانات السلامة الأمنية
للطرف الثاني، وإن أعطى فقد يلتزم أو لا
يلتزم .. لخلل ظاهر في معادلة القوى في عصر
سياسات واقعية لا يفسح المجال لتعويض مثل
هذا الخلل بالقيم والمثل والمبادئ، إنما قد
يمكن تعويضه عن طريق ميزات بديلة لدى الطرف
الأضعف، من تقنية متقدّمة، أو اقتصاد مستقر
قوي، أو سوى ذلك ممّا يوازن المصالح
الثنائية .. أمّا ونحن نعلم أنّ مثل هذا
التكافؤ الضروري غائب في الوقت الحاضر على
جانبي البحر الأبيض المتوسط غيابًا كاملاً ،
فلا نملك تجنّب التساؤل المعبّر عن الشك: هل
يمكن أن تقوم بين الجانبين علاقات أمنية
عسكرية إلاّ في صيغة علاقات طرف تابع بطرف
متبوع ؟!
لقـد
عرفت المنطقتان في حقبة زمنية ماضية ما سمي
الحوار العربي-الأوروبي ، ولكن منذ حرب
الخليج الثانية 1991م ومؤتمر مدريد 1992م، بدأ
تغييب وصف المنطقة العربية بالعربية، وأصبح
كل ما يطرح من مشاريع يحمل عنوان
مؤتمرات "شرق أوسطية " تعثّرت بشكل
واضح في الدوحة، ومؤتمرات "متوسطية–أوروبية
" بقيت واقعيًا شكلاً من أشكال الحوار بين
" شمال ثري وجنوب فقير ".. فمحورها هو
الدعم المالي الأوروبي بما وصلت قيمته في
هذه الأثناء إلى زهاء خمسة مليارات يورو (اليورو
يساوي 1.03 دولار)..
ولا تتعرض للقضايا الأمنية إلاّ جزئيًا.
إنّ التعامل
الأوروبي – العربي على هذه المستويات
الجديدة وعلى مستوى إقليمي، كالمفاوضات
الأوروبية-الخليجية، ومفاوضات الاتحاد
الأوروبي مع الشمال الإفريقي، يساهم بصورة
عملية في ترسيخ تجزئة المنطقة العربية
الواحدة إلى مناطق، مقابل طرف أوروبي واحد
يظهر في سائر تلك المستويات كتلة واحدة ، قد
تختلف داخليًا، ولكن تضبط مسيرتها المشتركة
في علاقاتها الخارجية. ومن الطبيعي أن يتركز
الاهتمام في كل لقاء على حدة، على المجال
الذي يهم الأوروبيين مع المجموعة العربية
التي يحاورها .. كالنفط مع الخليجيين، والأمن
الداخلي مع الشمال الإفريقي .. وبالمقابل
يؤدّي هذا التعددّ إلى " تفتيت " ما كان
يمكن أن يعتمد عليه الطرف العربي من ثروات
طبيعية وبشرية، ومن تكامل ما يمكن أن يعرضه
في مفاوضات الأخذ والعطاء، فضلا عن الموقع
الجغرافي المتميز، والسوق الاستثمارية
والاستهلاكية الواسعة .. وجميع ذلك من
العناصر التي إذا أحسنت الاستفادة منها،
أمكن أن تساهم في التعويض الجزئي عن الخلل في
الموازين الأمنية العسكرية.
دمج
إسرائيل في المنطقة هدف الحوار
تخصيص
كل ميدان للمفاوضات المتعددة بقضية معينة،
يطرح السؤال عن الهدف الرئيسي من اللقاءات
الأوروبية-المتوسطية.. وسرعان ما يظهر
للعيان، ولا يقل أهمية وأثرًا عن هدف
التجزئة الإقليمية للمنطقة العربية، وهو
دمج الكيان الإسرائيلي الغريب عن المنطقة
فيها .. وهو لا يمكن اعتباره هدف حوار "ثنائي"،
بل هو في الأصل هدف إسرائيلي-غربي محض، تعطيه
السياسة الغربية وهي تتحرك تحت سائر
العناوين المذكورة، أولوية مطلقة، حتى أصبح
تحقيق ما يراد تحقيقه بالمشاركة
الإسرائيلية في الميادين الاقتصادية
والمالية (بغض النظر هنا عن تقويم صلاحيتها
أو عدم صلاحيتها للتقدم الاقتصادي المطلوب
عربيًا) هدفًا مفصولاً عن مسارات التفاوض
الثنائية والمتعددة ونتائجها.. وفي ذلك بحد
ذاته ما فيه من خطر، ولكن الخطر يتضاعف بوصول
هذا السلوك الغربي إلى الميدان الأمني،
والسعي الحثيث لتثبيت صيغ أمنية متعددة، بما
يرسخ التجزئة الإقليمية من جهة، وما يزيد
تثبيت الخلل الأمني العسكري لصالح "إسرائيل"
من جهة أخرى.
على الصعيد
الأمني لم يعد هذا السلوك مجرد استباق نتائج
التفاوض، بل يعني في الوقت نفسه القضاء على
جوهر المصلحة الأمنية المحتملة لطرف عربي في
علاقات أمنية ما، مع أي طرف آخر بما في ذلك
الطرف الأوروبي. فقد كان الصراع العربي-الإسرائيلي
ومايزال هو الأساس والمحور لأي منطلق أمني
عربي، وليست هذه المسألة موضوع اختيار أو
تأويل أو تفاوض أو اجتهاد، بل هي واقع منظور،
بل تتنامى أهمية موقع الصراع العربي-الإسرائيلي
على خارطة الأمن العربي .. إذ لم يعد هذا
الصراع مقتصرًا على استمرار احتلال فلسطين
واغتصابها وتهويدها والتوسع فيما حولها، بل
انضافت إلى ذلك عناصر أخرى معروفة، مثل
التسلح النووي الإسرائيلي كخطر مستقبلي
مستمر على سائر المنطقة، أو مثل انعكاسات
الصراع على ما يمكن وصفه بالحصار الغربي
التقني للمنطقة .. بمعنى الحيلولة دون اعتماد
على أحدث التقنيات في أي مجال .. لا المجال
العسكري فقط، أو ما يرتبط بالعولمة على
مختلف المستويات. باختصار .. إن المراحل
الراهنة من تطوّر الصراع العربي-الإسرائيلي
، وإن حملت عنوان مسيرات سلمية ومفاوضات
ثنائية ومتعددة، رسّخت بقاء هذا الصراع،
وعمّقت مفعوله من الناحية النوعية، ووسعت
نطاقه من الناحية الجغرافية، فبات مستحيلاً
إغفاله كمنطلق رئيسي محتم على أي صيغة أمنية
..إذا كان مطلوبًا أن تنطوي على تحقيق مصلحة
أمنية عربية ما، انفرادية أو مشتركة.
ويمكن أن نسقط
جدلاً في إطار الحوار العربي-الأوروبي أو
المتوسطي-الأوروبي الحديث عن المنطلق الذي
يرفض ابتداء الجمع بين قيام أي " سلام "
مع الكيان الصهيوني واستمرار أي "اغتصاب"
لأي جزء من الأرض .. رغم ذلك يبقى على ضوء ما
سبق، ومن الناحية المنطقية المحضة، وكما
تقول مفردات السياسة الواقعية: إن الحديث عن
الأمن بين المنطقتين، مع تجاهل أهم عناصره
بالنسبة إلى الطرف العربي، يجعل الحوار
فارغًا من مضمونه، سيّان ما هي اللافتة
المرفوعة فوقه.
ويمكن المضي خطوة
أبعد بالنسبة إلى جولات الحوار المتوسطي-
الأوروبي .. فما تناول منها الجانب الأمني –وهو
قليل- لم يقتصر على تجاهل ذلك العنصر الرئيسي
بمنظور الأمن العربي، بل شمل إلحاق الضرر
المباشر بالمصالح الأمنية العربية ..
فالمؤتمرات الثلاثة التي انعقدت حتى الآن،
لم تضع الصراع العربي-الصهيوني خارج قوسين
مثلاً، بمعنى تأجيله بسبب تباين نظرة
المنطقتين إلى هذه القضية حاليًا، بل انطلقت
من اعتباره وكأنه قد انتهى مسبقًا، فبات
المطلوب هو الوصول إلى صيغة أمنية ما،
بمشاركة عربية وإسـرائيلية، ودون اعتبار
لما يمكن أن توصل إليه أو لا توصل مسارات
التفاوض الجارية، بالنسبة إلى الأرض
المحتلة عام 1967 م، ومصير المشرّدين في
النكبتين، والشطر الشرقي على الأقل من بيت
المقدس .. فجميع ذلك –
ممّا يوصف بالقضايا الأساسية- فضلاً عن
مسائل التسلّح نفسها، وضعته جولات الحوار
جانبًا، لحساب الجهود الحثيثة من أجل تحقيق
الاندماج الإسرائيلي في المنطقة على كل
صعيد، بما في ذلك الصعيد الأمني.
ومن
هذه الزاوية يمكن النظر فيما سمّي " وثيقة
الاستقرار والأمن في منطقة البحر الأبيض
المتوسط " التي بدأ الحديث عنها في لقاء
شتوتجارت بألمانيا، في منتصف نيسان / إبريل
عام 1999 م، وتقرر العمل على وضع صيغة لها قبل
انعقاد اللقاء القادم عام 2001 م . وكان
المؤتمران السابقان في برشلونه عام 1995 م وفي
مالطه عام 1997م ، قد ركزا على مشاريع اقتصادية
مختلفة، محورها الرئيسي هو " الاندماج "
المطلوب إسرائيليًا، وهو ما يجري عن طريق
الأردن ومصر في الدرجة الأولى.
نقاط
التقاء…ونقاط
افتراق
وعلى الصعيد الأمني، وقف
الأوروبيون موقف المعارضة للأفكار التي
طرحها الأمريكيون في مطلع التسعينيات في
ندوة ميونيخ للشؤون الأمنية ثم على مستوى
حلف شمال الأطلسي، وعرفت بشعار "الإسلام
عدو بديل" ولكن المشاركة الأوروبية في
الخطوات العملية التي صنعها هذا الشعار
تتناقض مع تلك المعارضة الفكرية والسياسية
المبدئية، وكان من أبرز تلك الخطوات تحويل
صياغة المهام المستقبلية لحلف شمال
الأطلسي؛ لمواجهة ما وصفه أمينه العام
السابق فيلي كلاس بخطر "هلال الأزمات"،
وشرحه بأنه يشمل المنطقة الممتدة ما بين
المغرب وإندونيسـيا، ثم تبـع ذلك تعديل عدد
من الدول الأوروبية -وفي مقدمتها فرنسا
وألمانيا- للمهام الدفاعية للقوات المسلحة
الوطنية، فوصل مفهوم مواجهة "الخطر
الأصولي الإسلامي" إلى قلب المفاهيم
العسكرية وأساليب التدريب والتوعية داخل
الجيوش الأوروبية، ورافق ذلك أيضا تعديل
البنية الهيكلية للقوات الأطلسية المشتركة،
والذي احتل مكانة رئيسية في لقاءات القمة
السنوية، ولقاءات وزراء الدفاع والخارجية
كل ستة شهور، حتى بلغ ذلك مداه في القمة
الأطلسية في مدريد عام 1998 م جنبًا إلى جنب مع
قرار التوسعة شرقًا، ومعاهدات الزمالة مع
عدد من الدول الشرقية -الشيوعية سابقًا-
ومنها الاتحاد الروسي. وعلى المستوى
الأوروبي أيضا بدأت تتكون فرق التدخل
السريع، وكانت أولاها الفرقة التي شكلتها
أسبانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال، بهدف
عسكري واضح هو مواجهة الأزمات المحتملة في
الشمال الأفريقي، وليس معروفًا بعد ما إذا
كانت القوة الأوروبية الجديدة للتدخل
السريع، والتي سيقرر بصددها في القمة
الأوروبية في نهاية آذار
/ مارس، ستنطوي على بُعد مماثل تجاه المنطقة
العربية، أم ستركز مبدئيًا على الأزمات
المحتملة في الساحة الأوروبية نفسها، بعد
الخبرات السلبية التي سجلها الأوروبيون
لموقعهم الضعيف أطلسيًا في منطقة البلقان.
ومقابل
هذه المنطلقات السلبية لأي صيغة أمنية عربية-أوروبية
يمكن رصد الجهود الأوروبية للتميز الأمني عن
الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ينطوي
على الرغبة في عدم إقحام الأوروبيين في "مغامرة
عسكرية أطلسية" خارج المجال الجغرافي
الأطلسي، مما يشمل المنطقة العربية
والإسلامية. ولكن من العسير في الوقت الحاضر
الجزم بما يمكن أن ينشأ عن ذلك من مساعٍ
أوروبية مستقبلية لتخفيف وطأة الهيمنة
الأمريكية أطلسيًا، وهل ستتوجه شرقًا حتى
الاتحاد الروسي، أو جنوبًا بما يشمل المنطقة
العربية.
أما
الآن فينبغي الانطلاق من استمرار ارتباط
التوجهات الأوروبية الأمنية ذات العلاقة
بالمنطقة العربية ارتباطًا وثيقًا بالسياسة
الأمريكية والأطلسية، وحتى في أقصى درجات
السعي للتميز الأوروبي، كما هو الحال مع
فرنسا، تكشف المواقف الأخيرة الصادرة عن
رئيس الوزراء الفرنسي، وتأكيدها من جانب
رئيس المفوضية الأوروبية أن هذا الارتباط لن
يزول في المستقبل المنظور على الأقل، ما لم
تقع في المنطقتين الأوروبية والعربية
تطورات جذرية جديدة.
وليس
سهلا في هذا الإطار العثور على نقاط التقاء
عديدة بمفهوم السياسة الواقعية، أما ما
يتردد عنه الحديث بهذا الصدد فيبقى محصورًا
بين حاجزين رئيسيين:
الحاجز
الأول:
"هدف أوروبي ثابت": يتمثل في اعتبار
الصيغة الأمنية المشتركة المحتملة ثمرة لما
يراد تثبيته على صعيد الخريطة السياسية
والاقتصادية للمنطقة، وفي هذا الإطار يندرج
مشروع "الوثيقة الأمنية" التي تقرر في
لقاء شتوتجارت الأوروبي-المتوسطي وضعها خلال
عامين، فهي تعتمد على سلسلة من المقدمات
السابقة لربط المنطقة بأوروبا اقتصاديًا،
دون النظر إليها كوحدة عربية متجانسة،
فالأوربيون يفاوضون دول الشمال الإفريقي كلا
على انفراد لعقد اتفاقات اندماج مشتركة،
ويفاوضون مجلس التعاون الخليجي بصورة مستقلة
لعقد اتفاق على منطقة تجارية حرة، ويفاوضون
الدول العربية الواقعة على ساحل البحر الأبيض
المتوسط في الحوار الأوروبي-المتوسطي، الذي
يشمل الكيان الإسرائيلي، وتركيا، واليونان،
ويراد أن يشمل منطقة البلقان، كما أنه تجاوز
الدول الأوروبية المتوسطية، ليشمل الاتحاد
الأوروبي بمجموعه، دون أن يتجاوز بالمقابل
الدول العربية المتوسطية ليشمل دولاً عربية
أخرى من المنطقة.
والحاجز
الثاني: أشبه بوهم عربي يتحدث عن
تجاوز سائر التناقضات الحضارية التاريخية،
والمصالح المادية الراهنة، وما يطرح
أوروبيًا بشكل علني، والجهود العملية
المبذولة لترسيخ التجزئة "الأمنية"
عربيًا .. لتحقيق علاقات تعايش وجوار وتعاون .
ولا يمكن الرقي بهذا الوهم إلى مستوى "أمل"
ناهيك عن مستوى "الهدف" ما لم يتحرك
الأوروبيون بخطوات عملية ملموسة في هذا
الاتجاه، على صعيد ما يمارسونه من سياسات،
ويتخذونه من إجراءات، وليس في إطار جولات
حوار، غالبها دون المستوى الرسمي، فضلا عن أن
يكون من مستوى الإلزام بتعديل المناهج
الدراسية مثلاً، أو التأثير الفعال على مراكز
صناعة القرار مثلاً آخر.
ولا
ريب في الأصل في صحة النظرية القائلة: إن
الصيغة الأمنية يمكن أن تكون ثمرة صيغة
اقتصادية، ولكن المسار الذي يتخذه تطبيق هذه
النظرية في الميادين المذكورة يعني ترسيخ
التجزئة العربية اقتصاديًا جنبًا إلى جنب مع
مضي أوروبا في وحدتها الاقتصادية والسياسية،
وربط كل جزء من
المنطقة العربية بمصالح اقتصادية بعيدة عن
مصالح الأجزاء الأخرى وقد تتناقض معها
أحيانًا، بدلاً من ربط أطراف المنطقة العربية
ببعضها بعضًا، وهو ما تتوفر له سائر المعطيات
من الناحية النظرية، من حيث الثروات الطبيعية
والمالية والبشرية والطاقات الاختصاصية.
وإذا
كان من مصلحة أوروبا أمنيًا أن تتميز عن
الولايات المتحدة الأمريكية، مما يصب بشكل من
الأشكال في مصلحة المنطقة العربية الواقعة
تحت هيمنة أمريكية في الوقت الحاضر، فإن نقطة
الالتقاء هذه سرعان ما تفقد مفعولها عند
النظر في المساعي الأوروبية لتكون الصيغة
الأمنية الأوروبية للمنطقة هي المهيمنة
كبديل عن الولايات المتحدة الأمريكية، وليس
لإيجاد صيغة أمنية متوازنة بين طرفين على قدم
المساواة .
ويشير
الدكتور سامي الخازندار ( في كتابه: المسلمون
والأوروبيون نحو أسلوب أفضل للتعايش) إلى
توظيف وضع الإسلام في خانة "الخطر على
الأمن الأوروبي"؛ مما يفضي إلى "القضاء
على فكرة التعايش تمامًا" وهو ما لا يمكن
التهوين من شأنه في الوقت الحاضر على الأقل،
فالتيار الفكري الغربي عمومًا وبتأثيره
الكبير على وضع المناهج السياسية في الغرب،
يغلب عليه هذا الاتجاه العدائي، مقابل أصوات
بدأت بالظهور تدريجيًا، ولكن لم تصل إلى
مرحلة التأثير بما تحذر به من النتائج
السلبية على المدى البعيد للسلوك العدائي
المتبع.
ولكن
هذا التوجه الغربي أو الأوروبي، لا يشير إلى
نقطة افتراق أساسية في التصورات الأمنية
للمستقبل فقط، بل يشير في الوقت نفسه إلى نقطة
الضعف الرئيسية على الصعيد العربي للدخول في
أي شكل من أشكال التعايش .. أو التفاهم .. أو
التقاء المصالح في الميدان الأمني مع
الأوروبيين، ناهيك عن نقطة الضعف الأكبر في
حال انتقال العداء إلى مستوى الصدام أو
المواجهة، بين فريق أوروبي .. يزداد تماسكًا
وتميزًا وتفوقًا في مختلف الميادين التي تشكل
عناصر أمنه ، وبين فريق عربي -أو إسلامي أشمل-
ما يزال يسود في أوساطه الجدال حول هويته
وانتمائه، هل تكون قومية أم قطرية أم إقليمية
أم إسلامية، مع ما يعنيه ترسيخ الانتماء من
صياغة تصورات جديدة للتعاون أو الاختلاف،
وللتكامل أو النزاع.
على
ضوء ما سبق يمكن تحديد النقاط الرئيسية
للافتراق والالتقاء بين المنطقتين العربية
والأوروبية أمنيًا فيما يلي:
1- الخلل في جذور العداء بين حضارة أوروبية
أنانية احتكارية، وحضارة إسلامية إنسانية
تاريخيًا، مفتقدة في الواقـع الراهن، وهو خلل
لا يمكن تجاوزه للالتقاء على أرضية مشتركة،
ما دامت أشكال الحوار الجارية قاصرة عن ذلك.
2- الخلل في تطور المنطقتين اقتصاديًا
وسياسيًا سيؤثر على استمرار الخلل في
العلاقات الأمنية، فتبقى كل صيغة مشتركة
محتملة، صيغة قائمة على أساس تابع ومتبوع
وليس على أساس مصالح مشتركة على قدم المساواة.
3- إذا كانت المصالح الأوروبية تلتقي مع
المصالح العربية في أن يسـود السلام
والاستقرار في المنطقتين المتجاورتين، فإنها
تفترق عند نقطة الكيفية التي يحرص الأوروبيون
في إطارها على دمج الكيان الإسرائيلي في
المنطقة، بينما لا تصل المساعي العربية في
هذا الإطار إلى أقصى من القبول بالإكراه بهذا
الاندماج، تحت ضغوط تفوق عسكري مدعوم غربيًا،
ويمثل خطرًا أمنيًا كبيرًا، وهو ما يتناقض مع
إمكانية الاستقرار والسلام على المدى
المتوسط والبعيد.
4-
وإذا كانت المصالح الأوروبية تلتقي مع
المصلحة العربية في الحد من الهيمنة
الأمريكية عالميًا، فإنها تفتقر أولا إلى
قاعدة التوازن الضرورية لالتقاء تلك المصالح
على أرض الواقع، سواء من حيث القدرات
العسكرية، أو من حيث تجانس السياسات الأمنية
العربية.
تابع في نفس الموضوع:
q
الواقع
الأمني الأوروبي...محاولات الاستقلال
q
الواقع
الأمني العربي…تقويض
الأركان
قضايا سياسية